قصة مدينة بومبي: كيف تكون الجحيم على الأرض؟

You are currently viewing قصة مدينة بومبي: كيف تكون الجحيم على الأرض؟
قصة مدينة بومبي الإيطالية

مدينة بومبي كانت واحدة من أكثر مدن العصور القديمة سحراً. فتلك المدينة الصغيرة التي تقع على منحدرات بركان فيزوف بجنوب إيطاليا حظت بأوقات مجد عظيمة خلال الإمبراطورية الرومانية. لكن تاريخ المدينة بعيد كل البعد عن كونه أسطورة مجد. بل كانت وستظل دائماً صدى لمأساة تحجرت في الذاكرة التاريخية للإنسانية. فما هي قصة مدينة بومبي؟ وماذا حدث هناك؟

تاريخ مدينة بومبي

لم تكن مدينة بومبي معروفة حتى القرن الثامن عشر، فهذه المدينة الصغيرة غمرها رماد بركان فيزوف بعد ثورانه عام 79 ميلادية ومنذ ذلك الحين وهي مطمورة تحت الأرض. كانت المدينة تحتوي على مرافق عامة وهندسية معمارية تجمع بين الطراز اليوناني والروماني، كما كانت شوارعها تعج بالقنوات والمدرجات والممرات الرائعة. وكان سكانها يحيون حياة رائعة للغاية وهذا ما يبدو جلياً في بقايا مساكنهم التي تتميز بالأفنية الكبيرة والنوافير وغرف الطعام والحمامات.

أما في شوارع مدينة بومبي فكانت تمتلىء بالمخابز ودكاكين الحدادة والمحلات التجارية والحانات والمستشفيات ومصانع الزجاج والمقابر. لكن أهم ما كان يميزها هي بيوت الدعارة المنتشرة في جميع أنحاء المدينة. واللافت للنظر بشكل خاص أن سكانها كانت تمارس طقوس عبادة غريبة خاصة بالجنس، وقد اكتشف علماء الآثار العديد من اللوحات الجدارية والتماثيل والفسيفساء التي تظهر التقنيات وحتى المهارات التي تمتلكها كل عاهرة.

يوضح لنا تاريخ مدينة بومبي أنها كانت مدينة عالمية وملجأ للعديد من النبلاء الرومان الذين كانوا يبحثون عن المتعة في إجازاتهم. ولكن لا تتوقف سمعة هذه المدينة على السياحة فحسب، بل كانت الصناعة والتجارة لا تقل أهمية عن المجال السياحي، حيث كان من الضروري الحفاظ على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​بأكمله محدثاً. لذا فإن هؤلاء النبلاء كانوا يقومون بأعمالهم التجارية ومن ثم يستريحون ليستمعوا بالشمس والبحر، والمناظر الطبيعة الخلابة. لكن يبدو كل ذلك وكأنه كان حلماً رائعاً استيقظ منه سكان مدينة بومبي على كابوس فظيع. فماذا حدث؟ ترتبط المأساة التي حدثت في مدينة بومبي ببركان فيزوف العظيم الذي أهلك كل من كان يعيش في هذه المدينة. دعونا نسافر عبر الزمن إلى الوراء لنتعرف على قصة مدينة بومبي وحكايتها مع البركان العظيم.


ماذا حدث في مدينة بومبي؟

بركان بومبي وعقاب الله
اندلاع بركان فيزوف

تبدأ قصة مدينة بومبي في 20 أغسطس عام 79 ميلادية كان صباح صيفي صافٍ بدأت فيه الأرض تهتز فجأة. وفي تلك اللحظة، تذكر سكان المدينة على الفور ما حدث قبل 16 عاماً، عندما استيقظ بركان فيزوف مرة أخرى، وهدم العديد من مباني المدينة. لكنهم الآن لم يشعروا بالخوف، فلقد اعتاد سكان المدينة على هذه الهزات الأرضية بين الحين والآخر. فبركان جبل فيزوف كان يطلق تحذيرات دوماً للتهديد ولكنه لم يكن ينفذ تهديداته أبداً. ومرت الأيام بهدوء ولم يحدث شيئاً.

وفي يوم 24 مايو من العام نفسه كان فجر الصباح صامتاً والهدوء يعم المدينة بأكملها. لكن لم يكن أهل بومبي على علم بأن هذا اليوم سيتغير فيه تاريخ مدينتهم إلى الأبد. ففي ذلك الصباح لم تعد الطيور تشدو بأغانيها، ولا صوت يعلو فوق نباح الكلاب وصهيل الخيول الهاربة من إسطبلاتها. وفجأة صرخت السماء صرخة مدوية أيقظت سكان المدينة الهادئة. كان صوت الرعد آتياً من أحشاء جبل فيزوف الغاضب. وقبل أن يدرك سكان المدينة ما يحدث كانت ألسنة النيران والرماد والحجارة فوق رؤوسهم في الشوارع والمنازل.

لم يستوعب سكان المدينة ما يحدث، وفجأة غطت السحب المدينة لتبدو وكأنها في ظلام الليل. لكن أسوأ ما في الأمر أن الحجارة المنصهرة وقذائف اللهب القادمة من البركان كانت تسقط على رؤوس الذين كانوا في الشوارع فتحولهم في التو واللحظة إلى تماثيل لا حياة فيها. عندما شاهد الناس ما يحدث ركض البعض منهم تجاه الميناء للفرار من هذه الجحيم عبر القوارب. لكن البعض الآخر رفض أن يترك ممتلكاته وقرروا البقاء في منازل في انتظار انتهاء كل شيء.

هؤلاء الذين قرروا المكوث في منازلهم والاحتماء بها من ألسنة اللهب كانوا يعتقدون أنهم في منأى عما يحدث بالخارج وأن الأمر سينتهي، لكن لم يدركوا أن ثوران البراكين لن يصمت إلا بعد أن يحمل معه أرواح الجميع. لقد مات الجميع مختنفين ودفنوا أحياء في منازلهم. كان عدد سكان مدينة بومبي في ذلك الوقت يقدر بحوالي 15000 نسمة، لكن علماء الآثار عثروا على 2000 جثة فقط، والتي لا تزال متحجرة تحت الرماد حتى يومنا الحالي. وبمعنى أخر يمكننا القول بأنه تم طهي هؤلاء الأشخاص وهم أحياء. وسرعان ما دفنت المدينة بأكملها تحت رماد هذا البركان.

اقرأ أيضًا: أطلانتس المفقودة: قصة اختفاء قارة في ظروف غامضة!

شهادة الناجي الوحيد

قصة مدينة بومبي واحدة من المآسي العظيمة في التاريخ. لكن لم يعرف عن قصة مدينة بومبي خلال هذه المأساة إلا خلال القرن الثامن عشر وذلك من خلال شهادة الناجي الوحيد من هذه المحرقة وهو بلينيوس الأصغر الذي ترك وراءه العديد من الرسائل يشرح فيها ما حدث في 24 مايو عام 79 ميلادية. يقول بلينيوس الأصغر في رسائله:

“عندما بدأنا نهرب أدركتنا ظلمة قاحلة، لكنها لم تكن مثل ليلة غائمة غاب فيها القمر، بل مثل انطفاء مصباح الإضاءة في غرفة مغلقة. وفي تلك اللحظات تطرق إلى سمعنا أنين النساء، وبكاء الأطفال، وصراخ الرجال. كان بعضهم يبحث عن والديه، والبعض الآخر يبحث عن الأطفال والزوجات. لقد تعرفوا على بعضهم البعض من خلال أصواتهم. كان الموت يحوم حول الجميع. ورفعوا أياديهم إلى السماء في تضرع لكي ينجو من هذه الجحيم. لكن معظمهم اعتقدوا أنه لم يعد هناك آلهة، وأن الظلام قد حل على العالم إلى الأبد”.


لماذا تحجرت أجساد سكان مدينة بومبي؟

مدينة بومبي الملعونة
الأجساد المتحجرة لأهل مدينة بومبي

مازال العديد من العلماء في الوقت الحاضر يبحثون وراء السبب الذي جعل أجساد هؤلاء البشر تتحجر. وهذا بكل تأكيد يعود إلى نمط الموت بهذه الطريقة المروعة. يشير بعض العلماء إلى أن نمط الموت بالسائد في تاريخ مدينة بومبي هو النزيف الناجم عن الحرارة، وزيادة الضغط، وتحطم الجمجمة.

كانت عظام الضحايا مشربة بمسحوق أسود ضارب إلى الحمرة مكون من أكسيد الحديد، هذا على الرغم من الجثث لم تكن متصلة بأجسام معدنية. إذن من أين أتت هذه المواد؟ على ما يبدو، كان هذا نتاج التدهور الحراري للبروتين الدموي لضحايا الانفجار، أي دمائهم. هذا إلى جانب طبقة الحجر التي تشكلت من رماد فيزوف، وهو ما سمح بالحفاظ النادر على الجثث، أو ما يطلق عليها مومياوات بومبي الشهيرة.

اقرأ أيضًا: كشف ألغاز بناء قلعة المرجان الغامضة

بومبي اليوم

إن تاريخ مدينة بومبي المأسوي يقبع خلف شوارعها في يومنا الحالي. لقد توقفت المدينة عن الحياة منذ ألفي عام، لكنها اليوم تمثل أهم موقع أثري للحضارة الرومانية. وعلى الرغم من وجود العديد من الاكتشافات التي تم العثور عليها بين أنقاضها، إلا أنها تظل جنة حقيقية للباحثين وعلماء الآثار. لذا فالاكتشافات لا تزال جارية في بومبي، حيث تبرز المباني المهيبة واللوحات الرائعة وتكشف عن بيانات حول تاريخ المدينة ونهايتها المأساوية.


هل سكان مدينة بومبي هم قوم لوط؟

يربط الكثير من الناس بين قصة مدينة بومبي وقصة قوم لوط الذين ارتكبوا الفاحشة فعاقبهم الله أشد العقاب. ولقد ذكرت التوراة قصة النبي لوط وكيف كان عاقبهم نتيجة ارتكابهم الفاحشة. وفي التوارة ذكرت أسماء مدينتي قوم لوط وهما سدوم وعمورة، وتقع المدينتان في منطقة البحر الميت بالأردن. وكان أهل هاتين المدينتين على عهد النبي إبراهيم عليه السلام. أي أن عقاب قوم لوط كان منذ أمد بعيد قبل ميلاد المسيح. لذا فإن من غير المؤكد أن يكون أهل مدينة بومبي هم قوم لوط. وذلك للكثير من الأسباب التي يمكن استعراض البعض منها.

أولاً: لأن الموقع الجغرافي مختلف تماماً بين الحادثتين. فحادثة قوم لوط وقعت في منطقة البحر الميت في حين أن حادثة مدينة بومبي وقعت في إيطاليا. أما الأمر الثاني يكمن في التاريخ نفسه. فلقد وقعت حادثة قوم لوط قبل فترة طويلة جداً من ميلاد المسيح، فهو ابن أخو النبي إبراهيم أي إنه عاش في زمنه. وقد أشار المؤرخون إلى أن حادثة مدينة بومبي وقعت في عام 79 ميلادية. لذا فمن المستحيل أن تكون مدينة بومبي هي مدينة قوم لوط. لكن ما الذي دعا البعض إلى هذا الاعتقاد؟

اقرأ أيضًا: كشف النقاب عن أسرار جيش الطين العظيم

لماذا يعتقد البعض أن مدينة بومبي هي مدينة قوم لوط؟

اعتقد البعض أن مدينة بومبي هي مدينة قوم لوط لأن عقاب قوم لوط كما ذكر في القرآن يتشابه بصورة أو بأخرى مع ما حدث في مدينة بومبي من سقوط الحجارة البركانية والحمم فوق رؤوس السكان. يقول الله تعالى في قرآنه الكريم: “فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها، وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود[1]“. ومن هنا جاء التشابه.

الأمر الأخر هو اكتشاف علماء الآثار العديد من اللوحات الجدارية والتماثيل والفسيفساء التي تظهر أن البعض كان يمارس طقوساً دينية معينة تتعلق بممارسة الجنس. كما أن المكتشفات الأثرية أثبتت وجود العديد من بيوت الدعارة في مدينة بومبي. لكن هذه البيوت كانت موجودة بصورة طبيعية في أغلبية مدن الإمبراطورية الرومانية، ولم يحدث في هذه المدن مثلما حدث في مدينة بومبي. لذا لا علاقة مطلقاً بين قوم لوط وبين أهل بومبي.


في الختام لابد من الإشارة إلى أن ما حدث في مدينة بومبي لا نعلم عنه الكثير، ومازالت الدراسات والأبحاث تسير على قدم وساق للكشف على ألغاز قصة هذه المدينة التي اختفت فجأة من الأرض لقرابة الألفي عام. وربما تكشف الدراسات عن أمور أخرى لم نكن نعرفها. 

هوامش

[1] القرآن الكريم – سورة هود – الآية 82.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك