كوكب بلوتو: الجرم المنسي في دفتر السماء
ذات يوم في عام 1930، رفع الأمريكيون رؤوسهم نحو السماء، لا بحثًا عن مجد سياسي أو نصر اقتصادي، بل فخرًا بكوكب صغير اكتشفه أحدهم. بلوتو، الكوكب التاسع، أصبح رمزًا هادئًا لفوز علمي وطني، ورفيقًا خفيًا لمخيلة أجيال من الأطفال والعلماء. لكن، كما تفعل الحقيقة أحيانًا، جاء العلم لاحقًا ليقلب الحكاية. فهل كان بلوتو كوكبًا حقًا؟ وهل كان عزله مجرد قرار فلكي، أم خيانة لجزء من ذاكرتنا الجمعية؟ دعونا نستكشف قصة كوكب بلوتو الذي أحبه الناس أكثر مما احترمه العلماء.
أليس بلوتو كوكبًا؟
أثار إعادة تعريف كلمة “كوكب” في مطلع القرن الحادي والعشرين نقاشًا واسعًا تجاوز الأوساط العلمية ليصل إلى اهتمام شعبي غير مألوف. لم يعد الموضوع مسألة تقنية تخص الفلكيين وحدهم، بل أصبح حديثًا عامًا عن موقع بلوتو في خريطة نظامنا الشمسي.
حدث أحد المواقف البارزة في هذا الجدل في أواخر تسعينيات القرن العشرين، حين أعيد تصميم قبة هايدن السماوية التابعة للمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي في نيويورك. فقد قرر مديرها، عالم الفلك نيل ديغراس تايسون، استبعاد بلوتو من العرض الرئيس للكواكب. والسبب في ذلك أن بلوتو لا يشبه بقية الكواكب الثمانية المعروفة: فهو صغير جدًا، أقرب في حجمه إلى الأقمار منه إلى الكواكب؛ إذ لا يتجاوز قطره ثلثي قطر قمر الأرض.
ومع تراكم الاكتشافات الفلكية، تبين أن بلوتو ليس وحيدًا في منطقته البعيدة، بل يوجد في حزام يعرف باسم “حزام كايبر”. وهو منطقة تعج بملايين الأجسام الجليدية والصخرية. وقد عثر فيها على أجرام عديدة تضاهي بلوتو حجمًا، بل إن بعضها — مثل الكوكب القزم إيريس المكتشف عام 2005 — يفوقه ضخامة. وهذا أضعف حجة اعتبار بلوتو كوكبًا مميزًا وفريدًا.
إضافة إلى صغره، لا يحقق بلوتو شرطًا أساسيًا من شروط تعريف الكوكب التي أقرها العلماء لاحقًا: وهو أن تكون جاذبية الكوكب قوية بما يكفي لـ “تنظيف” مداره من الأجسام الصغيرة المجاورة. يفتقر بلوتو إلى هذه القدرة، ما يجعله يشترك في مداره مع عدد كبير من الأجرام الأخرى.
اكتسب هذا الجدل العلمي بعدًا إعلاميًا حين نشرت صحيفة نيويورك تايمز في يناير 2001 مقالًا بعنوان: “أليس بلوتو كوكبًا؟ فقط في نيويورك”، مشيرة إلى استبعاد بلوتو من قائمة الكواكب في قبة هايدن. ومن هنا تحول النقاش إلى قضية عامة، خصوصًا مع تذكير الصحيفة بأن هناك مقترحًا سابقًا قُدم إلى الاتحاد الفلكي الدولي — ومقره باريس — يقضي بتصنيف بلوتو ضمن فئة جديدة هي “الأجرام ما بعد نبتون” بدلًا من الكواكب الكلاسيكية.
بلوتو.. الكوكب القزم
ازدادت القضية تعقيدًا حين اجتمع الاتحاد الفلكي الدولي عام 2006، وقرر بشكل رسمي أن بلوتو لا يستوفي شروط تعريف “الكوكب”. وبذلك، تم نقله إلى فئة جديدة أنشئت خصيصًا لهذا الغرض، هي فئة “الكواكب القزمة”. ضمت هذه القائمة الجديدة إلى جانب بلوتو كلًا من: إيريس، وسيريس، وهاوميا، وماكيماكي. وهي الأجرام الخمسة التي كانت معروفة حينها.
كان الداعم الأبرز لهذا التغيير عالم الفلك مايك براون من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، وهو أحد مكتشفي إيريس. وقد قدم لاحقًا روايته الشخصية عن هذه القصة في كتاب حمل عنوانًا مثيرًا: “لماذا قتلت بلوتو؟ ولماذا استحق ذلك؟”. واعتبر أن قرار الإطاحة بالكوكب التاسع كان ضرورة علمية.
لكن بينما بقي براون شخصية غير مألوفة لعامة الجمهور الأمريكي، كان نيل ديغراس تايسون حاضرًا في الأذهان بصفته وجهًا إعلاميًا بارزًا للعلوم: مقدمًا، ومثقفًا عامًا، وناشرًا علميًا يتمتع بقدرة جذابة على تبسيط المفاهيم المعقدة. ولأن تايسون سبق أن استبعد بلوتو من عرض قبة هايدن السماوية قبل القرار الرسمي بسنوات، فقد بدا للكثيرين أنه هو من “تسبب” في خفض رتبة الكوكب.
كانت النتيجة موجة من الرسائل الغاضبة، لم تأت من العلماء بل من الأطفال الأمريكيين أنفسهم، الذين شعروا أن كوكبهم المفضل قد أُهين. كتبوا إليه مؤكدين: “بلوتو هو كوكبي المفضل!”، في مشهد يوضح كيف يمكن للقرارات العلمية أن تمس العاطفة والخيال الشعبي. وقد كان هذا الارتباط العاطفي قويًا بما يكفي ليدفع تايسون إلى إصدار كتاب جديد بعنوان: “ملفات بلوتو: صعود وسقوط الكوكب المفضل لدى أمريكا”. جمع فيه بين السرد العلمي والجانب الثقافي والاجتماعي للقضية، موضحًا كيف تحول جرم جليدي صغير في أقاصي النظام الشمسي إلى رمز عاطفي في المخيال الأمريكي.
الكوكب الأمريكي الوحيد
من بين الأسباب التي منحت بلوتو مكانة خاصة في قلوب الأمريكيين —وربما فسرت هذا الارتباط العاطفي غير المعتاد— أنه كان الكوكب الوحيد الذي اكتشفه أمريكي. ففي عام 1930، تمكن كلايد تومبو، وهو شاب لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره وكان قد بدأ عمله حديثًا في مرصد لويل بولاية أريزونا، من رصد هذا الجرم السماوي البعيد.
لم يكن هذا الاكتشاف وليد المصادفة البحتة، بل جاء ثمرة لجهود علمية امتدت لعقود. فقد كان الفلكي الفرنسي أوربان لو فيرييه قد تنبأ، منذ أربعينيات القرن التاسع عشر، بوجود جرم مجهول خلف أورانوس، استنادًا إلى ملاحظاته للاضطرابات الدقيقة في مداره. لاحقًا، جعل الفلكي الأمريكي بيرسيفال لويل من البحث عن هذا الجرم —الذي أطلق عليه اسم “الكوكب إكس”— إحدى أولويات مرصده الجديد. وعندما وافته المنية عام 1916، لم تكن المهمة قد اكتملت، لكن الإرث العلمي الذي تركه مهد الطريق أمام تومبو ليواصل السعي ويحقق الاكتشاف التاريخي بعد أكثر من عقد.
وبالإضافة إلى القيمة العلمية، حمل هذا الاكتشاف طابعًا رمزيًا وشاعريًا عزّز ارتباط الناس به. ففي نفس العام، نظمت مسابقة لاختيار اسم للكوكب الجديد. وكان الاقتراح الفائز من نصيب فتاة بريطانية لم تتجاوز الحادية عشرة من عمرها، اسمها فينيتيا بورني، التي اقترحت اسم “بلوتو”، إله العالم السفلي في الميثولوجيا الرومانية، لما رأت فيه من ملاءمة لكوكب مظلم وبعيد عن الشمس. وقد لاقى الاسم قبولًا واسعًا، خاصة وأن أول حرفين منه يتوافقان مع الحروف الأولى من اسم مؤسس المرصد، بيرسيفال لويل.
ومن الطريف أن عام 1930 لم يقتصر على ولادة بلوتو الفلكي، بل شهد أيضًا ظهور شخصية شهيرة في عالم الرسوم المتحركة حملت الاسم نفسه: “بلوتو” الكلب، الذي قدمته استوديوهات والت ديزني كرفيق لميكي ماوس. وهكذا تداخل العلم مع الثقافة الشعبية في لحظة فريدة، لتترسخ صورة بلوتو في المخيال الجماعي.. ليس فقط ككوكب بعيد في النظام الشمسي، بل كرمز ثقافي وعاطفي ظل حاضرًا لعقود طويلة.
كتلة كوكب بلوتو المتناقصة
شكل بلوتو منذ البداية لغزًا محيرًا للعلماء، والسبب في ذلك هو المسافة الشاسعة التي تفصل بينه وبين الشمس. حيث يدور بلوتو على بعد يبلغ في المتوسط نحو 40 ضعف المسافة بين الأرض والشمس.. أي ما يعادل تقريبًا ستة مليارات كيلومتر. جعلت هذه المسافة الهائلة عملية قياس حجمه وكتلته بدقة أمرًا معقدًا للغاية، لأن التلسكوبات في ذلك الوقت لم تكن قادرة على تقديم صورة واضحة أو بيانات دقيقة عنه.
في ثلاثينيات القرن العشرين، أي بعد فترة قصيرة من اكتشافه، اعتقد العلماء أن بلوتو قد يكون شبيهًا بالأرض في كتلته. لكن مع تراكم الدراسات وتطور وسائل الرصد، تبين أن هذه التقديرات كانت مبالغًا فيها. ففي عام 1948 مثلاً، أعيد تقدير كتلته لتكون مقاربة لكتلة كوكب المريخ. وبعد ثلاثة عقود، وبالتحديد عام 1976، ظهرت حسابات جديدة أوضحت أن بلوتو قد يكون أصغر بكثير، بحيث لا تتجاوز كتلته ما بين 1 إلى 2% من كتلة الأرض.
جاء التحول الكبير عام 1978، حينما تمكن الفلكي جيمس كريستي من اكتشاف أن بلوتو يملك قمرًا سماه شارون. كان هذا الاكتشاف بمثابة مفتاح جديد لفهم طبيعة بلوتو، إذ سمح للعلماء باستخدام قوانين الميكانيكا السماوية لمراقبة حركة القمر حول الكوكب. ومن ثم حساب الكتلة الحقيقية لبلوتو بدقة أكبر. والنتيجة كانت مفاجئة: فقد تبين أن بلوتو لا يملك سوى 0.24 % فقط من كتلة الأرض.. أي أنه أصغر بكثير مما كان متخيلاً في السابق.
تصاعد الجدل منذ ذلك الوقت حول مكانة بلوتو بين الكواكب. فحجمه وكتلته الصغيرة جعلا العلماء يتساءلون: هل يستحق حقًا أن يصنف كوكبًا مثل الأرض والمشتري.. أم أنه أقرب إلى الأجرام الصغيرة الجليدية التي تدور في أطراف النظام الشمسي؟ بل إن بعض الباحثين رأوا أن وجود شارون بجانبه يجعلهما أشبه بـ نظام ثنائي، حيث يدور الجرمان معًا حول مركز مشترك بينهما، بدلاً من أن يكون بلوتو كوكبًا رئيسيًا يتبعه قمر صغير.
عالم بعيد.. ويوم طويل
ونظرًا لبعده عن الشمس، فإن السنة على بلوتو (أي مدة دورانه حول الشمس) تعادل أكثر من 247 سنة أرضية.. أي أنه منذ اكتشافه، لم يكمل سوى ثلث دورة حول الشمس. أما اليوم على بلوتو (مدة دورانه حول محوره)، فيستغرق قليلاً أكثر من 6 أيام و9 ساعات أرضية.
وبسبب بعده الكبير، فإن بلوتو لم يكن يظهر في الصور الفوتوغرافية من المراصد الأرضية سوى كنقطة ضبابية، لذا فإن معرفتنا به كانت ضئيلة جدًا. ولم نحصل على صورة واضحة له إلا بعد أن راقبه تلسكوب هابل الفضائي. وقد أتاح لنا هابل أيضًا اكتشاف قمرين إضافيين له في عام 2005، ثم قمر رابع في 2011، وآخر في 2012.
لكن رغم مساهمة هابل، بقيت معرفتنا محدودة للغاية. ولهذا السبب، اتخذت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا خطوة كبيرة في يناير 2006 عندما أطلقت المسبار الفضائي نيو هورايزنز (آفاق جديدة). كانت المهمة طموحة: الانطلاق في رحلة استمرت ما يقارب تسع سنوات حتى يصل المسبار إلى بلوتو وأبعد منه إلى أعماق حزام كايبر. وهو المنطقة المليئة بالأجرام الجليدية الصغيرة في أطراف المجموعة الشمسية.
زود المسبار بعدد من الأجهزة العلمية المتطورة، صممت خصيصًا ليدرس بلوتو وأقماره من زوايا مختلفة:
-
رصد السطح والجيولوجيا، أي محاولة فهم طبيعة التضاريس وما إذا كان هناك نشاط جيولوجي.
-
تحليل الغلاف الجوي، لمعرفة مكوناته وكيف يتغير مع بعد بلوتو عن الشمس واقترابه منها.
-
قياس التفاعل مع الرياح الشمسية، وهي تيارات من الجسيمات المشحونة تنبعث باستمرار من الشمس وتؤثر في أجواء الكواكب والأجرام الصغيرة.
كان الهدف من هذه المهمة ليس فقط دراسة بلوتو، وإنما أيضًا إشباع الفضول العلمي حول طبيعة الأجرام البعيدة التي تشاركنا النظام الشمسي. فحتى وإن لم يعد بلوتو “كوكبًا” وفق التصنيف الحديث، فإنه يظل مفتاحًا مهمًا لفهم كيفية تشكل الكواكب والأقمار، ولإلقاء الضوء على تاريخ النظام الشمسي بأكمله.
أقمار كوكب بلوتو
لا يقتصر نظام بلوتو على قمره الكبير شارون فحسب، بل يضم أيضًا أربعة أقمار أخرى أصغر حجمًا، اكتشفت على مراحل كان آخرها في عام 2012. وهذه الأقمار هي: نيكس، هايدرا، كيربيروس، وستيكس. وما يميز هذه الأسماء أنها جميعًا مستوحاة من الميثولوجيا الإغريقية القديمة المرتبطة بإله العالم السفلي هاديس (بلوتو).
وفق هذه الأسطورة، كان بلوتو يحكم عالم الموتى، أي المكان الذي تذهب إليه الأرواح بعد مفارقة الحياة. ومن هنا جاءت أسماء أقماره لتشكل ما يشبه خريطة رمزية لهذا العالم الأسطوري:
-
شارون: هو الملاح الذي ينقل أرواح الموتى عبر نهر “ستيكس” حتى تصل إلى مملكة بلوتو. ولهذا السبب، أطلق اسمه على أكبر أقمار بلوتو، وكأنهما يشكلان معًا ثنائيًا لا ينفصل.
-
ستيكس: هو اسم النهر الأسطوري الذي يفصل عالم الأحياء عن عالم الأموات، وهو رمز أساسي في قصة هاديس.
-
كيربيروس (أو سيربيروس): هو الكلب الأسطوري ذو الرؤوس المتعددة، الذي يحرس بوابات العالم السفلي، ويمنع الأرواح من الهرب.
-
هايدرا: كائن أسطوري آخر على شكل أفعى أو تنين متعدد الرؤوس، ارتبط بالقصص البطولية وأحيانًا بالخدمات التي يقدمها لحراسة العالم السفلي.
-
نيكس: تمثل الإلهة البدائية لليل والظلام، وهي تعد في بعض الروايات والدة بلوتو نفسه، أي أصل من أصوله في الأسطورة.
لم يعد بلوتو كوكبًا في دفاتر الاتحاد الفلكي، لكنه ظل كوكبًا في قصص الأطفال، وفي وجدان من أحبوا فكرته البسيطة: أن للعالم البعيد، البارد، والغامض، مكانًا في نظامنا الكوني، وربما في مشاعرنا أيضًا. وفي النهاية، لا تقاس أهمية الأجرام السماوية بحجمها ولا بجاذبيتها، بل أحيانًا بمقدار ما تتركه فينا من خيال، دهشة، وحنين. وبلوتو، الكوكب المنفي، لا يزال يلمع، بصمت، في أقصى حدود النظام الشمسي… وفي ذاكرتنا.
