من أين جاءت فكرة الأكل بالأعواد الصينية؟

You are currently viewing من أين جاءت فكرة الأكل بالأعواد الصينية؟
القصة الغامضة وراء أعواد الأكل الصينية

أعواد الأكل الصينية هي نافذة على الثقافة الصينية القديمة. حيث تستخدم الأعواد الصينية في رفع ودفع وثقب جميع أنواع الطعام من قطع اللحم أو الخضار إلى الأرز. إنها كل ما يحتاجه المرء لتذوق مجموعة متنوعة من أطباق المائدة الشرقية. لكن وراء أعواد الأكل الصينية قصة يشوبها الغموض. في هذا المقال نخوض سوياً رحلة إلى مجاهل التاريخ القديم للتعرف على أصل هذه العادة.

القصة التاريخية وراء اختراع الأعواد الصينية

في قديم الزمان وبعد اكتشاف النار شرع البشر في استخدام النار لطهي لحوم الحيوانات التي يصيدونها. لكن مع دخول العصر الحجري الحديث عرفوا صناعة القدور، واستخدامها في غلي الطعام، وكانت المشكلة الكبرى التي تواجههم هي كيفية سحب القطع المطبوخة من السائل المغلي دون حرق الأصابع ودون انتظار الحساء ليبرد؟

ربما كان بإمكان صدفات المحار أن تفي بهذا الغرض إلا أنها كانت نادرة، لذا تفكر البشر في صنع أداة جوفاء تشبه أصابع اليد لاستخدامها في رفع الطعام من القدور بعد طهيه. وفي ذلك الوقت حاول البشر استخدام مواد مختلفة يمكن أن تساعدهم في هذا الأمر مثل الخشب وقرون الحيوانات وعظامها، والفخار.  

لم توضح السجلات التاريخية أو المؤرخون تاريخ اختراع عيدان تناول الطعام بالتحديد، ولكن من المعروف أول استخدام لأعواد الأكل الصنية كان خلال عهد أسرة شانغ  (1766-1122 قبل الميلاد). حيث اكتشفت في الصين مؤخراً العديد من الملاعق وعصي تناول الطعام البرونزية التي تعود إلى تلك الفترة.

وفي تلك الفترة كان الأوروبيون يستخدمون أصابعهم في تناول طعامهم، ثم جاء اختراع الملعقة والسكين. ومع نهاية العصور الوسطى في أوروبا بدأ استخدام الشوكة. وفي حين كان الأوروبيون يستخدمون الشوكة في وقت متأخر جداً، كان الصينيون يستخدمون عيدان الأكل ببراعة منذ ما لا يقل عن 1200 سنة قبل الميلاد. وبحلول سنة خمسمائة بعد الميلاد اجتاحت الأعواد الرفيعة القارة الأسيوية من فيتنام إلى اليابان.

اقرأ أيضًا: فن الكهوف: كيف كان يرسم الإنسان قديماً؟

الأسطورة القديمة

تقول الأسطورة أن الإمبراطور المؤسس لمملكة شيا الصينية الأولى هو من أحدث ثورة في المطبخ البشري. فقد كان الإمبراطور يخشى أن يتم اغتياله. لذا قام بحظر استخدام السكاكين في مملكته. وفي أحد الأيام نفذ صبره لأكل اللحم الذي كان يطهى على مهل في القدر، وحتى يتفادى حرق أصابعه انتزع غصنين من شجرة واستخدمهما كملقط وهكذا ولدت عيدان الطعام.

كانت العيدان طويلة بما يكفي للوصول إلى أعماق القدور. وكانت تستخدم أساساً للطهي ولم يبدأ الناس باستخدامها في تناول الطعام حتى حلول العام أربعمائة ميلادي. وكان ذلك حين حدث انفجار سكاني في جميع أنحاء الصين استنزف الموارد وأجبر الطهاة على تطوير عادات توفر التكاليف. فبدؤوا بتقطيع الطعام إلى قطع أصغر تتطلب وقوداً أقل في الطهي.

اقرأ أيضًا: اللغات المنقرضة: ما هي؟ ولماذا تختفي اللغات من التاريخ؟

كونفوشيوس وأعواد الأكل الصينية

ونظراً لأن الطعام أصبح بحجم مضغة، لم تعد هناك حاجة للسكاكين تقريباً ويعود الفضل أيضاً في فقدان السكاكين أهميتها وازدهار العيدان بدلاً منها للفيلسوف كونفوشيوس. حيث كان فيلسوف الصين العظيم نباتياً وكان يعتقد أن حواف السكاكين الحادة تثير غريزة العنف والحرب وتعكر المزاج الجيد الذي يجب أن يتحلى به المرء خلال تناوله للطعام. وبفضل تعاليمه سرعان ما أصبح استخدام العيدان واسع الانتشار في جميع أنحاء آسيا.

وعلى مر التاريخ كان لعيدان الطعام علاقة تكافيلة مع غذاء رئيسي في المطبخ الأسيوي هو: الأرز. وبطبيعة الحال فسح تناول الطعام بالعيدان المجال لبعض أنواع الأطعمة أكثر من غيرها. وللوهلة الأولى ستظن أن الأرز لن يكون مناسباً لها ولكن في آسيا معظم الأرز من النوع القصير أو المتوسط. ويجعله النشاء المتوفر فيه لزجا ومتكتلاً بعد الطبخ على عكس الأرز الرقيق والبارز والطويل الموجود في الغرب الذي يصعب التقاطه.

اقرأ أيضًا: أهمية الثقافة: كيف تؤثر الثقافة على الأفراد والمجتمعات؟

القصص والأساطير والأمثال

طريقة مسك أعواد الأكل الصينية
عيدان الأكل الصينية

تمثل أعواد الأكل الصينية جزءاً من الحياة اليومية، وهو مثال عظيم على التراث الثقافي الصيني. لذا كان من الطبيعي أن تكون لهذه الأعواد حضوراً طاغياً في العديد من القصص والأساطير والأمثال.

الحكمة الصينية

تشير النصوص القديمة عن الكهانة إلى أن الشخص الذي يدير عيدان تناول الطعام باستخدام ثلاثة أصابع يتمتع بشخصية جيدة؛ أما الشخص الذي يستخدم أربعة أصابع فله مستقبل جيد. بينما من يستخدم كل أصابع اليد فإن العظمة مكتوبة على جبينه.

التنبؤ بالمستقبل

التنبؤ بالمستقبل هو فن غامض مفضل لدى الصينيين. وفي العصور القديمة، خدمت عيدان تناول الطعام أيضاً هذا الغرض. تقول الأسطورة القديمة أن رجلاً يدعى تشاو ذهب ذات مرة إلى منزل صديقه البخيل. وعندما فتح الصديق له الباب لم يظهر أنه سعيد بتلك الزيارة. وقال له: يا له من إزعاج! ليس لديّ نبيذ ولا لحم في المنزل، لذلك لا يمكنني استقبال ضيوف!

نظر إليه تشاو بابتسامة ثم أخرج زوجاً من عيدان تناول الطعام، ووضعهما على الطاولة، ثم قال له: “يوجد نبيذ ولحم في الركن الشرقي من منزلك، لماذا تنكر ذلك؟”

هنا أصابت الصديق دهشة، وضحك المضيف المتردد وعلق قائلاً: “كنت أعلم أن لديك مهارة التنبؤ بالمستقبل؛ لقد سمعت أن لديك هذه الموهبة، لكني أردت فقط اختبارك… هيا لنتاول الطعام”.

المثل الشعبي

تقول قصة أخرى أنه في إحدى المناسبات، كان الإمبراطور كاوزو – مؤسس مملكلة هان – يناقش مسائل الدولة مع رئيس وزرائه لي شيه تشي على العشاء. وفي تلك اللحظة انضم إليهم تشانغ ليانغ، الذي لاحظ على الفور عيوباً في اقتراح رئيس الوزراء. ومن أجل توضيح رأيه بشكل أفضل، استعار تشانغ أعواد تناول الطعام من ليو بانغ ورسم فكرة محاوره. ولا يزال فمه ممتلئاً بالأكل. وبخه الإمبراطور ساخطاً على خطأ لي شيه تشي قائلاً: “دودة الكتب عديمة الفائدة هذه قد أتت على بعد إصبعين من غرق إمبراطوريتي!”

وهذا هو أصل المثل الصيني الشائع “استعر بعض عيدان تناول الطعام لتسوية الحسابات”، والتي تشير إلى حقيقة أن بالإمكان استخدام شيئاً ما أو فكرة ما لا علاقة لها بموضوع المناقشة لتوضيح وجهة نظرك.

اقرأ أيضًا: 15 لغة هي اللغات الأكثر استخداماً في العالم

طريقة الأكل بالأعواد الصينية

على الرغم من أنه قد يبدو صعباً بالنسبة للمبتدئين، إلا أن تقنية التعامل مع عيدان تناول الطعام بسيطة ولا تتطلب سوى القليل من الممارسة. إنها مسألة إبقاء أحد الأعواد ثابتاً، مستريحاً على المفصل بين الإبهام والسبابة، بينما مع ثني بقية الأصابع، يتم التلاعب بالأخرى لتشكيل كماشة. يعتبر الصينيون أنه بالإضافة إلى كونها أسهل طريقة لتناول الطعام، فإن عيدان تناول الطعام تسمح للآكلين بالحفاظ على وضع مستقيم، حيث يجب رفع وعاء الأرز باليد الأخرى.

اقرأ أيضًا: أعظم الحضارات القديمة في التاريخ

مما تصنع عيدان الأكل الصينية؟

كانت أعواد الأكل الصينية تُصنع من الخيزران والخشب. ثم بعد ذلك بدأ صنعها من العاج واليشم – حجر كريم. وخلال الفترة من 772 إلى 221 قبل الميلاد كانت مصنوعة من البرونز والحديد. بينما استخدامت عيدان تناول الطعام الذهبية والفضية في سلالات هان خلال القرنين الثالث والسادس بعد الميلاد.

كان لكل مادة من هذه المواد التي صُنعت منها أعواد الأكل لها مزاياها وعيوبها. فعيدان اليشم مقاومة للبرودة والحرارة، ولكنها هشة للغاية. أما العاج فهو رائع ولكنه يساعد على تبريد الطعام. وكانت أعواد العاج  شائعة بصورة كبيرة. حيث كان من عادة الناس نحت أسمائهم على زوج من عيدان تناول الطعام للاستخدام الشخصي.

تعد الفضة أفضل حماية ضد السم، حيث تتحول إلى اللون الأسود إذا كان هناك أي جرعة سم في الطعام. وقد استخدمهم الأباطرة وكبار المسؤولين كتأمين على الحياة لعدة قرون. لكن عندما استبدل البيت الإمبراطوري في تشينغ عيدان تناول الطعام الفضية بأخرى مصنوعة من العاج، استمر اختبار الطعام عن طريق إدخال قطع من الفضة في كل حاوية طعام. أما عيدان تناول الطعام الحديثة مصنوعة من الخيزران والخشب والزجاج والبلاستيك. لكن تلك المطلية بالورنيش من تايوان والعاج من بكين لا تزال الأكثر شهرة.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك