هيباتيا: الموت المفاجئ والوحشي لأشهر فيلسوفة في التاريخ

You are currently viewing هيباتيا: الموت المفاجئ والوحشي لأشهر فيلسوفة في التاريخ

كانت هيباتيا فيلسوفة وعالمة رياضيات وعالمة فلك عاشت في الإسكندرية في القرن الرابع. كانت الأوقات مضطربة والنهاية الوحشية والمفاجئة لحياة هيباتيا تظهر مدى صعوبة أن تكون مفكراً عظيماً في تلك الفترة من التاريخ. كامرأة تتمتع بمثل هذه المهارات والمعرفة القوية، سرعان ما تحولت إلى كبش فداء للدين والسياسة.

نبذة تاريخية

شهد القرن الرابع الانتقال الرسمي للإمبراطورية الرومانية من دولة وثنية بالكامل إلى كيان وثني ومسيحي مشترك. وفي العديد من الأماكن بدأت المسيحية في الظهور – لا سيما في الإمبراطورية الرومانية الشرقية. حيث كانت مدينة الإسكندرية تقطن في قلب هذا الصراع. ففي مدينة الإسكندرية اندمج الوثنيون واليهود والمسيحيين، ودخلوا في صراع مزمن. في هذا الصراع الديني دخلت هيباتيا، العالمة والفيلسوفة ورئيس المدرسة الأفلاطونية في الإسكندرية، التي لقيت موتاً مفاجئاً في أكثر الظروف وحشية وظلماً.

تظهر حياة هيباتيا بشكل أكثر شيوعاً من خلال حياة الرجلين المسؤولين عن الإسكندرية خلال وجود هيباتيا وهما الحاكم الوثني أوريستيس والأسقف المسيحي كيرلس. لم يكن بالإمكان أن تتحدث السجلات التاريخية عن حياة هذه الفيلسوفة إلا مرتبطة بهذين الرجلين. ربما حاول العديد من المؤرخين الحديث عن حياة هيباتيا خارج سياسة هذين الرجلين إلا أن الأمر دوماً ما باء بالفشل. لكننا سنعتمد على مصدرين قديمين هما كتابات سقراط سكولاستيكوس، الذي كتب عنها بعد سنوات قليلة من وفاتها، وجون نيكيو الذي تناول سيرتها بعد بضع مئات من السنين. وعلى الرغم من أنهما كتبا عن الفيلسوفة وعلاقتها بأوريستيس وكيرلس إلا أنهما يقدمان النظريتين الأكثر انتشاراً حول مَن كانت خلال حياتها، وبالتالي يمثلان اثنتين من أفضل المراجع.


مَن كانت هيباتيا؟

هيباتيا

ولدت هيباتيا حوالي عام 355 بعد الميلاد، وكانت ابنة ثيون، عالم الرياضيات والفلك، وآخر عضو معتمد في جامعة الإسكندرية. قرر والدها أنه يريد أن يجعل من ابنته عالمة وفيلسوفة. لذا عندما رأى اهتمامها بالعلوم والرياضيات قام بمساعدتها في تعلم هذه العلوم وشجعها على توسيع معارفها في الخارج أيضاً. وبحلول الوقت الذي بلغت فيه من العمر 31 عاماً، كانت هيباتيا قوة أكاديمية رئيسية في الإسكندرية. حيث يرجع الفضل إلى هيباتيا في كتابة التعليقات على هندسة أبلونيوس البرغاوي ونظرية الأعداد الخاصة به. عملت أيضاً على مراجعة لأحد مشاريع والدها. لكن لسوء الحظ، فقدت كل أعمالها الأصلية.

ساعدتها مهاراتها القوية في تدريس النصوص القديمة وحفظها والتعليق عليها على أن تصبح المعلم الرائد لمدرسة أفلاطونية في مصر، حيث قامت بتدريس علم الفلك وفلسفة أفلاطون. وقد قيل أيضاً أنها كانت رائدة الرياضيات والفلك في عصرها. كتبت فيلوستورجيوس، مؤرخة الكنيسة والمعاصرة لهيباتيا أنها “قدمت العديد من العلوم الرياضية” و “أصبحت أفضل بكثير من أستاذتها في فن مراقبة النجوم.”. حيث كانت أول من رسم مواقع الأجرام السماوية.

ربما كانت شعبيتها ومعتقداتها الدينية والمواضيع التي درستها تفسر جزئياً سبب استهدافها لاحقاً من قبل مسيحيي الإسكندرية – فالمرأة التي تتمتع بمثل هذه المعرفة والمهارة الفكرية كانت تعتبر خطيرة في هذه الفترة. لكن موتها لم يكن فقط بسبب تعاليمها. بل احتاج الصراع السياسي في ذلك الوقت بين رئيس كنيسة الإسكندرية (كيرلس) ورئيس الحكومة (أوريستيس) إلى كبش فداء؛ ونظراً لأن هيباتيا كانت واحدة من أشهر الشخصيات المؤثرة في المجتمع والتي تحظى بشعبية جارفة، فقد كان يُنظر إليها على أنها الهدف الأسهل والأفضل.

اقرأ أيضاً: قارة أطلانتس المفقودة: هل كانت مجرد حكاية خيالية اخترعها أفلاطون؟


اضطراب ديني

كان الصراع بين أوريستيس وكيرلس صراعاً دينياً. حيث ظل أوريستيس تابعاً وثنياً مما جعل منه مصدر حماية كبير للجالية اليهودية في المدينة. بينما كان كيرلس، من ناحية أخرى، رجلاً مسيحياً بالكامل. وكما تقول القصة، كان الرجلان يتنازعان بالفعل بسبب محاولة كيرلس دفع الإصلاحات الكنسية في جميع أنحاء الإسكندرية. لكن علاقة أوريستيس بهيباتيا – التي يُقال أنها كانت معلمته – ونظراً لمعتقداتها الأفلاطونية حول طبيعة الإله، وعدم التزامها بمبادئ المسيحية هذا بالإضافة لاعتناقها أفكار فيثاغورس والتفاف الكثير من مثقفي المدينة حولها جعلها عدوة للكنيسة المسيحية. فلقد كان كيرلس يدرك جيداً مدى التأثير التي تحدثه هذه العالمة على طلابها وبالتالي على ديانتهم.

من ناحية أخرى كان اضطهاد الكنيسة للجالية اليهودية على أوجه في ذلك الوقت حيث كون كيرلس ما أطلق عليه جيش الكنيسة من أجل التخلص من اليهود مما أثار الكثير من الفوضى في البلاد. لم يستطع أوريستيس ان يتصدى لهذه الفوضى مما أدى إلى تعرضه للإهانة من قبل بعض الرهبان. بل وصل الأمر إلى قذفه بالحجارة. ومن هذه اللحظة تصدعت العلاقة بين الحاكم ومسيحيي المدينة وحامت الشائعات حول تأثير هيباتيا على الحاكم وقراراته ولم يكن الخلاص من كل تلك الفوضى سوى بالتخلص منها.

وصل نزاعهما إلى ذروته عندما خدع يهود المدينة المسيحيين. حيث نشر اليهود شائعات في منتصف الليل مفاداها أن الكنيسة تحترق، ووفقاً لكل من سقراط وجون، عندما انطلق المسيحيون إلى الشوارع لإنقاذ ملاذهم المحبوب، ثم تم ذبحهم على يد اليهود. وكانت النتيجة أن تم تجريد اليهود من ممتلكاتهم ونفيهم من قبل كيرلس.

اقرأ أيضاً: تعاليم بوذا وأقواله المأثورة


هيباتيا كبش الفداء

هيباتيا

بعد أن وصلت الأزمة بين الحاكم والاسقف لذروتها جاء الدور على المرأة التي حملت كل تلك الشعبية، وسرعان ما انتشرت الشائعات حولها التي تقول بأنها لم تكن مجرد فيلسوفة وباحثة. بل كانت امرأة ذات حيل سحرية تمارس “السحر الشيطاني” وقد سحرت الحاكم أوريستيس.

يروي كل من سقراط سكولاستيكوس وجون نيكيو – وتقريباً كل نص آخر يصف حياة هيباتيا – نفس القصة عن نهايتها، وخاصة عن الإجراءات التي اتخذها المسيحيون للتخلص من سلطتها على أوريستيس. حيث تم تعقب هيباتيا وخطفها من قبل قاضي يدعى بيتر ورفاقه المسيحيين ونقلها إلى الكنيسة. ثم قاموا بعد ذلك بتجريدها من ملابسها، وربطها ثم جرها وهي عارية في شوارع مدينة الإسكندرية. وبطريقة بشعة ووحشية تم سلخ جلدها حتى صارت جثة هامدة، ولم يتوقف الامر على موتها فحسب بل تم القاها في النهاية على كومة من الاخشاب وحرقها. وبغض النظر عن التفاصيل، يصف كلا الرجلين جريمة قتل وحشية جداً، وقاسية إلى أقصى درجة، ومن الواضح أن هيباتيا عوملت كحيوان جاهز للذبح أكثر من كونها إنساناً متهمًا بظلم الحكومة. سواء كانت قد عملت عن كثب مع أوريستيس أم لا، فإن طريقة وفاتها كانت مروعة وغير مستحقة.

اقرأ أيضاً: لماذا يحتاج البشر إلى الفلسفة؟


تأثير وفاة الفيلسوفة هيباتيا

على الرغم من ذلك، تمت الكتابة عن معظم حياة هيباتيا فيما يتعلق بكيفية تأثير وفاتها على مدينة الإسكندرية في القرن الرابع، وليس عن ظلم قتلها أو إنجازاتها. بينما كانت على قيد الحياة، عُرفت بأنها قائدة فلسفية عظيمة. لكن في التاريخ، لم تذكر سوى بالدور الذي اتُهمت به في الصراع السياسي بين رجلين يتمتعان بالثقة المفرطة والمتحاربين دينياً. وبعد وفاتها اعتقد العديد من العلماء أن المقاييس الثقافية في الإسكندرية قد انقلبت بل تدهورت تماماً. وبغض النظر عما إذا كان هذا الاعتقاد صحيحاً، وما إذا كان يمكن تحديد هيباتيا حقاً على أنها نهاية ذروة المجتمع السكندري، فقد أحدث موتها تحولاً سياسياً ودينياً في جميع أنحاء الإسكندرية والإمبراطورية الرومانية الشرقية.


لا يزال يكتشف المزيد عن هيباتيا

في عام 2018، نُشر أن ثلاثة علماء رياضيات إيطاليين، كانيو بينيديتو وستيفانو إيزولا ولوسيو روسو من جامعة تور فيرغاتا في روما، قرروا اكتشاف المزيد عن حياة هيباتيا. فعلى الرغم من توثيق تاريخ وفاتها، لم يكن أحد متأكداً بالضبط في أي سنة ولدت هيباتيا. حيث جمع علماء الرياضيات الثلاثة التواريخ والقيود الزمنية من السجلات التاريخية، وحولوا تلك المعلومات إلى دالة رياضية، ثم استخدموا الاحتمال لمعرفة متى كانت ولدت على الأرجح. تعطي نتيجتهم سنة ميلاد هيباتيا 355 بعد الميلاد، مع احتمال 90٪ بحدوثها 350 و 360. وهذا يعني أن هيباتيا ماتت عندما كانت تبلغ من العمر 60 عاماً تقريباً.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك