علوم

ما هو التخمير؟ كيمياء الحياة الخفية في طعامنا

لم تكن النار وحدها هي التي غيّرت علاقة الإنسان بالطعام منذ القدم، بل كان للكائنات الدقيقة — تلك التي لا تُرى بالعين المجردة — دور حاسم في تشكيل مذاقاتنا، وطرق حفظنا للأطعمة، وحتى هويتنا الثقافية الغذائية. من الجبن المعتق إلى الزبادي والخبز، تتدخل البكتيريا والخمائر والفطريات في حياة الإنسان اليومية دون أن يشعر، لتمنحه متعة الطعم ونعمة الهضم وسحر التخمير. دعونا نستكشف ما هو التخمير وقصته بمزيد من التفصيل.

الكائنات الدقيقة التي شكلت أذواقنا

قد لا يبدو هذا جذابًا جدًا للوهلة الأولى، لكن بعضًا من أكثر أطعمتنا تقديرًا هي كذلك بفضل مرورها بعملية هضم من قبل كائنات حية أخرى أثناء تصنيعها. بعض الأطعمة الأساسية لم تكن لتوجد لولا تأثير الكائنات الحية التي تغيرها وتحولها إلى أطعمة ألذ طعمًا، وأكثر تغذية، وأطول عمرًا، بل وأكثر صحة.

من الأمثلة التي يحب المؤرخون الاستشهاد بها: البيرة. ظهر هذه المشروب الشعبي في بدايات زراعة الحبوب، منذ حوالي 10,000 سنة. ورغم استحالة معرفة تفاصيل ما حدث، إلا أننا يمكن أن نتخيل أن بعض الحبوب، أو ربما قطعة من الخبز، قد تُركت لعدة أيام في الماء بسبب الإهمال أو الصدفة، فتعرضت للتخمر. وكان لدى مزارع من العصر الحجري الحديث الجرأة أو الإهمال أو الاضطرار لشربها. كان طعمها مختلفًا، ولطيفًا، وكان لها تأثير مميز يُنعش المرء قليلاً. كانت تلك هي البيرة.

بدايات التخمير

عملية التخمير
التخمير في الحضارات القديمة

كلمة السر هي “التخمر”. لم يكن البابليون القدماء يعرفون كيف يعمل أو ما الذي يسببه. لكنهم تمكنوا من التحكم به حسب إرادتهم: كانوا يطحنون الحبوب، ويسخنونها في الماء. ثم يخبزونها ويعيدون وضعها في الماء. وبشكل سحري يحصلون على البيرة. ولحسن الحظ، في العديد من الحضارات اللاحقة، بما في ذلك الإمبراطورية المصرية العريقة وحتى وقت قريب، كان لديهم البيرة. كان الماء ملوثًا في كثير من الأحيان ويسبب أمراضًا خطيرة، لذا كان من الأفضل شرب البيرة. وهو ما كان يفعله الجميع من الصغار إلى الكبار، رجالًا ونساءً، باستثناء الثقافات التي كان فيها النبيذ هو المسيطر، وهو عصير عنب مخمر بالمثل.

اكتشف لويس باستور، ابتداءً من خمسينيات القرن التاسع عشر، أن هذه التحول الذي كان يبدو سحريًا لم يكن، كما كان يُعتقد سابقًا، يحدث تلقائيًا، بل كان نتيجة نشاط كائنات حية: البكتيريا والفطريات. مكنه هذا، في إحدى أشهر إنجازاته في فرنسا، من تفسير تلف النبيذ الفرنسي بسبب البكتيريا الحمضية واقتراح طرق لتجنب ذلك، مما أنقذ صناعة النبيذ في بلاده.

ما هو التخمير؟

معنى التخمير
كيف تحدث عملية التخمير؟

التخمير هو عملية أيضية، أي هضمية، يقوم من خلالها كائن حي بتحويل كربوهيدرات، مثل النشويات أو السكريات، إلى كحول أو حمض. تقوم الخمائر، عند تخمير أو هضم الكربوهيدرات في العنب أو التفاح أو الحبوب وأطعمة أخرى، بتحويلها إلى كحول. وتحصل في هذه العملية على الطاقة التي تحتاجها للعيش. وبعد ذلك، يمكننا أيضًا استخدام بكتيريا حمضية لتخمير الكحول مرة أخرى، وتحويله إلى حمض الأسيتيك أو الخل.

الجبن المعتق أو الناضج هو منتج آخر ناتج عن فعل كائنات حية مختلفة. بينما يتم الحصول على الجبن الطازج ببساطة من فصل المواد الصلبة (الدهون وجزء من البروتين) في الحليب عن مكوناته السائلة (مصل اللبن، المكون من البروتين والماء). ويتم معالجة العديد من الأجبان باستخدام سلالات معينة من البكتيريا لتحقيق تنوع مذهل في النكهات.

على سبيل المثال، يستخدم جبن الإمنتال خلال فترة تعتيقه ثلاثة أنواع مختلفة من البكتيريا. النوعان الأولان يحولان سكر الحليب الطبيعي، اللاكتوز، إلى حمض اللبنيك.. والنوع الثالث يستهلك حمض اللبنيك هذا ويطلق ثاني أكسيد الكربون. وهو غاز يشكل الفقاعات التي تعطي هذا الجبن وغيره مظهره المميز ذو الفتحات التي تشبه مقلة العين.

فطريات الجبن واكتشاف البنسلين

الفطريات والبكتيريا
الفطريات التي تصنع الجبن

تستخدم أنواع الجبن الأزرق وأنواع أخرى مثل جبن بري وكامومبير أنواعًا مختلفة من البكتيريا وفطريات البنسليوم. وهي نفس الكائنات التي أدت إلى اكتشاف البنسلين، أول مضاد حيوي فعّال. وتعد فطريات البنسليوم مسؤولة عن الخطوط الزرقاء المائلة إلى الخضرة في بعض الأجبان. وكذلك عن القشرة البيضاء المخملية في جبن البري والكامومبير.

يتيح تحول اللاكتوز إلى حمض اللاكتيك في الأجبان المعتّقة إمكانية استهلاكها من قبل الأشخاص الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز. وفي الواقع، أشار بعض الباحثين إلى أن انتشار الجبن جاء تحديدًا لأنه سمح لمزيد من الناس باستهلاك مشتقات الحليب دون مشاكل. وهي، بطبيعة الحال، مجرد فرضية.

بكتيريا الزبادي

بكتيريا الزبادي
كيف يُصنع الزبادي؟

يعد الزبادي بأشكاله المختلفة من أكثر الأطعمة رواجًا في العقود الأخيرة. ومع ذلك، وحتى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، كان على من يرغب بتناول الزبادي أن يصنعه بنفسه، عبر الحصول على جزء من مزرعة بكتيريا اللاكتوباسيلوس، التي كانت تعرف حينها بـ “البكتيريا البلغارية”، نسبةً إلى الطبيب البلغاري ستامين غريغوروف الذي اكتشفها. أما اليوم، فقد ألغى الإنتاج الصناعي للزبادي الحاجة تقريبًا لصناعته منزليًا.

يصنع الزبادي من خلال تعريض الحليب لتخمير بواسطة نوعين من البكتيريا، إحداهما تحلل بروتينات الحليب إلى أحماض أمينية، والأخرى تستخدم تلك الأحماض الأمينية. وتقوم كلتاهما بتحويل اللاكتوز إلى حمض اللاكتيك، مما يمنح الزبادي حموضته وقوامه المعروفين.

التخمير وصناعة الخبز

أهمية التخمير في صناعة الخبز
عملية التخمير في صناعة الخبز

نأتي أخيرًا إلى الغذاء الأصيل بامتياز: الخبز، الذي يُخبَز بأشكال متعددة ومن أنواع حبوب مختلفة في أنحاء العالم كافة. يعتمد الخبز وأقرباؤه الفاخرون من المعجنات على الخميرة ليكونوا رمزًا للغذاء كما نعرفه. تساعد الخميرة الخبز على “الانتفاخ” بنفس الطريقة التي تنتج بها “العيون” في الجبن السويسري مثل الإمنتال، إذ تطلق ثاني أكسيد الكربون أثناء استهلاكها لجزء من كربوهيدرات العجين وتخميرها. وتشكل تلك الفقاعات ما يسميه خبراء الخبز “الحويصلات الهوائية”، التي تجعل النتيجة إسفنجية ومحببة للمسّ، فضلًا عن سهولة المضغ والمذاق الطيب.

كما تسهم عملية التخمير في منح الخبز نكهته المميزة، وتقوي الغلوتين. وهو البروتين الذي يمنح العجين قوامه المتماسك. ويعد غذاءً ممتازًا ما لم يكن الشخص يعاني من حساسية الغلوتين أو داء السيلياك، وهو مرض مناعي ذاتي.

وبدون هؤلاء المعالجين المجهريين للطعام، لربما لم تكن الحضارة الإنسانية لتتطور كما نعرفها اليوم. أو ربما كانت لتسلك مسارات أخرى قد تبدو لنا غير جذابة لو أنها أفضت إلى عالم بلا جبن ولا خبز.

أغلى قهوة في العالم

الخمائر والبكتيريا كائنات دقيقة وحيدة الخلية، ولذلك فإن تناول أطعمة سبق أن “هضمتها” هذه الكائنات لا يثير فينا غالبًا أي نفور. لكن الحال مختلف تمامًا مع “كوبي لواك”، أو قهوة الزباد. إنها نوع من القهوة يحضر من حبوب البن التي تأكلها ثم تخرجها زباد النخيل. وهو حيوان ثديي شائع في آسيا. ورغم أن خبراء القهوة لا يعتبرون مذاقها مميزًا، فإنها تعد أغلى قهوة في العالم. حيث قد يصل ثمن الرطل من الحبوب المستخرجة من فضلات الزباد إلى 600 دولار.

وفي الختام لا يسعنا سوى القول بأن وراء كل لقمة جبن معتّق، وكل رغيف خبز هش، وكل ملعقة زبادي باردة، تقف جيوش من الكائنات الدقيقة التي ساعدت الإنسان على تخطي حدود الطبيعة والغريزة. وفتحت له أبوابًا واسعة نحو التنوع الغذائي والثقافي. وربما كان من حق هذه الكائنات، رغم صغر حجمها، أن تُحسب من صانعي الحضارة… أو على الأقل، من نكهاتها التي لا تُنسى.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!