الكسل العقلي: بلادة الذهن في زمن التكنولوجيا
نعيش في عصر غريب تُدوّنه الأصابع الذكية وتفكر فيه الخوارزميات بالنيابة عن العقول، لم يعد السؤال: “إلى أين نمضي؟” بل: “كم منّا لا يزال يمضي حقًا؟”.. إننا أمام أزمة صامتة، لا تصرخ ولا تنزف، لكنها تنهش أعمق ما في الإنسان: عقله. يتسلل الكسل العقلي إلى الوعي المعاصر كما يتسلل الغبار إلى زاوية مهجورة. نحيا في زمن لا تُقرأ فيه الكتب.. ولا تحفظ فيه الأرقام.. ولا يمارس فيه التفكير إلا كترف نادر. هذا النص تأمل صادق في تلك الظاهرة المتفاقمة: بلادة الذهن في زمن الحوسبة، وكسل العقل وسط وعود الراحة الفاخرة.
حين تستقيل العقول من مهامها
يحدث هذا الأمر منذ فترة طويلة. ربما لم يكن الكسل العقلي مشكلة فيما مضى، لكنه اليوم أصبح كذلك بلا شك. أعني بالكسل العقلي ذلك العجز عن تشغيل القدرات العقلية في المهام اليومية. أعتقد أن جزءً من اللوم يقع على التشبّع التكنولوجي. حيث إننا أصبحنا نفوض للآلات والبرمجيات مهام الحساب، والكتابة، والبحث عن المعلومات، وتحديد الموقع الجغرافي عبر نظام الجي بي إس، في حين كنا نحتاج سابقًا إلى خريطة أو دليل سفر للوصول إلى مكان ما، وكان علينا أن نعمل حيلنا أثناء التنقل بالسيارة في أماكن مجهولة.
كل تلك المهام كانت تشكل حافزًا لتطوير آليات التفكير، والتعقل، والذاكرة. وأعتقد أن هذه القدرات الذهنية لم تعد تُستثمر بما يكفي على الصعيد الاجتماعي، بسبب التشبّع الرقمي، على وجه الخصوص. لا شك أن التقدم التكنولوجي لا ينقص من قيمة إنجازاته؛ لكن في المقابل، كلما تطورت تكنولوجيا المعلومات والاتصال، أصبحت ملكاتنا العقلية تترهل بطريقة لا مفر منها.
الفجوة الرقمية.. لا تقاس بالسن وحده

تلعب الفجوة الرقمية دورًا في ذلك أيضًا. فجزء من السكان، ممن تجاوزوا الخامسة والأربعين مثلًا، يعترفون بأن لديهم صعوبة في التعامل مع الحواسيب أو الهواتف الذكية، بل وحتى في إجراء عمليات السحب من الصراف الآلي أو التسوق عبر الإنترنت. ومع ذلك، فإن هذه الفئة غالبًا ما تستخدم العمليات الذهنية بصورة أكثر نفعية في معالجة المهام اليومية. ربما لأنهم ينتمون إلى جيل “المدرسة القديمة”، حين كان كل شيء يحل بطريقة أكثر بدائية، وكان الإنسان يختبر قدراته الفكرية.
أما اليوم، فالعقل البشري في تراجع. وإذا قارنا قدراتنا العقلية بأسلافنا، فسنلاحظ أننا أصبحنا أكثر غباءً، وأقل فهمًا، ومحدودي التفكير، وعاجزين عن استيعاب الواقع خارج منظورنا الأخلاقي الخاص. نحن نتبلد، بلا شك. وبشكل كبير.
مجتمع يغرق في حماقته
لكنني لا يمكننا إلقاء اللوم على التكنولوجيا فحسب، بل إلى حالة الراحة الاجتماعية التي نحياها. لقد علقنا في حلقة مفرغة اسمها “الراحة”. فمجتمع الاستهلاك، واقتصاد السوق، والصور النمطية التي تفرضها الموضة، إلى جانب فلسفة الحياة الطيبة (أريد كل شيء وأستطيع كل شيء، لأنني أستحق كل شيء…) كلها عوامل تجعلنا نعيش حياة سريعة، ومصطنعة، وسطحية، وقليلة المعنى، وأحيانًا غير إنسانية، خصوصًا حينما تنعكس علينا صورة مجتمع بات يغرق في حماقته.
في هذا السياق، تكتسب منظومة القيم والأخلاق الشخصية التي نمارسها أهمية خاصة.. أولًا لتحديد الطريق الذي نريد أن نسلكه نحو مشروع مستقبلي.. وثانيًا، من خلال العقل. أعني هنا المفهوم الذي ظهر في اليونان القديمة عن التفكير كوسيلة لطلب الحكمة، وفهم الأمور، وتأملها، والحكم عليها نقدًا، من أجل التصرف بعدالة.
الإنسان الذي نسي نفسه
ومع ذلك، فإن مجتمعنا، المخدّر بملذات الراحة، يمزّق فكرة “اللوح الفارغ” التي تحدث عنها أرسطو. تلك القدرة على الولادة بعقل خالٍ واكتساب المعرفة من خلال التجربة. أي: التجريبية. وإن كان من الصحيح أن كانط قد ثار على هذه الفكرة في نقد العقل المحض، مؤكدًا أن المعرفة لا تأتي كلها من التجربة. ولكن، سواء بهذا الرأي أو ذاك، فإن الأمر يستلزم تمرينًا ذهنيًا يصاحبه، بطبيعة الحال، تمرين فكري.
بخلاف الحيوانات الأخرى، فإن الإنسان، الموهوب بالعقل والفكر، أصبح يعيش حياته وكأنه آلة.. يعتنق المعتقدات والأفكار دون أن يراجعها.. ويقلد أنماط السلوك بلا وعي.. ويتحرك في حياته اليومية بشكل آلي إلى درجة أنه يعجز أحيانًا عن السيطرة على روتينه الخاص. الواقع هو ما يحدد قيمة الأفعال وأثرها، وفي هذا تلعب الأخلاق، ولكن قبل ذلك، يلعب العقل البشري دورًا حاسمًا.
الذاكرة.. الضحية الأولى للكسل العقلي

العقل يشمل القدرات التالية: القدرة على التفكير المنطقي، حلّ المشكلات المعقدة، التفكير المجرد، وفهم الأفكار المركبة. كما أن الذاكرة أيضًا إحدى ملكات الفكر. واليوم، ألاحظ أن المجتمع، إلى حد بعيد، يستخف بالجهد العقلي، الذي هو في جوهره جهد في التفكير والتعقّل، كأُسس داخلية لعقل الإنسان. ومثال واضح على الكسل الذهني هو عدم تدريب الذاكرة. فكثير من الشباب — بل وحتى غير الشباب — يعترفون بوجود مشكلات في الذاكرة، وصعوبات في تذكّر أحداث الحياة اليومية والتجارب الحديثة، كما يحدث أيضًا حين يتعلق الأمر بمعلومات شخصية (رقم الهوية، أرقام الهواتف، الأماكن التي زاروها، العناوين، إلخ).
أما كبار السن — إذا اعتبرنا السبعين عامًا معيارًا — فالكثير منهم يواجهون صعوبات في تذكر الأمور اليومية ويعانون من فقدان المرونة الذهنية، لا بسبب السن، بل بسبب الإهمال. الكثير من هؤلاء يقضون ساعات طويلة أمام التلفاز، وهو ما يؤدي بدوره إلى ضمور في الروابط العصبية والتفكير المجرد. وهذه ظاهرة آخذة في التوسع، لأن جزءً كبيرًا من المجتمع لا يقوم بتمرين ذاكرته أو تركيزه أو ملكاته الفكرية.
الانهيار التدريجي للعقل
يميل المجتمع دائمًا إلى البحث عن الراحة، والراحة تؤدي إلى الكسل الجسدي والعقلي. ولهذا أعتقد أن الكسل العقلي أصبح آفة ستكلّفنا الكثير كنوع بشري على المدى المتوسط. فعندما أتكلم عن الكسل العقل، أقصد الإهمال، والتراخي، وتدهور الفكر. هناك أناس يجدون صعوبة كبيرة في التفكير بأنفسهم، بل — والمفارقة — في مجرد التفكير. أولئك الذين لا يقدّرون العقل. فبفضل العقل تطورت الحضارة الإنسانية، وهو ما ساعد على نشأة النزعة الإنسانية، والفن، والفلسفة، وتفكيك الأيديولوجيات الأكثر فتكًا التي اعتدت — ولا تزال تعتدي — على الحقوق الأساسية والحريات المدنية.
دعونا نحاول امتلاك عقلًا نشطًا، مدرّب، متّقد، ناقد.. عقل يدرك ما يحدث من حوله. ولحسن الحظ، تتيح لنا هذه الحقبة أدوات متعددة لتحفيز قدراتنا العقلية، مثل القراءة، ولعبة الشطرنج، والكلمات المتقاطعة، وتمارين الذاكرة، إلخ. وهذه مجرد أمثلة. لذا، من المهم ألا نجعل من العقل أداة خاملة، كسولة أو متيبّسة، دون أن ندرّبها على مرّ الزمن، وخصوصًا مع التقدّم في السن، لأن علاقتنا بالحياة تعتمد على ذلك.
ليست القضية في الهواتف الذكية، ولا في الإنترنت، ولا في الراحة الموعودة، بل فينا نحن، حين رضينا أن نعيش دون تفكير، وأن نُعفي ذواتنا من مشقة التأمل. الإنسان لا يقاس بما يستهلك، بل بما يُفكر، وما يُبدع، وما يزرعه في تراب الزمن من أثر. ولأن العقل هو ميراث الإنسان الأصيل، فإن تركه يصدأ جريمة لا تُرى، لكنها تُورّث أجيالًا لا تجيد سوى الحياة على الهامش. فلنقاوم، إذن، لا بالتقوقع، بل بالعودة إلى فعل التفكير… ذاك الفعل الأول الذي به خُلقنا، وبه ننجو.













