علوم

العمالقة في التاريخ: ظل الخرافة في مرآة العلم

لطالما أبهرتنا الأساطير بعمالقة خارقين، يسحقون الجبال بأقدامهم ويهزون الأرض بخطواتهم. مرت العمالقة في التاريخ من صفحات الأساطير إلى شاشات السينما، لتوقظ فينا خيالًا شغوفًا بالقوة الهائلة والحجم المهول. لكن، ماذا لو حاولنا تحويل هذه الأساطير إلى واقع؟ ماذا يقول العلم عن حلم “العملاق الحقيقي”؟ وهل يمكن أن يتحمّل جسد إنسان أن يكبر ثلاثة أضعاف دون أن ينهار تحت ثقله؟ هذا ما سنكتشفه الآن، حين تصطدم الأحلام بالفيزياء، والخرافة بالبيولوجيا.

هوس التطرف

الأساطير الرائعة عن العمالقة موجودة في جميع الثقافات، باعتبارها مجازًا للقوة والعظمة والسلطة، لكنها للأسف مستحيلة. يجذبنا التطرف: الأعلى والأدنى؛ الأشد حرارة، والأشد برودة؛ الأسرع والأبطأ… وهناك صناعات كاملة تقوم على ذلك، مثل موسوعة غينيس للأرقام القياسية، الذي يجمع منذ عام 1954 أكثر الأرقام تطرفًا، سواء كانت من الكون، أو من إنجازات الإنسان وخصائصه، أو من عالم الحيوان والنبات والمعادن والكواكب والنجوم.

العمالقة في التاريخ بين الأسطورة والخيال

من هم العمالقة في التاريخ
العمالقة الجبارين في الأساطير

ومن بين جميع الأساطير المرتبطة بالتطرف التي ورثناها من ثقافات متعددة، تبرز واحدة بحضورها الدائم والجذاب: أسطورة العمالقة، سواء كانوا بشرًا أو شبه بشر. نجد في اليونان القديمة أساطير لعدد كبير من العمالقة في التاريخ، من أشهرهم التيتان أو الجبابرة، وهم أبناء جايا (الأرض) وأورانوس (السماء).. وكذلك طالوس، العملاق البرونزي الذي صنعه هيفيستوس لحماية أوروبا، ويظهر في قصة جيسون والمغامرين (الأرغونوت). وفي التناخ، وهو الكتاب القانوني للتوراة أو الكتاب المقدس في الديانة اليهودية، يرد ذكر العمالقة، بينما يذكر سفر التكوين في الكتاب المقدس المسيحي، الإصحاح السادس، الآية الرابعة، قبيل قرار يهوه بإغراق العالم بالطوفان: “كان في الأرض عمالقة في تلك الأيام”. أما العملاق جالوت في مواجهته مع داوود، فقد شكّل استعارة خالدة.

تتضمن الأساطير الإسكندنافية والسلتيّة والهندية واليابانية، وكذلك الأزتيكية والتبتية والفلبينية والمايا، مجموعة كبيرة ومتنوعة من العمالقة، بعضهم على هيئة غيلان مخيفة.. وآخرون ككائنات طيبة تحمل السماء.. أو آلهة أو بشر بنيتهم ضخمة بشكل استثنائي، وغالبًا ما نسبت إليهم أبنية الثقافات القديمة. وقد استعادت الفنون هذه الأساطير أيضًا كمجازات.. ووهبتنا رؤى جديدة لهؤلاء الرجال والنساء (أو أنصاف البشر) ذوي الحجم الهائل. لكن في الواقع، لا وجود لأي عمالقة في التاريخ.

وهم العمالقة في العصور القديمة

تروج بعض الزوايا الهامشية في عالم الغموض، أو فيما يفترض أنه خارق للطبيعة أو من خيالات العجائب، لوجود عمالقة حقيقيين في العصور القديمة، سواء أكانوا سكان أتلانتس الأسطورية التي تحدث عنها أفلاطون، أو “اليتي”، بل وتنتشر صور مفبركة يظهر فيها أشخاص طبيعيون بجانب هياكل عظمية ضخمة، أو بجوار مومياوات ذات مظهر ورقي مريب، يقال إن طولها يتراوح بين ثلاثة وأحد عشر مترًا. غير أن عالم الأحياء لا يحتاج إلا إلى إلقاء نظرة سريعة على هذه الصور ليعرف أنها خدع، أي أن الكائنات التي تمثلها مستحيلة بيولوجيًا.

أطول إنسان في العالم

روبرت وادلو
العملاق الأمريكي روبرت وادلو

أطول إنسان سُجّلت قامته حتى الآن هو الأمريكي روبرت وادلو، الذي عاش في ولاية إلينوي بين عامي 1918 و1940. وبلغ طوله 2.72 مترًا نتيجة مشكلة في فرط نشاط الغدة النخامية.. وهي حالة يمكن اليوم التحكم فيها بفضل العلاجات المتوفرة. لكن حياته القصيرة كانت معقدة ومؤلمة. فلكي يتمكن من المشي، كان عليه ارتداء دعامات معدنية للساقين. ولم يكن لديه تقريبًا أي إحساس في أطرافه السفلية، مما أدى إلى كسر عدة عظام لديه، وفي النهاية توفي بسبب تسمم في الدم (إنتان) ناتج عن قرحة سببتها له تلك الدعامات.

المشاكل التي عانى منها وادلو، كما هو الحال مع عمالقة آخرين حقيقيين، تعود إلى أن بنية العظام البشرية فعالة فقط حتى وزن معين. وما بعده تصبح غير قادرة على أداء وظيفتها بشكل سليم، ما لم يُعاد تصميمها جذريًا.

إذا نظرنا إلى أرجل كائن حي صغير نسبيًا من حيث الحجم والوزن، مثل النملة، فسنلاحظ أنها رفيعة للغاية، ومع ذلك يمكنها أن تحمل وزن جسمها بسهولة تامة. أما الحيوان الرشيق مثل السلوقي أو الغزال، فتكون أرجله أكثر سُمكًا نسبيًا إذا قارناها بالنملة، وعندما نصل إلى الحيوانات الضخمة جدًا مثل فرس النهر أو الفيلة أو سلاحف الغالاباغوس، نجد أن أرجلها أكثر سُمكًا بكثير نسبة إلى حجم أجسامها.

عقبة الفيزياء أمام العملاق

يعود سبب ذلك إلى ظاهرة وصفها جاليليو جاليلي في كتابه “علمان جديدان” عام 1638، والتي تنص بوجه عام على أنه إذا قمنا بتكبير جسم معين، فإن حجمه (أو كتلته) يزداد بسرعة أكبر بكثير من مساحة سطحه. وتعرف هذه القاعدة باسم قانون التربيع والتكعيب. فإذا نما جسم بنسبة معينة، فإن مساحته تزيد بنسبة تربيع تلك النسبة، في حين أن حجمه يزيد بنسبة تكعيبها.

على سبيل المثال، إذا ضاعفنا حجم شخص طوله 1.70 متر ليصبح طوله 3.40 متر، فإن قوة عظامه (المرتبطة بمساحتها) لن تتضاعف، بل ستزداد أربع مرات (لأن 2² = 4)، بينما سيزداد حجمه ثماني مرات (لأن 2³ = 8). فإذا كان يزن 80 كيلوغرامًا، سيصبح وزنه الآن 640 كيلوغرامًا. وعندما يصل وزنك إلى 640 كيلوغرامًا، ستنهار بنيتك العظمية. سيكون عليك أن “تتطور” بحيث تكون ساقاك أكثر امتلاءً بعضلات وعظام أقوى وأكثر صلابة.

تحديات فسيولوجية ضخمة

العمالقة في التاريخ
تصميم الجسم البشري

لكن ذلك لن يكون التحدي الوحيد: ففسيولوجيا جسدك المصممة لطول 1.70 متر لن تعود صالحة. ستحتاج إلى نظام تبريد مختلف (وهذا هو السبب الذي يجعل للفيلة آذانًا ضخمة لتبديد الحرارة الكبيرة التي يولدها جسمها، أو سبب بقاء أفراس النهر في الماء معظم الوقت)، وسيتوجب عليك أن تأكل كميات أكبر بكثير، مما سيغيّر نظامك الهضمي بالكامل… أي أنك ستصبح أقرب إلى فيل من أن تكون عملاقًا رشيقًا من قصص الخيال.

وقد طور هذه الأفكار عالم الأحياء جون هولدين في مقال كتبه عام 1926، تناول فيه البنية العامة للحيوانات، وأوضح أن لكل بنية حجمًا مناسبًا لها. وأن كل حجم يتطلب مجموعة من الأنظمة الكافية للبقاء. كلما ازداد حجم الحيوان نسبة إلى بنيته، أصبح أضعف. يرتبط الشكل والبنية والحجم ارتباطًا، وهم نتيجة تطور كل نوع من أنواع الكائنات.

وبناءً على ذلك، فإن خيالات السينما عن جهاز قادر على تكبير حجم النمل لصنع جيش غازٍ تعد بيولوجيًا غير قابلة للتحقيق. قبل أن تصبح تلك النملات عمالقة مرعبة، وبمجرد أن يصل حجمها تقريبًا إلى حجم قطة صغيرة، ستنهار فوق أقدامها التي تعجز عن حمل وزنها. إذ أن وزن الجسم سيزداد بقدر مكعب طوله، بينما لا تزداد قدرة الأرجل إلا بحسب التربيع. إذن لم يخلق الجسم البشري للعملقة. إنه بالحجم الذي يناسب كل أنظمته الحيوية.

العمالقة في التاريخ وحدود الجسد البشري

يقدر أن متوسط الطول لدى البشر هو ما يزيد قليلاً عن 1.66 متر، مع متوسط للرجال يبلغ 1.72 مترًا، وللنساء 1.60 مترًا. أما في رياضة كرة السلة، فأطول رجل كان الروماني جيورجي موريسان بطول 2.31 متر، وأطول امرأة كانت البولندية مارغو دايدك بطول 2.18 متر. وبوجه عام، فإن متوسط طول الرجال يبلغ نحو 1.08 مرة من متوسط طول النساء.

ربما تحملنا المخيلة إلى عوالم يعيش فيها عمالقة يمشون بين البشر، لكن قوانين الطبيعة لا ترحم. فكل محاولة لتضخيم الجسد البشري تصطدم بجدار صلب من الحقائق العلمية التي لا تقبل المجاملة. الجسم الإنساني، ببنيته الرشيقة وتفاصيله الدقيقة، هو نتاج ملايين السنين من التوازن الحيوي. ربما لا نكون عمالقة بالحجم، لكننا عمالقة في التكيف، في البنية، وفي حدود الممكن. وفي عالم تسكنه قوانين التربيع والتكعيب… يبدو أن أكبر قوة حقيقية هي أن ندرك حدودنا.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!