فلسفة

برتراند راسل: الفيلسوف الذي تحدى العالم

هل يمكن أن تتخيل أن رمز التمرد والفكر الحر في القرن العشرين قد يكون لورد إنجليزي أنيق، لا يظهر إلا مرتديًا بذلة رسمية. لم يكن برتراند راسل الحائز على جائزة نوبل مجرد عالم رياضيات أو مؤرخ للفلسفة، بل كان ضميرًا حيًا لعصره، يكتب عن الحب كما يكتب عن المنطق، ويدافع عن حرية الإنسان كما يفكك أساسات المعتقدات الراسخة. وقف راسل بصوت هادئ في زمن مزقته الحروب والتعصب ليتحدى الأنظمة وينتصر للعقل ويدافع عن حركة الفكر والضمير.

فضيحة الحرية

بدأت القصة في عام 1940، عندما اندفع حماة الأخلاق في نيويورك لمنع تعيين برتراند راسل أستاذًا في كلية المدينة بسبب دفاعه عن الحرية الجنسية. وقد رفعت إحدى العائلات دعوى قضائية — وربحتها — زاعمة أن وجود راسل كأستاذ في الجامعة قد يفسد أخلاق ابنتهم. فما كان من حكومة المدينة إلا أن سحبت التمويل المخصص لكرسيّه الأكاديمي.

وقد لخص المدافعون عن راسل موقفهم بما كتبه أينشتاين إلى أحد أساتذة كلية مدينة نيويورك:

لطالما واجهت العقول العظيمة معارضة عنيفة من العقول المتواضعة.

بدايات برتراند راسل الأولى

من هو برتراند راسل؟
سيرة حياة برتراند راسل

ولد برتراند راسل في ويلز عام 1872 لعائلة أرستقراطية ليبرالية من حزب العمال ذات باع طويل في السياسية (كان جده رئيسًا لوزراء الملكة فيكتوريا مرتين). تلقى تعليمه على يد معلمين خصوصيين في منزله حتى التحق بكلية ترينيتي العريقة في كامبريدج، وهناك، وبعد إنهاء دراسته، أصبح أستاذًا.

لمع نجم راسل الرياضي والمنطقي بين عامي 1910 و1913، ليلفت أنظار العالم بمؤلفه الضخم “مبادئ الرياضيات” الذي شارك في تأليفه مع ألفريد نورث وايتهيد. وقد سعى الكاتبان في هذا العمل إلى إثبات أن الرياضيات تستند إلى المنطق الصوري أو نظرية المجموعات. إلا أنهما لم ينجحا في إثبات ذلك؛ فقد عثرا على بديهيات لا يمكن تبريرها فلسفيًا. لكن، في سياق هذه المحاولة، أسّسا عددًا من المفاهيم الفلسفية والرياضية القيّمة، التي سيبني عليها لاحقًا رياضيون مثل كورت غودل وآلان تورينغ.

الفيلسوف الرافض للحرب

كان هذا الإنجاز وحده كافيًا ليضمن لبرتراند راسل مكانًا في تاريخ العلم والفلسفة. غير أن اهتمامات الفيلسوف ذهبت إلى أبعد من ذلك. حيث امتدت إلى مجالات فلسفة العلم، والتفكير النقدي، والسياسة، والإصلاح الاجتماعي، والسلام، والدفاع عن الحرية والعدالة. ومن منطلق اتساقه الأخلاقي، أعلن راسل عن سلميته ورفضه المشاركة في الحرب العالمية الأولى، مما أدى إلى فصله من جامعة كامبريدج عام 1916، ثم إلى دخوله السجن لفترة قصيرة في عام 1918.

ألّف راسل في السنوات التالية سلسلة من الكتب التي تناول فيها مُثله السياسية والتحررية والتشكيكية، دون أن يتخلى عن عمله في الرياضيات. وفي عام 1920، وبعد زيارته للينين في الاتحاد السوفييتي الوليد، ألّف كتاب “البلشفية: النظرية والتطبيق”. حيث عبّر، إلى جانب تعاطفه مع مبادئ الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، عن قلقه من النزعة السلطوية.. وتجاهل البلشفيين لآراء ومشاعر “الرجال والنساء العاديين”.. وعن رفضه للتعصب العقائدي الزائد الذي قضى على حرية المجتمع الذي كانوا يحاولون تشييده.

برتراند راسل والتجارب الفكرية والتربوية

أهم أعمال برتراند راسل
برتراند راسل مع زوجته

أسس راسل مع زوجته الثانية في عام 1927 مدرسة “بيكون هيل” لتوفير تعليم قائم على فكر إنساني، نقدي ومتسائل. يهدف إلى “الانفكاك من أساليب التعليم التقليدية” مع الحفاظ على بهجة ودهشة الطفولة، دون ما يرافقها عادة من قلق ناتج عن التسلط المعتاد. وقد استندت التجربة إلى أساليب تعليمية مثل طريقة ماريا مونتيسوري أو فريدريش فروبل. وقد أثمرت تلك التجربة عن كتابه الصادر عام 1932 “التربية والنظام الاجتماعي”.

الزواج والدين والجنس.. كسر المحرمات باسم العقل

لكن قبل ذلك، وبالتحديد في عام 1929، كتب راسل الكتاب الذي سيجلب له كراهية التيارات المحافظة، وخصوصًا في الولايات المتحدة، وهو كتاب “الزواج والأخلاق”.. قدم راسل فيه دفاعًا حماسيًا عن الحرية الجنسية.. وعن المساواة بين المرأة والرجل في الحياة المشتركة. وقد كان هذا الكتاب السبب الرئيسي في الصعوبات التي واجهها في كلية مدينة نيويورك. ومع ذلك، فقد لعبت أيضًا دورًا واضحًا آراؤه في الدفاع عن الإلحاد العقلاني ونقده للدين، كما ورد في كتابه “الدين والعلم” الصادر عام 1935.

برتراند راسل في مواجهة النازية

أوضح راسل مع صعود النازية أن سلميته لم تكن مطلقة، بل نسبية.. فهي، وإن كانت شرًا، فقد كانت في حالة هتلر الشر الأقل مقارنة بشر آخر أكبر. ومرة أخرى، كانت حرية الإنسان هي شغله الشاغل، إذ كانت مهددة من قبل هذا النوع الآخر من التسلط، ولذلك دعم المجهودات الحربية للحلفاء.

تاريخ الفلسفة الغربية

تاريخ الفلسفة الغربية
كتاب تاريخ الفلسفة الغربية

اختتم برتراند راسل مساره الأكاديمي البحت بأحد أعظم أعماله الفكرية، وهو كتاب “تاريخ الفلسفة الغربية” الصادر عام 1945. وهو الذي لا يزال يعد حتى اليوم من أكثر الأعمال سهولة وجاذبية في تقديم الفلسفة لغير المتخصصين. وكان أيضًا أول الكتب التي حققت له مبيعات ضخمة، مما منحه أخيرًا استقرارًا ماديًا طالما افتقده، رغم مكانته الأرستقراطية، وذلك في سن الثالثة والسبعين.

النضال من أجل الحرية

شهدت السنوات التالية تحوّل راسل إلى أحد القلائل من الفلاسفة الذين عرفهم الجمهور خارج الأوساط الأكاديمية. حيث جعلته آراؤه غير التقليدية والجريئة، إلى جانب حصوله على جائزة نوبل في الأدب عام 1950، شخصية معروفة على نطاق واسع. وكانت مواقفه المناصرة لنزع السلاح النووي، والداعمة للنسوية، والحرية الجنسية، وحرية الفكر، إلى جانب نقده المتوازن لكل من الرأسمالية والشيوعية، وللدين وحرب فيتنام، قد جعلت منه رمزًا ألهم الموجات الثورية التي اجتاحت عقد الستينيات العاصف.

لكن تلك الصفات نفسها جعلته أيضًا شخصية مثيرة للجدل، غير مرحب بها من قبل اليمين واليسار، ومن كلا طرفي الحرب الباردة، ومن المحافظين والمتعصبين على اختلاف ألوانهم. وهكذا، في سن التاسعة والثمانين، سُجن لمدة أسبوع بسبب مشاركته في مظاهرة “حظر القنبلة”..

ورغم أن نشاطه السياسي بدا أحيانًا وكأنه يطغى على إسهامه المعرفي، فإن مرور الزمن ربما أثبت أن هذين الجانبين لم يكونا منفصلين، بل وجهين لعملة واحدة. فحرية الفكر، وحق التساؤل، واستكشاف الواقع بأدوات العلم والعقل، والاقتناع بأن بمقدور الإنسان أن يعرف الكون بدلًا من أن يخشاه في غموض ميتافيزيقي — كلها لا يمكن فصلها عن النضال من أجل الحرية الجوهرية للإنسان.. وحقه في العيش بسلام.. والسعي نحو السعادة.. ومحاولة بناء عالم أكثر عدلًا في وجه لا عقلانية الظلم.

بيان راسل – آينشتاين

في عام 1955، اتحد برتراند راسل وألبرت آينشتاين لمناشدة حكومات العالم بالتخلي عن الحرب كوسيلة لحل النزاعات. وكان ذلك خوفًا من استخدام الأسلحة النووية في أي مواجهة عالمية قادمة. وقد وقّع البيان آلاف العلماء من جميع أنحاء العالم. وكان أساسًا لانعقاد مؤتمر باجواش للعلوم والشؤون الدولية. ولا يزال حتى اليوم يحفز الجهود الدولية لمناهضة الأسلحة النووية — وإن لم يكن ضد الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

لم يكن برتراند راسل مجرد مفكر، بل كان موقفًا أخلاقيًا متجسدًا. رفض أن ينحني للسلطة أو يقيد منطقه بقيود التقاليد. ورأى في الحرية الفكرية حجر الأساس لأي تقدم إنساني. لقد ظل راسل صوتًا نادرًا يذكرنا بأن الشجاعة ليست فقط في مواجهة الدبابات، بل في مواجهة الأفكار الجامدة أيضًا. وبعد مرور عقود على وفاته، لا تزال كلماته تقرع أسماعنا كأنها كُتبت بالأمس: “لا تخف من أن تكون أقلية حين يكون الحق معك”. فهل نملك اليوم الشجاعة ذاتها لنفكر بحرية كما فعل هو؟

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!