تحليل رواية عالم صوفيا: أن نعرف مَن نحن؟ ولماذا نعيش؟

You are currently viewing تحليل رواية عالم صوفيا: أن نعرف مَن نحن؟ ولماذا نعيش؟
رواية عالم صوفي للكاتب النرويجي جاستين غاردر

رواية عالم صوفيا هي رواية للكاتب النرويجي جوستاين غاردر والتي كانت واحدة من ضمن أكثر الروايات مبيعاً في العالم. حيث ترجمت إلى أكثر من أربعين لغة. تتناول الرواية تاريخ الفلسفة بطريقة شيقة ورائعة. وفي هذا المقال نستعرض تحليل رواية عالم صوفيا بشيء من التفصيل.

ملخص رواية عالم صوفيا

تدور أحداث الرواية حول صوفيا أموندسن وهي فتاة تبلغ من العمر أربعة عشر عاماً، تعيش في النرويج. وفي إحدى الأيام وأثناء عودتها من المدرسة تتفاجأ بوجود رسالة باسمها بداخل صندوق البريد تحتوي على بعض الأسئلة، وفي وقت لاحق من اليوم تحصل على بعض الأوراق المطبوعة التي تصف أفكار الفيلسوف الذي تعامل مع القضايا التي أثارتها الأسئلة. تكتشف صوفيا أن ألبرتو نوكس هو اسم الفيلسوف الذي يعلمها الفلسفة وهو الذي يرسل لها هذه الرسائل.

لماذا يحتاج البشر إلى الفلسفة

يخبر ألبرتو صوفيا عبر رسائله عن أهمية الفلسفة فهي وثيقة الصلة بالحياة، وتستند المبادئ الأولية للفلسفة على الشك والتأمل في وجودنا نحن البشر. ثم يشرع في استعراض تاريخ الفلسفة الغربية. يتحدث ألبرتو مع صوفيا عن الأساطير القديمة التي نسجها خيال البشر في محاولة منهم للتوصل إلى تفسيرات للعمليات الطبيعية التي تحدث في العالم. ثم تتعرف على الفلاسفة الطبيعيين المهتمين بالتغيير. بينما يستعرض لها فلسفة ديموقريطس ابتكار نظرية الذرات غير القابلة للتجزئة، وغيره من فلاسفة الطبيعة الآخرين.

وفي نفس الوقت الذي تدرس فيه صوفيا دورة الفلسفة، تتلقى بطاقة بريدية غريبة مرسلة إلى فتاة تدعى هيلدا مولر كناغ من قبل والد هيلدا الذي يتمنى لها عيد ميلاد سعيد. تنتاب صوفيا الحيرة وتشعر بالارتباك حينما تتساءل عما يجعل والد هيلدا يرسل لها هذه الرسائل، وتزداد حيرة عندما تجد وشاحاً عليه اسم هيلدا. إنها لا تعرف ما يحدث لكنها على يقين من أن هيلدا ودورة الفلسفة يجب أن يكونا مرتبطين بطريقة ما. تعود صوفيا لاستقبال الرسائل التي تعلمها عن سقراط، الذي كان حكيماً بما يكفي ليعرف أنه لا يعرف شيئاً. ثم يرسل لها ألبرتو مقطع فيديو يظهره في أثينا الحالية، وبطريقة ما يبدو أنه يعود بالزمن إلى أثينا القديمة. كما تتعرف على فلسفة أفلاطون وعالم المثل الخاص به، ثم تتعلم عن أرسطو، الذي انتقد أفلاطون، وصنف الكثير من العالم الطبيعي، وأسس علم المنطق.

العصور الوسطى في رواية عالم صوفيا

مع استمرار تعليم صوفيا، يبدأ وضع هيلدا في التعقيد. حيث مازالت تجد العديد من البطاقات البريدية في صندوق بريدها والتي من المفترض أن ترسل إلى هيلدا، وبعض هذه الرسائل مؤرخ في 15 يونيو، وهو يوم عيد ميلاد صوفيا الذي ستبلغ فيه 15 عاماً. أصبحت علاقة صوفيا مع والدتها متوترة إلى حد ما لأنها تحاول التستر على المراسلات مع ألبرتو وممارسة تفكيرها الفلسفي على والدتها. وفي هذه الأثناء، يخبر ألبرتو صوفيا عن يسوع وعن امتزاج الثقافة السامية والهندو أوروبية. كما تتعلم عن القديس أوغسطينوس وتوما الأكويني وعن تنصير الفلسفة اليونانية التي حدثت في العصور الوسطى. وبحلول هذا الوقت، قابلت صوفيا ألبرتو وبدأ في التلميح إلى أن الفلسفة على وشك أن تصبح ذات صلة كبيرة بالأشياء الغريبة التي تحدث لها.

عصر النهضة

تتعلم صوفيا عن التركيز على الإنسانية في عصر النهضة ونهايات عصر الباروك، ثم يركز ألبرتو على بعض الفلاسفة الرئيسيين. علمها على وجه السرعة عن ديكارت. ثم ينتقل إلى سبينوزا، وسرعان ما يكتشف صوفيا وألبرتو أن والد هيلدا يراقبهما بل وله قدرات خارقة يستطيع من خلالها التأثير عليهما. كذلك تتعلم صوفي عن التجريبيين، وعن جون لوك وديفيد هيوم، وإيمانويل كانط وبيركلي. ويعد بيركلي هو الفيلسوف الأهم بالنسبة إلى صوفيا لأنه اقترح أن حياتنا كلها ربما كانت داخل عقل الله. ويقول ألبرتو إن حياتهم داخل عقل ألبرت كناغ، والد هيلدا.

عصر التنوير

في هذه المرحلة تتحول القصة إلى وجهة نظر هيلدا. ففي 15 يونيو، وهو عيد ميلادها الخامس عشر، تتلقى هيلدا هدية عيد ميلاد من والدها وهي رواية بعنوان عالم صوفيا. تبدأ هيلدا في القراءة وكانت مفتونة بالقصة. نتابع بقية قصة صوفيا من منظور هيلدا. وتحاول هيلدا أن تتأكد من وجود صوفيا، وأنها ليست مجرد شخصية في رواية. لذا اقترح ألبرتو وهو شخصية أخرى في الرواية خطة للهروب من عقل ألبرت كناغ، لكن يجب عليهما إنهاء دورة الفلسفة قبل أن يحدث ذلك. تتعلم صوفيا عن عصر التنوير يعلم صوفي عن وعن العصر الرومانسي ونظرة هيجل الديالكتيكية للتاريخ، واعتقاد كيركجارد بأن وجود الفرد أساسي. ومن هنا نصل إلى ماركس وداروين وسيغموند فرويد وسارتر. وكل ذلك خلال محاولة يائسة للتنفيذ خطة للهروب على الرغم من أن والد هيلدا يعرف كل ما يفعلونه. ثم في نهاية رواية عالم صوفيا يستطيع ألبرتو وصوفيا الهروب من عقل ألبرت كناغ، لينطلقا سوياً في رحلة كروحين غير مرئيين.

اقرأ أيضًا: تحليل رواية الخيميائي: أيقونة يمكنها تغيير نظرتك إلى العالم


عن رواية عالم صوفيا

رواية عالم صوفيا للكاتب النرويجي جوستاين غاردر. وهي رواية يستعرض فيها تاريخ الفلسفة الغربية ببساطة وإيجاز وبطريقة شيقة. وُلد جوستاين غاردر في أوسلو بالنرويج عام 1952. وكان والده مدير مدرسة وكانت والدته معلمة وكتبت أيضاً كتباً للأطفال. وعندما شب غاردر التحق بجامعة أوسلو، حيث درس اللغات واللاهوت الاسكندنافي. وفي عام 1974 تزوج وبدأ الكتابة. ثم شرع في تدريس الفلسفة في المدرسة الثانوية في عام 1981، وهي المهنة التي استمر بها لمدة أحد عشر عاماً.

كانت كتابات غاردر المبكرة مساهمات في كتب الفلسفة واللاهوت، وفي عام 1986 نشر كتابه الأول، ثم أتبعه بكتابين للأطفال قبل نشره كتاب لغز سوليتير، والذي فاز بجائزة النقاد الأدبيين النرويجيين لعام 1990 وجائزة وزارة الشؤون الثقافية والعلمية الأدبية في النرويج. ومع نشر رواية عالم صوفيا في عام 1991، اكتسب غاردر شهرة دولية. حيث أصبحت الرواية خلال ثلاث سنوات أفضل الكتب مبيعاً في النرويج. وسرعان ما تم ترجمة الرواية لأكثر من لغة في جميع أنحاء العالم. وكذلك أصبحت الرواية الأكثر مبيعاً في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا العظمى. بينما تم نشرها بأربع وأربعين لغة، وفي عام 1995 كانت رواية عالم صوفيا هي الرواية الأكثر مبيعاً في العالم.

اقرأ أيضًا: ملخص رواية العجوز والبحر: محنة رجل عجوز يكافح ضد الفناء


تحليل رواية عالم صوفيا

يشتهر غاردر بكتابته من منظور الأطفال ومعظم كتبه مخصصة لجمهور صغير السن. ومع ذلك، فقد نجحت رواية عالم صوفيا في سد الفجوة بين الجماهير من مختلف الأعمار. حيث تبلغ بطلة القصة، صوفي، الخامسة عشرة من عمرها أثناء سير الرواية. ومع ذلك، فإن الكتاب يحمل عنوانًا فرعياً هو “رواية عن تاريخ الفلسفة”، وفيه يتناول غاردر 2000 عام من الفكر الفلسفي الغربي. تنبع الكثير من شعبية الكتاب من حقيقة أنه يأخذ أفكاراً معقدة ويقدمها بلغة مفهومة للشباب. لقد تم استخدامه ككتاب مدرسي في العديد من الدراسات الاستقصائية التمهيدية للفلسفة في السنة الأولى. حيث قام غاردر بنفسه – كما أشرنا آنفاً – بتدريس فلسفة المدرسة الثانوية لمدة أحد عشر عاماً، لذلك لا بد أنه كان على دراية تامة بأهمية تدريس هذا الموضوع. بينما تلقى كتابه استحساناً باعتباره رواية وكتاريخ في الوقت ذاته.

الفلسفة بطريقة شيقة

إن طريقة غاردر في استعراض الفلاسفة رائع للغاية لأن كل فصل غالباً ما يركز على مفكر واحد أو خط فكري واحد. لذلك، يمكن أن يكون الكتاب لفهم فيلسوف معين. وفي الوقت نفسه، يتم نسج الحبكة بشكل معقد من خلال تاريخ الفلسفة، وبالتالي فإن قراءة الكتاب كرواية أمر ممتع ويمنح القارئ أساساً متيناً في تاريخ الفكر الفكري الغربي. ومن المحتمل أن غاردر أراد أن يبتكر طريقة لتدريس الفلسفة لا تكون تربوية. لذا حظيت رواية عالم صوفيا بشعبية بين الأطفال والكبار على حد سواء لأنه يعلم الفلسفة بوضوح وبطريقة مسلية وشيقة.

أما بالنسبة لما يغطيه غاردر في روايته فهو مقبول إلى حد ما، وسيجد الجمهور المستهدف للرواية أنها مثيرة جداً للاهتمام. لكن تكمن المشكلة في إنه يغطي القليل جداً. حيث تم رفض كل شيء قبل الإغريق القدماء، وجعله مجرد مجموعة متنوعة من الأساطير المتعددة الآلهة، على الرغم من وجود عدد من الأديان والفلسفات التي كانت موجودة قبل هذا العصر مثل الزرادشتية واليهودية وغيرها من الأفكار التي كانت موجودة قبل آلاف السنين قبل أن تبدأ الرواية رحلتها مع “ما قبل سقراط”.

الفلسفة الشرقية

كذلك تم استبعاد الفلسفة الشرقية بشكل عام تماماً، وبسبب هيكلة سرد رواية عالم صوفيا، فإن الكثير من المفكرين اللاحقين مثل سارتر وكيركجارد لم يحظوا بنفس القدر من الاهتمام مثل الفلاسفة الأوائل على الرغم من أن أفكارهم متشابهة، إن لم تكن أكثر تعقيداً. وفي اعتقادي أنه لا ينبغي تعلم الفلسفة بشكل مستقل عن الأشياء الأخرى. حيث يجب توفير السياق التاريخي من أجل فهم الأفكار والأطروحات بشكل أفضل كما كانت مفهومة في ذلك الوقت؛ خلافاً لذلك، ستأخذ دائماً أفضل تخمينات حول مدى قابلية تطبيق شيء ما لأنك لن يكون لديك سوى وقتك وثقافتك لمقارنة الأفكار بها. يجب توفير أنواع أخرى من السياقات للأفكار التي تبتعد عن التأمل الوجودي أو الأخلاقي – يجب دعم الأفكار المبكرة حول علم الأحياء، على سبيل المثال، بنظرة حديثة حول كيفية التعامل مع المفاهيم الآن. هناك أوقات في هذا الكتاب تُطرح فيها أسئلة بيولوجية وفلكية يمكن الإجابة عليها بسهولة بالمعرفة العلمية الحديثة، لكن المؤلف يتجاهل وضع هذا في الاعتبار.


في الختام وبعد تحليل رواية عالم صوفيا لابد من الإشارة إلى إنها رواية تستحق القراءة بالفعل وعلى وجه التحديد لمن لديه اهتمام ولو بسيط بالفلسفة وقضاياها.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك