علوم

كيف تحدث الزلازل؟ ما الذي نعرفه وما الذي نجهله؟

يتغير كل شيء في لحظة. الأرض التي بدت آمنة وثابتة تهتز بعنف، وتنهار المباني، ويتحول الصمت إلى صراخ. الزلازل ليست مجرد ظواهر جيولوجية، بل أحداث تعيد تشكيل المدن، وتكشف عن هشاشة الحضارة في مواجهة الطبيعة. كيف تحدث الزلازل ولماذا؟ ومن أين تأتي هذه القوة الهائلة؟ ولماذا تعجز البشرية عن التنبؤ بها؟ هذا التقرير يفتح نافذة على عالم الزلازل، من أعماق الأرض إلى سطحها، مرورًا بالموجات الزلزالية، والدمار… والأمل في الوقاية.

طاقة تتجاوز القنابل النووية

الكوارث الطبيعية قادرة على إطلاق قوى تفوق بكثير قدرة البشر على توليد الطاقة. يطلق زلزال بقوة 7 درجات على مقياس ريختر القديم طاقة تعادل 617,000 قنبلة مثل تلك التي انفجرت في هيروشيما في السادس من أغسطس عام 1945. أما أقوى سلاح نووي صنع حتى الآن، وهو “قنبلة القيصر” السوفيتية، فتعادل حوالي 3,300 قنبلة من نوع هيروشيما. ومع ذلك، فإن الزلزال المذكور يفوقها قوة بـ 200 مرة.

لماذا تحدث الزلازل؟

لماذا تحدث الزلازل؟
أسباب حدوث الزلازل

الزلزال هو أي حركة مفاجئة في القشرة الأرضية، ويحدث عادةً بسبب انزلاق في صدع جيولوجي. قد تحدث هزات لأسباب أخرى، مثل انهيار أرضي أو انهيار نفق في منجم، لكنها لا تسمى عادةً زلازل. يمكن أن تحدث الزلازل أيضًا بسبب سقوط نيازك أو بفعل ثوران البراكين أو انهيارات أرضية، لكن السبب الأكثر شيوعًا لها هو تحرر التوتر الناتج عن الانزلاقات الجيولوجية أو تصدعات الصخور، خصوصًا في مناطق التقاء الصفائح التكتونية التي تشكل القشرة الأرضية. وقد وقع الزلزالان اليونانيان المذكوران ضمن أنظمة تصدع لا تزال حتى اليوم مسؤولة عن النشاط الزلزالي في المنطقة.

وقد سجل أول زلزال في التاريخ البشري في حوليات الخيزران في الصين القديمة، ووقع في وقت ما بين عامي 1600 و2200 قبل الميلاد. كما حدث زلزالان شهيران على الأقل في اليونان: أحدهما وقع في مدينة أسبرطة عام 464 قبل الميلاد، وأودى بحياة عدة آلاف من السكان، وكان من العوامل التي ساهمت في إشعال الحرب البيلوبونيسية.. أما الآخر فهو زلزال رودس عام 226 قبل الميلاد، الذي دمر إحدى عجائب العالم القديم، تمثال العملاق رودس الذي كان يحرس الميناء.

الصفائح التكتونية.. الأرض تتحرك تحت أقدامنا

الصفائح التكتونية
شكل يوضح الصفائح التكتونية

القشرة الأرضية ليست كتلة واحدة، بل تتكون من 12 صفيحة، مثل قطع الأحجية. تطفو فوق طبقة من الصخور المنصهرة اللينة تعرف بالوشاح الأرضي، وتنقسم هذه الصفائح إلى عشرات الصفائح الصغرى. وعندما تتحرك هذه الصفائح، تضغط بعضها على بعض عند الصدوع الجيولوجية، وعندما تنكسر هذه الضغوط وتتحرك إحدى الصفائح فجأة، يتم تحرير الطاقة الكامنة فيها.

بهذا الشكل، فإن الزلازل التي تحدث من وقت لآخر في إيطاليا واليونان وتركيا وإسبانيا تعود إلى أن الصفيحة الإفريقية والصفيحة الأوراسية تلامسان بعضهما البعض في تلك المنطقة، من منتصف المحيط الأطلسي مرورًا بمضيق جبل طارق وعلى طول البحر الأبيض المتوسط حتى شبه الجزيرة العربية، حيث تفصل بينهما الصفيحة العربية.

أين تحدث الزلازل؟

وصف ظاهرة الزلازل
منطقة الحزام الناري

لهذا السبب، تتركز معظم الزلازل في مناطق محددة تشهد نشاطًا تكتونيًا وبركانيًا كثيفًا، خاصة فيما يعرف بـ “الحزام الناري”. وهو حزام يحيط بالمحيط الهادئ يمتد من البحار القريبة من أستراليا مرورًا باليابان وساحل آسيا الشرقي. ثم يعبر مضيق بيرينغ وينزل على طول الساحل الغربي للقارة الأمريكية، ليشمل مناطق معروفة بنشاطها الزلزالي ككاليفورنيا، والمكسيك، وأمريكا الوسطى، وبيرو، وبوليفيا، وتشيلي.

وتشير التقديرات أن أكثر من 90% من زلازل العالم (وما يزيد عن 80% من الزلازل العنيفة) تحدث في منطقة الحزام الناري، التي تضم نحو 500 بركان، أي أكثر من ثلاثة أرباع براكين العالم. ويعود ذلك إلى تصادم وتحرك ما لا يقل عن ست صفائح تكتونية في تلك المنطقة. أما ثاني أكبر منطقة من حيث النشاط الزلزالي في العالم فهي الممتدة من جاوة إلى سومطرة، وتمر بسلسلة الهملايا (التي تشكلت أصلًا بفعل تصادم صفائح)، ثم تعبر البحر المتوسط وصولًا إلى المحيط الأطلسي.

كيف تحدث الزلازل؟

كيف تحدث الزلازل؟
طريقة حدوث الزلازل

يمكن أن تتحرر الطاقة بالقرب من سطح الأرض أو على عمق مئات الكيلومترات. ويطلق على النقطة التي يحدث فيها هذا التحرر اسم “بؤرة الزلزال”. بينما يطلق على “المركز السطحي” أو “مركز الزلزال” النقطة الواقعة على سطح الأرض مباشرة فوق البؤرة. أي أنه عندما تخبرنا الأخبار بأن مركز الزلزال يقع في موقع جغرافي معين، فإننا لا نعرف العمق الذي حدث فيه الزلزال. وهو أمر مهم، لأن الزلازل الأكثر تدميرًا تحدث عادةً على أعماق ضحلة.

سطح الأرض ليس صلبًا كما يبدو، بل يتمتع بمرونة، كما نرى في الطيات التي تشكل سلاسل الجبال الكبرى. وهي انثناءات في الصخور ناتجة عن ضغط صفيحة على أخرى. هكذا تكونت سلسلة جبال الهيمالايا، على سبيل المثال، نتيجة اصطدام بين الصفيحة الهندية والأوراسية على مدى 50 مليون سنة. وتلك المرونة في الصخور هي التي تنقل الموجات الناتجة عن بؤرة الزلزال. وتتحرك كما تفعل أي موجة صوتية أو اهتزاز ينتقل عبر جسم صلب.

أنواع الموجات الزلزالية

أنواع الموجات الزلزالية
الموجات الزلزالية

تنتج الزلازل ثلاثة أنواع من الموجات يمكن لعلماء الزلازل تمييزها بوضوح. أولًا، تنتج “الموجات الأولية”، أو موجات الضغط الطولية، وتعرف باسم “الموجات P”.. وهي موجات ضغط وتمدد تشبه الموجات الصوتية، وهي أول موجات يتم تسجيلها في محطات الزلازل. يمكن لهذه الموجات الانتقال عبر الأوساط الصلبة والسائلة والغازية.

تليها “الموجات S”، وهي موجات ثانوية، عرضية أو قصية، وتنتقل بشكل عمودي. تشبه هذه الموجات ما يحدث عندما يمد الأطفال حبل القفز على الأرض ويهزون طرفًا منه فجأة، فتنتقل الموجة على طول الحبل. وهذه الموجات لا تنتقل عبر السوائل.

ينتشر هذان النوعان من الموجات في جميع الاتجاهات انطلاقًا من بؤرة الزلزال، أي عبر سطح الأرض. لكن الأمر يختلف بالنسبة للموجات السطحية، التي تنتقل فقط في الطبقات العليا من الأرض. وهي موجات رايليه، وتشبه الموجات التي نراها عند رمي جسم في ماء ساكن أو أمواج البحر. وهذه الموجات هي التي تسبب الأضرار التي تلحق بالمباني والممتلكات… وفي نهاية المطاف، بالأرواح.

الدمار لا يأت من الزلزال وحده

مخاطر الزلازل
أضرار الزلازل

نربط أضرار الزلازل في الغالب بانهيار المباني التي لم تشيد وفق مواصفات مقاومة للزلازل. وكما قال أحد المهندسين الذين حللوا آثار زلزال مكسيكو سيتي عام 1985:

الزلازل لا تقتل الناس… المباني المشيدة بشكل سيئ هي التي تقتلهم..

لكن هذا صحيح فقط إلى حد معين. قد تؤدي الزلازل إلى انهيارات أرضية أو طينية مميتة، أو انهيارات جليدية. وقد تتلف أنابيب الكهرباء والغاز والصرف الصحي مما قد يؤدي إلى نشوب حرائق، فضلًا عن ظاهرة تعرف باسم “تسيل التربة”. حيث يتسبب الزلزال في فقدان الأرض لاستقرارها، فتتحول إلى سائل شبيه بالرمال المتحركة الأسطورية، ما قد يؤدي إلى ابتلاع مبانٍ كاملة.

وإذا وقع مركز الزلزال في المحيط أو بالقرب من الساحل، فقد يؤدي إلى سلسلة من الأمواج غير المعتادة في الشدة والارتفاع تعرف بالتسونامي. رأينا آثار هذه الظاهرة بوضوح في عام 2004 عندما تسبب زلزال قوي في المحيط الهندي (أحد أقوى الزلازل المسجلة على الإطلاق) في سلسلة من أمواج تسونامي أسفرت عن أكثر من 230,000 وفاة في 14 بلدًا حول مركز الزلزال، بارتفاع أمواج وصل إلى 10 أمتار.

موجات تكشف أعماق الأرض

وعلى الرغم من أن الزلازل ظواهر مدمرة وغير مرغوبة، فإنها تتيح لعلماء الجيولوجيا فهمًا أعمق لباطن كوكبنا، الذي لا نعرف عنه سوى القليل. فمن خلال تحليل الموجات الزلزالية المختلفة وقياس سرعة انتشارها عبر أجهزة قياس الزلازل المنتشرة في شتى أنحاء العالم، تمكن العلماء من معرفة المزيد عن تركيب كوكبنا، وعن طبقاته وسماكتها وغيرها من الخصائص. ويمكن للموجات الزلزالية، مثل الموجات الصوتية، أن تنعكس عند اصطدامها بعوائق أقل مرونة، أو أن تتداخل أو تنكسر أو تنحرف، مما يولد موجات أكثر تعقيدًا قد تزيد أو تقلل من قدرة الزلزال التدميرية، وتمنح الجيولوجيين معلومات قيّمة.

يحدث سنويًا في العالم نحو 1,500 زلزال بقوة 5 درجات أو أكثر. وفهم هذه الظاهرة والوقاية من أضرارها ومعرفتها ليس فقط مهمة علمية مهمة… بل هو أساس لوضع قوانين البناء وغيرها من التشريعات المبنية على المعرفة، والتي يمكن أن تنقذ الأرواح.

ولادة علم الزلازل

كان اكتشاف الزلازل وقياسها تحديًا كبيرًا.. أول من حاول مواجهته هو عالم الرياضيات تشن هينغ عام 132 قبل الميلاد، حين اخترع “دوّارة الزلازل”. وهي عبارة عن وعاء محاط بثمانية تنانين، يحمل كل منها كرة برونزية في فمه. وعند حدوث أدنى اهتزاز، يقوم نظام داخلي من البندولات بإسقاط الكرة من فم التنين الذي يواجه اتجاه الزلزال. ورغم أن هذا الجهاز لم يكن قادرًا على قياس شدة الزلزال، فقد كان كافيًا لتنبيه الإمبراطور إلى الاتجاه الذي تحركت فيه أراضيه.

لكن لم تبدأ الدراسة العلمية الحقيقية للزلازل إلا في أواخر القرن التاسع عشر، عندما طُورت أول الأجهزة القادرة على قياس شدة الزلازل، وظهرت تقنيات لرصد الزلازل البعيدة، حيث تمكن العلماء في ألمانيا عام 1899 من تسجيل زلزال وقع في اليابان.

وقد تطور فهمنا للزلازل وكوكب الأرض بشكل متبادل في القرن العشرين، مما سمح بتقدم كل من علم الزلازل (السيسمولوجيا) وعلم طبقات الأرض (الجيولوجيا). وأتاح لنا تحليل الموجات الناتجة عن الزلازل معرفة شدتها وموقعها وعمقها داخل القشرة الأرضية. كما أن تتبع تغيراتها أتاح معرفة اللحظات التي تمر فيها هذه الموجات عبر طبقات مختلفة الكثافة أو التركيب، أو عند عبورها فجوات أو كهوفًا، لتعمل بمثابة أشعة سينية تكشف شكل ومواد المناطق التي لا نستطيع رؤيتها من كوكبنا.

هل ما زال مقياس ريختر صالحًا؟

قياس الزلازل
مقياس ريختر

أما أول مقياس عملي لقياس شدة الزلازل، فقد طوره عام 1935 عالم الزلازل الأمريكي تشارلز ريختر. لكنه كان صالحًا فقط للزلازل التي تقع على مسافة معينة من الجهاز الذي ابتكره بنفسه. وتحسب شدة الزلازل حاليًا من خلال معادلات معقدة تربط بين الموجات الزلزالية العميقة وتلك السطحية، والتي ترصدها الأجهزة الحديثة، إلى جانب خصائص المنطقة الجيولوجية، وعمق الزلزال، ومدى انتشاره. ولهذا السبب، من غير الدقيق الإشارة إلى شدة الزلازل باستخدام “مقياس ريختر”، إذ إن هذا المقياس لم يعد مستخدمًا… باستثناء ولاية كاليفورنيا، التي لا تزال تنتظر “الزلزال الكبير” الذي يتوقع أن يحدث نتيجة التوترات المتراكمة في فالق سان أندرياس، حيث تلتقي صفيحة المحيط الهادئ والصفيحة الأمريكية الشمالية.

الجدير بالذكر أن أجهزة رصد الزلازل الحديثة حساسة بدرجة كبيرة، لدرجة أنها تستخدم أيضًا في كشف الأحداث ضعيفة الطاقة، مثل التجارب النووية التي قد تجريها بعض الدول بشكل سري.

هل يمكن التنبؤ بالزلازل؟

من المستحيل التنبؤ بشكل دقيق بموعد انطلاق طاقة من صدع جيولوجي أو بركان أو حدوث زلزال. ومع ذلك، توجد أنظمة إنذار مبكر، وهي أجهزة إنذار تسجل بداية الزلزال في مركزه وتتمكن من تحذير السكان. إذ أن الموجات السطحية للزلزال تسير بسرعة تتراوح بين 1 و6 كيلومترات في الثانية، حسب تركيبة التربة ودرجة الحرارة وغيرها من العوامل. وبهذا، يمكن لمدينة تبعد 300 كيلومتر عن مركز الزلزال أن تتلقى تحذيرًا قبل دقائق من وصول الزلزال أو التسونامي، مما يمنح السكان فرصة للنجاة.

الزلازل تذكير دائم بضعف الإنسان أمام قوة الطبيعة، لكنها أيضًا دعوة إلى الفهم والاستعداد والتعلم. فبينما لا نستطيع إيقافها، يمكننا تقليل خسائرها، بفضل التقدم العلمي والمعرفة الدقيقة بسلوك الأرض. إن تعلّمنا من الزلازل لا ينقذ الأرواح فحسب، بل يعمّق فهمنا لكوكب لا يزال يخفي الكثير في أعماقه.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!