مرآة سوداء
مرآة .. خواطر أدبية

مرآة سوداء

مرآة سوداء .. نعم، مرآتي كذلك. ففي ظل نمط الحياة السريعة التي إعتادنا عليها. وأهملنا كل شيء آخر. عدت من العمل في ذلك اليوم متعب حد الإنهاك، حاولت أن أخلع عني هموم ذلك اليوم الثقيل. لكن ما حدث في ذلك اليوم جعلني أعيد التفكير في كل شيء في الحياة.

وجوه كثيرة

مرآة غرفتي مازالت صدئة. أزلت عنها غبار الأيام. وتوقفت أمامها أنظر لنفسي. كانت لدي رغبة قوية تجذبني نحو معرفة القليل ما تُخبئه لي نفسي. لكني للأسف لم أر وجهي، بل رأيت وجوهاً كثيرة. وجوه جميلة ناضرة، وأخرى قبيحة مغبرة. وجوه حزينة وأخرى سعيدة. قلقة أحياناً ومطمئنة أحيان أخرى. خبيثة تارة وطيبة تارة أخرى.

كانت الوجوه تُطل من خلف المرآة. وهي تبكي وتضحك، وتلوح لي بحركات غريبة. ضحكت على إثرها المرآة فتحطمت. فغابت الوجوه جميعها إلا تلك العيون التي مازالت تُحدق من خلف الزجاج المحطم. عيون بائسة حزينة متوجعة، تحمل في نظراتها الجنون والقلق، لكن لحظات قليلة حتى صدأت مع لهيب الوقت كتلك الوجوه التي شاخت خلف الزمن.

مرآة بلا أقنعة

حينما توقفت أمام المرآة رأيت نفسي ولأول مرة بلا أقنعة. رأيتها كما هي واضحة مبهرة. صافية نقية كحبيبات المطر. رأيت صورة ما اعتدت رؤيتها من قبل أبداً.

مرآتي صدئة. يكسوها الغبار. وبعضاً من النقط السوداء نتيجة مرور الزمن عليها. ولكن برغم كل ذلك رأيت فيها جمالاً لم يكن ليرتسم على مجرد مرآة مُغبرة. فيما كانت الصورة بداخلها تشع حياة وتتوهج بالأمل.

رأيت ملامح وجهي لأول مرة. تغلغلت بداخل روحي التي طغى عليها الجسد البالي المثقل بهموم الحياة. فوجدت براءة نقية تختفي وراء شخصية النضوج المهترئة. رأيت ذلك الهدوء يكمن داخل الروح الساكنة. رأيت نفسي كما لم أعهدها من قبل. رأيتها كما هي بلا أقنعة، بلا ثياب رثة. عارية تماماً، نقية تماماً، حرة تماماً.

نرجسية

ليس هذا إطراء لنفسي ولا نوعاً من النرجسية. لكني بكل بساطة رأيت نفسي لأول مرة أمام ذاتها وجها لوجه. رأيتها كما لم أراها من قبل فيما مضى من عمري، إنها الروح ذات البريق الجذاب. ما كنت أراه لم يكن صورة فحسب، بل روحاً تتحرك بالداخل. ذاتاً تتوارى خلف وجه مرآة.

لم يكن صعباً أن أعرف شيئاً عن ذاتي في خضم الحياة السريعة التي نحياها بمبادئها السخيفة، وقوانينها البالية. لقد نسينا أن نُحدق جيداً في أنفسنا، وجهلنا تفاصيل كثيرة، ومهمة من وجوهنا وملامحنا. فتباً لك أيتها الحياة اللعينة…….

” لقد اكتشفت نفسي دون الحاجة لجلسة طبيب نفسي، أو تعويذة سحرية، أو قارئة فنجان، فقط من خلال صورتي في مرآة”

وائل الشيمي

كاتب وأديب مصري

اترك تعليقاً