الأسلحة البيولوجية: وجوه الحرب غير المرئية
أصبحت المعرفة اليوم سلاحًا ذا حدين؛ إذ يمكن تسخيرها لخدمة البشرية أو تحويلها إلى أدوات فتاكة للدمار. من بين أكثر هذه الأدوات إثارة للرعب والأسئلة الأخلاقية: الأسلحة البيولوجية. هذه الأسلحة، التي تستخدم كائنات دقيقة أو مواد سامة، تحمل في طياتها تهديدات تتجاوز حدود المعارك، وتفتح أبوابًا لصراعات لا تميز بين المهاجم والضحية. في هذا المقال، نسلط الضوء على تاريخ الحرب البيولوجية، وتطورها، وحوادثها، والأخطار الكامنة وراءها، حتى في زمن الاتفاقيات الدولية والحظر العالمي.
الحرب البيولوجية
تطرح الحرب البيولوجية سيناريوهات من الخيال العلمي ومخاطر مرعبة. وفي الوقت نفسه، فإن استخدام الأسلحة البيولوجية أقل شيوعًا اليوم مما كان عليه في الماضي، لكونها ليست فعالة كما ترغب الجيوش التي تسعى لتحويل المنتجات المعرفية إلى أسلحة. ومن هذا المنطلق، فإن كل ما في الطبيعة مما يمكن أن يقتلنا يمكن استخدامه – وقد تم استخدامه كثيرًا – في الحروب.
لا تشمل الحرب البيولوجية الكائنات الحية فحسب، بل أيضًا المواد التي تنتجها، مثل السموم. وبهذا الشكل، فقد استخدمت الأسلحة البيولوجية على نطاق واسع ومنذ العصور القديمة. يقال في الإلياذة والأوديسة إن سهام ورماح الآخيين والطرواديين كانت رؤوسها مسمومة. وكان السم المستخرج من الحيوانات أو النباتات هو أول أشكال الحرب البيولوجية، ولكنه لم يكن الشكل الوحيد. ففي الحرب المقدسة الأولى في اليونان، قام الأثينيون بتسميم آبار مياه سكان مدينة كيرا باستخدام نبات سام.
بدايات القتل الصامت
ومن المثير للقلق حقًا، أنه رغم عدم معرفة وجود الجراثيم الممرِضة أو طريقة تطور العدوى، فإن الإغريق القدماء كانوا يمتلكون معرفة تجريبية كافية لفعل ما رواه المؤرخ هيرودوت، من القرن الخامس قبل الميلاد. حيث وصف كيف أن رماة السهام السكيثيين كانوا يخلطون الأفاعي المتعفنة، والدم البشري، وروث الأبقار، ويدفنون الخليط لبعض الوقت، ثم يغمسون رؤوس سهامهم فيه، وهي على الأرجح ملوثة بعوامل معدية متعددة. كما كان من الممارسات الشائعة أيضًا قذف الحيوانات أو الجثث المصابة بالأمراض إلى داخل المدن المحاصرة باستخدام المنجنيق.
من الرماح المسمومة إلى سم الأفاعي
استخدمت السموم كذلك كأسلحة فعالة في الشرق. فقد وصف أبو الطب الصيني، شن نونغ، في كتاب يقال إنه يعود إلى خمسة آلاف عام، استخدام السهام المغموسة في الأكونيتين. وهو قلويد عالي الفعالية يستخرج من نبات الأكونيت. كما استخدمت العوامل الممرِضة من قِبل الحيثيين أيضًا للفوز في حربهم ضد أرزاوا في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. حيث جلبوا إلى أراضي العدو خرافًا وحميرًا مصابة بداء التولاريميا.. وهو عدوى بكتيرية خطيرة نادرة الحدوث اليوم، تنتقل إلى البشر عبر القراد والبعوض.
وبشكل أكثر مباشرة، قام القائد القرطاجي الأسطوري هانيبال بملء أوانٍ فخارية بأفاعي سامة وألقاها على أسطح سفن ملك برغاموم. واتبعت مدينة الحضر، القريبة من مدينة الموصل الحالية في العراق، طريقة مشابهة. مما أجبر الجيش الروماني على الانسحاب في القرن الثاني الميلادي، وذلك من خلال قذفهم بجرار مليئة بالعقارب الحية.
إلى جانب الأسلحة البيولوجية، تطورت أيضًا ما يفترض أنها ترياقات، مثل “الميتراداتيوم”، الذي يقال إنه تم ابتكاره من قبل الملك الفارسي متريداتِس السادس، الخبير في السموم. وهو ما سعى الناس وراء صيغته، وأعادوا اختراعها، وبيعها عبر الدجالين عديمي الضمير حتى عصر النهضة. ويعد متريداتِس أول خبير فيما نطلق عليه اليوم “الأمن البيولوجي”.. وهو جانب مهم في الدفاع والأمن القومي، لا سيما للدول القوية، والتي هي بذلك أكثر عرضة للهجمات باستخدام أسلحة محظورة.
الثورة العلمية والتهديد الحديث
لقد أصبح من الممكن تحويل العوامل البيولوجية إلى أسلحة بالتوازي مع تطور علم الأحياء ونظرية الجراثيم الممرِضة التي طورها كل من لويس باستور وروبرت كوخ في منتصف القرن التاسع عشر. وفي الوقت نفسه، حظرت اتفاقيات الحرب لعام 1847 استخدام الأسلحة السامة، ولاحقًا حظرت كل أشكال الحرب البيولوجية.
ومع ذلك، فقد استخدمت الأسلحة البيولوجية لآخر مرة في حرب “تقليدية”، خلال الحرب العالمية الثانية، من قبل الجيش الإمبراطوري الياباني. حيث قام خبراء هيروهيتو بتحويل بكتيريا التيفوس والكوليرا إلى أسلحة. واستخدموها في حربهم ضد الصين لتسميم الآبار، وإلقاء البراغيث المصابة بالطاعون من الطائرات. ويقدر أن هذه الهجمات تسببت في مقتل نصف مليون شخص.
الأسلحة البيولوجية خطر لا يمكن احتواؤه
تواجه الأسلحة البيولوجية مشكلة صعوبة السيطرة عليها وتوجيهها.. كما أن إزالة التلوث بعد انتشرها قد يكون مستحيلاً.. كما اكتشف الجيش البريطاني عندما اختبر جراثيم الجمرة الخبيثة على جزيرة اسكتلندية خلال الحرب العالمية الثانية. ولا تزال الجزيرة ملوثة بها حتى اليوم.
وهكذا، فإن أي خطأ أو تغير في الظروف يمكن أن يحوّل المهاجمين إلى ضحايا لأسلحتهم الخاصة. مثال على ذلك كان تفشي أخطر العوامل البيولوجية، الجمرة الخبيثة، في عام 1974 في المدينة المعروفة اليوم باسم يكاترينبورغ، مما أدى إلى وفاة 64 شخصًا. وكان السبب تسرّبًا عرضيًا للبكتيريا من منشآت الحرب البيولوجية الموجودة في المدينة، رغم أن الاتحاد السوفييتي كان قد وقّع على اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية قبل ذلك بعامين فقط، عام 1972. كما تعرّضت الولايات المتحدة لحادث مماثل مع مسببات أمراض أخرى بعد وقت قصير من نهاية الحرب العالمية الثانية.
تهديدات الأسلحة البيولوجية غير المتوقعة
لكن ذلك لم يمنع العراق، خلال حكم صدام حسين، بين عامي 1985 و1991، من تطوير أسلحة بيولوجية باستخدام عوامل مثل الجمرة الخبيثة، وسم البوتولينوم، والأفلاتوكسينات، رغم أنها لم تُستخدم فعليًا نظرًا لأن أنظمة نشرها كانت غير فعّالة بدرجة كبيرة.
وفي عام 1984، قامت طائفة “باغوان راجنش”، المعروفة أيضًا باسم “أوشو”، بنشر مزروعات من السالمونيلا في مطاعم مدينة أنتلوب بولاية أوريغون، بهدف منع السكان من التصويت في انتخابات محلية كانت الطائفة تسعى من خلالها إلى السيطرة على المدينة. وقد أدى الهجوم إلى إصابة المئات، نقل منهم 45 إلى المستشفى، ولحسن الحظ، لم تسجل أي وفيات.
وعلى الرغم من المخاطر والحظر الدولي، فإن الدول القوية غالبًا ما تحتفظ بهذه الأسلحة في مخزونها. لكنها لا تستخدمها، لقناعتها بأن أي هجوم سيقابل برد فوري باستخدام أسلحة مماثلة. وأن فرص حماية السكان في مثل هذه الحالات قليلة للغاية. وهذه من التناقضات المعقدة في الحروب.
تعد الأسلحة البيولوجية من أخطر ما أنتجه العقل البشري حين وجه نحو التدمير لا البناء، فهي لا تعترف بجبهات ولا تحد بتوقيت. ورغم كل المحاولات الدولية للحد منها، ما زال خطرها قائمًا، سواء من الدول أو من جهات غير رسمية. إن التاريخ، القديم والحديث، يكشف بوضوح أن هذا النوع من السلاح ليس مجرد أداة قتل، بل تهديد شامل للصحة، والبيئة، والاستقرار الإنساني. ولذلك، تبقى الحاجة ملحة لتعزيز أخلاقيات العلم، وتشديد الرقابة، وبناء أنظمة أمن بيولوجي عالمية، تضمن أن تبقى المعرفة في صف الإنسانية، لا ضدها.