سيرة حياة أفلاطون: أعظم فلاسفة اليونان القديمة

You are currently viewing سيرة حياة أفلاطون: أعظم فلاسفة اليونان القديمة

أفلاطون الفيلسوف اليوناني واحد من أعظم فلاسفة اليونان القديمة، وأحد أعمق المفكرين في كل العصور. تأثر هذا الفيلسوف العظيم بحياة سقراط وتعاليمه، وقد كان أكثر من ذكره في حواراته الشهيرة. كان أفلاطون أصغر من أن يكون أحد أصدقاء سقراط الأكثر حميمية. حيث لم يكن يرتبط به إلا في آخر سبع أو ثمان سنوات من حياة سقراط. استطاعت تلك السنوات أن توقع افلاطون تحت تأثير أفكار سقراط وتركت انطباعاً دائماً في حياته. كما حددت إلى حد كبير مسار حياته في المستقبل. فمَن هو أفلاطون؟ وما هي فلسفة أفلاطون؟ في هذا المقال سنتعرف على سيرة حياة هذا الفيلسوف العظيم وكيفة أثرت أفكار أفلاطون السياسية على حياته؟

سقراط وأفلاطون

نظراً لحقيقة أنه كان مريضاً في ذلك الوقت، لم يكن أفلاطون حاضراً عندما جاءت مجموعة من أصدقاء سقراط إليه في سجنه في زيارتهم الأخيرة له. ومع ذلك، فقد تأثر بشدة بالجودة الأخلاقية لتعاليم سقراط وتفانيه في قضية الحقيقة والعدالة لدرجة أنه صمم على إدامة ذاكرته من خلال كتابة سلسلة من الحوارات المتعلقة بالسيرة الذاتية والتي من خلالها سيتم تسليط الضوء على شخصيته الحقيقية. حتى بعد نضوج فكر أفلاطون، استمر في جعل سقراط بطل الرواية في كثير من حواراته. لدرجة أن جاءت حوارات أفلاطون مزيجاً من وجهات النظر بحيث يصعب، إن لم يكن من المستحيل، في عدة حالات، معرفة المكان الذي يترك فيه سقراط التاريخي الفعلي ويبدأ فكر أفلاطون.


مَن هو أفلاطون؟

وُلد أفلاطون في مدينة أثينا عام 427 قبل الميلاد. وتوفي سنة 347 قبل الميلاد. ترعرع في ظل عائلة أرستقراطية ارتبطت لفترة طويلة بالقيادة في أثينا. حيث كان والده أريستون من نسل الملك كودروس. بينما ادعّت والدته بيركشن أنها تنحدر من سلالة المشرّع الشهير سولون. خلال فترة شباب أفلاطون أبدى تميزاً كرياضياً وعرف أيضاً بقدراته العقلية غير العادية. بالإضافة إلى هذه المزايا والإنجازات، فإن مكانته الاجتماعية وعلاقاته جعلت منه فرداً متميزاً في أي مهنة ربما قد دخلها.

عاش أفلاطون خلال فترة حرجة من التاريخ اليوناني. حيث شهد شبابه تراجع وسقوط القوة الأثينية. وقد بدأ تعليمه المبكر تحت إشراف مدرسين خاصين اشتهروا بمهاراتهم المهنية. وتحت إشرافهم تلقى دروساً في العديد من المجالات مثل الموسيقى والقراءة والكتابة ودراسة الأرقام.

بعد بلوغه سن الثامنة عشرة أو ما يقرب من ذلك، أمضى عامين في التدريب العسكري، والذي ركز بشكل كبير على التمارين البدنية والعناية المناسبة بالجسم. أعقب هذا التدريب فترة دراسية أكثر تقدماً اكتسب فيها معرفة بالعديد من المدارس الأكثر شهرة في الفلسفة اليونانية، مما أتاح له فرصة التعرف على العديد من السفسطائيين، الذين كانوا المعلمين المحترفين المعترف بهم في ذلك الوقت. وأخيراً، أمضى أفلاطون حوالي سبع أو ثماني سنوات كتلميذ لسقراط. وقد أثرت هذه التجربة عليه، ليس فقط لتكريس بقية حياته للفلسفة، ولكن لمواصلة حياته المهنية بروح وتوجيهات معلمه المحبوب سقراط.

تأثر حياة أفلاطون بآراء سقراط 

أعدمت الحكومة الأثينية سقراط نظراً لأفكاره التي لا تناسب سياستها. لذا اعتقد أفلاطون أنه لن يكون من الآمن له البقاء في المدينة وبالتالي تعريض نفسه لنفس النوع من المعاملة، كل ذلك على الرغم من أن أفلاطون كان معروفاً بأنه أحد أتباع سقراط الأكثر إيماناً بأفكاره وفلسفته. ونظراً لاعتبار هذه الأفكار معادية للدولة، فإن أي شخص يشترك فيها سيكون في خطر داهم. ولهذا السبب، غادر أفلاطون مدينة أثينا لبعض الوقت وسافر إلى عدد من الأماكن المختلفة، حيث كان يأمل في التعرف بشكل أفضل على قادة عدد من الحركات الفلسفية. في البداية أجرى محادثات مع إقليدس، عالم الرياضيات الشهير. وفي وقت لاحق، قام برحلات مكثفة إلى مصر، وكريت، وجنوب إيطاليا. أعطته هذه الرحلات فرصة للتعرف بشكل أفضل على قادة كل مدرسة أسسها فيثاغورس وهيراكليتوس والفلاسفة الإيليون على التوالي.

أفكار أفلاطون السياسية

خلال حياة أفلاطون وبالتحديد منذ شبابه كان أفلاطون مهتماً بالشؤون السياسية، ومن خلال ارتباطاته بسقراط ومن ملاحظاته الخاصة، توصل إلى قناعات معينة تتعلق بالمؤهلات المناسبة الواجب توافرها فيمن يحكمون الدولة. وأعرب عن اعتقاده بأن الأشخاص الذين يمتلكون صفات فكرية وأخلاقية فقط يجب أن يعهد إليهم بسلطة الحكم على الآخرين.

في النهاية سنحت له الفرصة لتطبيق فلسفته. وفي سيراكيوز الواقعة على ساحل جزيرة صقلية حثه تلميذه ديون السرقوسي على تولي تعليم ديونيسيوس طاغية سيراكيوز. بدا ديونيسيوس على استعداد لتلقي تعليمات من أفلاطون، مما يجعل من الممكن تجربة نظرية أفلاطون عن الحكومة في ظل ظروف فعلية.

لم تكن التجربة ناجحة، لأن ديونيسيوس لم يكن تلميذاً مناسباً، وعندما وبخه أفلاطون لغبائه، انتقم الطاغية من أفلاطون من خلال تقييده بالسلاسل والحكم عليه بالإعدام. استخدم ديون نفوذه لتغيير الحكم. وكانت النتيجة أن حياة أفلاطون قد نجت ولكن على حساب أن يصبح عبداً. بعد ذلك بفترة وجيزة جاء أنيسيريس، وهو عضو في مدرسة المتعة الفلسفية، إلى سيراكيوز واشترى حرية أفلاطون، مما سمح له بالعودة إلى أثينا.

اقرأ أيضاً: هيباتيا: الموت المفاجئ والوحشي لأشهر فيلسوفة في التاريخ


أكاديمية أفلاطون

أفكار أفلاطون السياسية

بعد عودته إلى أثينا، أسس الفيلسوف اليوناني أفلاطون مدرسته، وهي مؤسسة أصبحت تعرف باسم الأكاديمية. استمرت لمدة تزيد عن ثمانية قرون كمركز لدراسة وتقييم الفلسفة الأفلاطونية بما تشتمل عليه أفكار أفلاطون السياسية. ومع إنشاء الأكاديمية، كرس أفلاطون معظم وقته للتدريس وكتابة الحوارات. ولحسن الحظ، تم الحفاظ على هذه الحوارات، وهي تشكل المصدر الرئيسي للمعلومات التي لدينا فيما يتعلق بالجوانب المختلفة لفلسفة أفلاطون.

وفقاً للروايات المقدمة عن حياة أفلاطون، توقفت مسيرته المهنية كمدرس وكاتب بسبب محاولات أخرى لإعادة بناء حكومة سيراكيوز. فبعد وفاة ديونيسيوس، حثه ديون السرقوسي مرة أخرى على القيام بتعليم ديونيسيوس الأصغر، الذي يحكم الآن مكان والده. لكن مرة أخرى فشلت التجربة في تحقيق النتائج المرجوة.

على مضض، قرر أفلاطون التخلي عن ذلك، وعاد إلى أثينا مقتنعاً أن تعليم الأشخاص في مناصب قوية لا يمكن تحقيقه بدون تعاونهم. لكن مع ذلك ورغم تخليه لفترة طويلة عن محاولة تطبيق فلسفته عملياً إلا إنه قام لاحقاً بمحاولة ثالثة وأخيرة لتطبيق أفكاره السياسية في سيراكيوز ولكنها جاءت بنتائج مماثلة لتلك التي اختبرها من قبل. هذه المرة تم إنقاذه من غضب ديونيسيوس من خلال المساعي الحميدة لصديقه أرشيتاس من تارانتوم. من هنا عاد مرة أخرى إلى أثينا، وكرس بقية حياته للتدريس والكتابة. توفي عام 347 قبل الميلاد. وبحسب إحدى الروايات، فقد حدثت وفاته بسلام بينما كان يحضر وليمة زفاف في منزل أحد الأصدقاء.

اقرأ أيضاً: نظرية المعرفة: كيف تعرف أن ما تعرفه صحيح؟


محاورات أفلاطون

استخدم الفيلسوف اليوناني أفلاطون شكل الحوار في الكتابة باعتباره أكثر الوسائل فعالية لتقديم آرائه الفلسفية التي تتضمن أفكار أفلاطون السياسية. وكانت هناك عدة أسباب للقيام بذلك. ففي المقام الأول، لم يكن في نيته الإجابة عن أسئلة محددة أو اقتراح حلول نهائية وعقائدية لأي من المشاكل التي كانت قيد المناقشة. فلقد فضل بدلاً من ذلك أن يفعل شيئاً من شأنه أن يحفز التفكير الأصلي من جانب القارئ.

ثانياً، مكنته طريقة العرض هذه من تقديم وجهات نظر متناقضة حيث من المحتمل أن تحدث في سلسلة من المحادثات التي تجري بين الأفراد الذين لديهم وجهات نظر مختلفة. وهذا من شأنه أن يساعد في تمهيد الطريق لأي قارئ للمحاورات للوصول إلى استنتاجه الخاص، بعد إعطاء بعض الاعتبار لكل من الآراء التي تم تقديمها. أخيراً، باستخدام طريقة المحادثة، سيكون من الممكن توضيح الطريقة التي ارتبطت بها قضايا اليوم الحالية ببعضها البعض، وهو أحد أسباب عدم تخصيص أي من محاورات أفلاطون حصرياً لمناقشة موضوع واحد. لقد أراد أن يوضح أنه من أجل فهم أي موضوع معين، يجب أن ترى كيف يرتبط بالموضوعات الأخرى ومجال المعرفة ككل.

كقاعدة عامة، لم يذكر أفلاطون اسمه كمؤلف لوجهة نظر معينة. ومع ذلك، في العديد من الحوارات، نحن آمنون إلى حد ما في افتراض أن ما يعتقده أفلاطون نفسه حول الموضوع قيد المناقشة موجود في الخطابات المنسوبة إلى سقراط. والعديد من الشخصيات الأخرى المستخدمة في الحوارات كانوا من السفسطائيين المعروفين. كما تشكل البيانات المنسوبة إليهم أحد المصادر الرئيسية لمعلوماتنا عن الحركة الصوفية في اليونان القديمة.

أفلاطون والسفسطائيون

كتب الفيلسوف اليوناني أفلاطون في حياته أكثر من ثلاثين حواراً، تم حفظها جميعاً. إما في شكلها الأصلي أو كما تم تحريرها وترجمتها بواسطة علماء أكفاء متخصصين في مجال الفلسفة اليونانية. بينما لا توجد طريقة لمعرفة الترتيب الدقيق الذي كُتبت به الحوارات، ولا يوجد اتفاق كامل حول هذه النقطة بين مؤرخي الفلسفة.

ومع ذلك، يُفترض عموماً أن الأوائل تتعلق في المقام الأول بمجال الأخلاق. ففي هذه الحوارات، يتم تقديم سقراط كمستفسر عن المعنى الدقيق لفضائل معينة. كما يزعم السفسطائيون الذين يجري معهم الحديث أن لديهم فهماً كاملاً للفضائل المعنية، ولا يترددون في الإدلاء ببيانات تتعلق بمعانيها ومحتوياتها.

يدعي سقراط أنه يجهل هذه الأمور، لكنه يبدأ في استجواب السفسطائيين حول التصريحات التي أدلوا بها. والغرض من هذا الاستجواب هو تسليط الضوء على بعض الآثار المترتبة على ما قالوه وبالتالي إظهار أوجه القصور في حكمتهم المعلنة. بينما يتم ذلك عادة من خلال الكشف عن طبيعة التناقض الذاتي لتصريحاتهم أو في أي جوانب لا تتوافق مع الحقائق المعروفة. دون تقديم أي إجابة نهائية على الأسئلة التي أثيرت، ينصح سقراط مستمعيه بمواصلة البحث عن فهم أفضل للفضائل وعلاقتها بالحياة الجيدة.

اقرأ أيضاً: مفهوم الذات: هل نحن مهووسون بأنفسنا؟


حياة وفلسفة أفلاطون

تغطي فلسفة أفلاطون ككل مجموعة واسعة من الموضوعات، والتي يتم تناولها بإسهاب في أجزاء مختلفة من الحوارات المختلفة. لم يتم تخصيص أي من الحوارات حصرياً لمعالجة موضوع واحد، لأن الأسئلة التي تنشأ فيما يتعلق بأي منها مرتبطة بالضرورة بمجالات مختلفة من الخبرة، وأراد الفيلسوف اليوناني أفلاطون أن تتوافق المناقشات في الحوارات بنفس القدر تقريباً مع الحالات التي تحدث في حياة الإنسان. ومع ذلك، من الممكن في حالات معينة الإشارة إلى الموضوع السائد في حوار معين.

على سبيل المثال، نظرية المعرفة لأفلاطون هي الموضوع الرئيسي الموجود في محاورة مينون ومرة ​​أخرى في محاورات ثياتيتوس. كما تخضع نظريته للأفكار، المتضمنة في جميع الحوارات، لفحص نقدي في بارمينيدس. حيث تلقى علم الكونيات الخاص به، جنباً إلى جنب مع نظرية الخلق، معاملة خاصة في تيماوس.

تم تحديد فلسفته المتعلقة بمكانة المتعة في الحياة الجيدة في محاورة فيليبوس. أما أشهر حوارات أفلاطون وأكثرها استخداماً هي الجمهورية واشتملت على أفكار أفلاطون السياسية. حيث كان الغرض الرئيسي منها هو تحديد نظرية أفلاطون عن الحكومة، ولكن فيما يتعلق بهذا الموضوع، هناك مناقشات حول جميع الجوانب الأكثر أهمية لموقفه الفلسفي. وغالباً ما اعتبرت الجمهورية أعظم الحوارات على الرغم من وجود العديد من المعلقين الذين لم يوافقوا على ذلك. إنها تمثل ما اعتبره أفلاطون النموذج المثالي الذي يجب أن تسعى إليه الدول الفعلية. ففي حوار لاحق وأطول بكثير يسمى القوانين، اقترح بديلاً أقل مثالية ولكنه أكثر عملية لتنظيم حكومات الولايات.


في النهاية بعد هذا العرض الموجز للتعرف على مَن هو أفلاطون وفلسفته وآراءه السياسية، نتمنى أن نكون قد وفقنا في عرض سيرة حياة أفلاطون وشرح فلسفة أفلاطون التي تضمنتها حواراته الشهيرة، فهذا الفيلسوف العظيم يعد أحد أعمق المفكرين في جميع العصور.

المصادر:

1.    Author: N.S. Gill, (3/28/2019), An Introduction to Plato and His Philosophical Ideas, www.thoughtco.com, Retrieved: 6/29/2021.

2.    Author: W. J. Korab-Karpowicz, (4/15/2011), Plato: Political Philosophy, www.iep.utm.edu, Retrieved: 6/29/2021.

3.    Author: Edward N. Zalta, (4/1/2003), Plato’s Ethics and Politics in The Republic, www.plato.stanford.edu, Retrieved: 6/29/2021.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك