كوكب زحل: رحلة اكتشاف مفاتيح أسرار الحياة
حين نظر جاليليو من تلسكوبه البسيط نحو كوكب زحل، لم يكن يدري أن ما بدا له ظاهرة غريبة سيقود البشرية لاحقًا إلى واحدة من أعظم المغامرات العلمية في التاريخ. يخفي هذا العملاق الغازي، المحاط بحلقات مدهشة، في مداره مجموعة من العوالم الصغيرة التي قد تحمل مفاتيح أسرار الحياة. حيث تتجلى على هذا الكوكب ملامح كون مفعم بالغموض والتساؤل… ولا يزال كوكب زحل، ذلك العضو البارز في نظامنا الشمسي والمشهور بلقبه ‘سيد الخواتم’، يكشف لنا هو وأقماره المتعددة عن مفاجآت متتالية. فهل نكون على أعتاب اكتشاف الحياة خارج الأرض؟
أعجوبة غريبة جدًا
وجه جاليليو جاليلي في عام 1610 تلسكوبه البسيط نحو كوكب زحل.. أحد الكواكب “الكلاسيكية” الخمسة، التي سميت كذلك لأنها مرئية بالعين المجردة، وبالتالي كانت معروفة لدى جميع الثقافات منذ عصور ما قبل التاريخ، إلى جانب المريخ وعطارد والمشتري والزهرة. وكان الفلكي الإيطالي قد زلزل بالفعل أسس علم الكونيات في عصر النهضة باكتشافه لأقمار كوكب المشتري.. وها هو ثاني أكبر كوكب في النظام الشمسي يقدم له مفاجآت جديدة.
في شهر يوليو من ذلك العام، كتب بحماسة إلى حاكمه كوزيمو الثاني دي ميديشي ليخبره عن أعجوبة غريبة جدًا. وطلب منه أن يبقيها سرًا حتى ينشر الفلكي عمله. وصف جاليليو ما رآه بالتلسكوب قائلًا إن “نجم زحل ليس نجمًا واحدًا، بل ثلاثة نجوم مصطفة على امتداد دائرة البروج، تكاد تلامس بعضها البعض، ولا تتحرك بالنسبة لبعضها”. وأوضح أن “النجم الأوسط” بدا أكبر بثلاث مرات من النجمين الآخرين على جانبيه.
كان جاليليو في الواقع يواجه لأول مرة الحلقات الشهيرة لكوكب زحل. لكن تلسكوبه البسيط لم يكن يملك القدرة البصرية الكافية لتمييزها بوضوح. فبدت له الحلقات وكأنها جسمان صغيران يلتصقان بجانبي الكوكب، مما جعله يظن أنه يراقب نظامًا ثلاثيًا من “نجوم” أو “أقمار” ملاصقة لزحل. لم يدرك أحد في تلك المرحلة أن زحل يملك أروع نظام حلقات في النظام الشمسي. سيكشف جماله الحقيقي بعد عقود مع تحسن التلسكوبات. ثم يدرس بتفصيل مذهل بعد قرون بفضل المركبات الفضائية مثل “كاسيني”.
لغز حلقات كوكب زحل التي اختفت وظهرت
لقد وقع جاليليو جاليلي ضحية حدود التقنية في عصره؛ فالتلسكوب الذي صنعه، رغم ثوريته، كان محدود القدرة مقارنة بأدوات الرصد الحديثة. وعندما وجه عدساته نحو كوكب زحل، ظهر له أن الكوكب محاط بجسمين صغيرين على جانبيه، يشبهان “أذنين” أو “مقبضين” ملتصقين به. اعتقد جاليليو أن ما يراه ربما كان قمرين غريبين ملاصقين للكوكب.
لكن الموقف ازداد غرابة بعد عامين فقط؛ إذ لاحظ جاليليو أن هذين “القمرين” قد اختفيا تمامًا. ثم بعد عامين آخرين ظهرا من جديد. وقد حير هذا التغير الدوري الفلكيين. حيث بدا وكأن كوكب زحل يتلاعب بأقمار وهمية تختفي وتعود دون تفسير.
لم يُحل هذا اللغز إلا بعد نصف قرن تقريبًا، حين تمكن الفلكي الهولندي كريستيان هوغنس في عام 1659 من تقديم التفسير الصحيح. فقد استخدم تلسكوبًا أكثر تطورًا. ونجح في إدراك أن ما يحيط بزحل ليس أقمارًا على الإطلاق، بل حلقات رقيقة ومسطحة تدور حوله. وأوضح أن هذه الحلقات، عند ميلانها بالنسبة إلى الأرض، قد تبدو وكأنها تختفي كليًا عن الأنظار، ثم تعود لتظهر مجددًا مع تغيّر زاوية الرؤية. لقد كان هذا كشفًا بالغ الأهمية، نقل زحل من مجرد “كوكب غريب الشكل” إلى رمز سماوي فريد يثير الدهشة والخيال.
ومع التقدم في علم الفلك، اكتشفنا أن الحلقات ليست حكرًا على زحل؛ فكواكب المشتري وأورانوس ونبتون تملك بدورها أنظمة حلقية خاصة بها. غير أن حلقات زحل تظل الأكثر إثارة ووضوحًا وجمالًا. حيث يمكن رؤيتها حتى بتلسكوبات بسيطة نسبيًا من فوق سطح الأرض. وهي لا تعد ميزة بصرية فحسب، بل واحدة من أكثر السمات المميزة التي تجعل من زحل كوكبًا متفردًا في النظام الشمسي. لا يشبه أي جرم آخر في روعة مظهره وتعقيد بنيته.
ماذا نعرف عن كوكب زحل؟
يعد زحل الكوكب الأكثر تفلطحًا بين جميع الكواكب. وعلى الرغم من أن ما يسمى بالكواكب الغازية العملاقة كلها مفلطحة عند القطبين، إلا أن زحل يتمتع بأكبر فرق بين قطره الاستوائي وقطره من القطب إلى القطب، وهو ما يعادل حوالي 10%. ويعزى هذا إلى القوى الهائلة العاملة في داخله. حيث يتكون بشكل رئيسي من الغازات ونواة صخرية، إضافة إلى سرعة دورانه الكبيرة، إذ إن “يومه” — أي الوقت الذي يستغرقه في الدوران حول محوره — لا يتجاوز عشر ساعات ونصف. وفي المقابل، يبلغ طول “سنة زحل” — أي الوقت الذي يستغرقه في إكمال دورة كاملة حول الشمس — حوالي ثلاثين سنة أرضية.
وهو أيضًا الكوكب الأقل كثافة من بين جميع الكواكب، بل هو الكوكب الوحيد الذي تقل كثافته عن كثافة الماء، مما يعني أنه لو وضع زحل في حوض عملاق من الماء، فإنه سيطفو على السطح.
يدور حول زحل عدد هائل من الأقمار. فقد اكتشف العلماء أن له أكثر من 60 قمرًا، 53 منها سميت بالفعل. وهو عدد لا يتجاوزه سوى عدد أقمار المشتري البالغ 66. ومع ذلك، تبقى مسألة تحديد من يمتلك عددًا أكبر من الأقمار مسألة تعريفية: متى يعتبر الجسم المدار قمرًا؟ إذ إن حلقات زحل، في نهاية المطاف، مكونة من عدد لا يحصى من قطع الجليد والصخور المغطاة بالجليد، التي يتراوح حجمها من بضع سنتيمترات إلى عدة أمتار. وربما توجد قطع يصل محيطها إلى عدة كيلومترات. وإذا اعتبرت كل هذه الأقمار أقمارًا فعلية، فإن زحل يكون بلا منازع بطل الأقمار في النظام الشمسي.
تيتان.. القمر الذي يشبه الأرض
كان كريستيان هويغنس، الباحث الكبير في شؤون زحل، هو من اكتشف في عام 1655 أكبر أقمار زحل، تيتان. ويعد تيتان ثاني أكبر قمر في النظام الشمسي بعد غانيميد، قمر المشتري. ويبلغ حجم تيتان 1.48 مرة حجم قمر الأرض. ويتميز بخصوصية مدهشة: فهو القمر الوحيد في النظام الشمسي الذي يمتلك غلافًا جويًا حقيقيًا، وليس مجرد طبقة رقيقة من الغاز تحيط به.
هذا الغلاف الجوي غني بالنيتروجين، مما يجعله شبيهًا بغلاف كوكب الأرض. في الواقع، عندما وصلت أوائل المركبات الفضائية البشرية إلى زحل — فوياجر 1 و2 في عامي 1980 و1981 — اكتشفت أن الغلاف الجوي لتيتان أكثر كثافة من الغلاف الجوي للأرض؛ إذ يبلغ الضغط الجوي على سطحه 1.45 من الضغط الجوي الأرضي. وهو نفس الضغط الذي يتعرض له الغواص على عمق 5 أمتار تحت سطح البحر.
يمتاز الغلاف الجوي لقمر تيتان أيضًا بضباب برتقالي اللون يمنع الرؤية المباشرة لسطحه. وهو ما لم نتمكن من مشاهدته إلا في عام 2005، عندما أطلقت المركبة المناسبة التي سميت «هويجنز» نحو تيتان ضمن مهمة «كاسيني». وعلى سطحه، توجد بحار مكونة ليس من الماء، بل من الميثان والإيثان. وهما من الهيدروكربونات التي تعد من مكونات الغاز الطبيعي على الأرض. هذه الخصائص، إلى جانب وجود جزيئات عضوية مكونة من الكربون والهيدروجين والأوكسجين، تدفع العلماء للاعتقاد بأن تيتان يمتلك ظروفًا شبيهة بتلك التي كانت موجودة على الأرض في بدايات نشأتها. وهي ظروف قد تفضي إلى نشوء الحياة.
الماء والمطر في الفضاء
لا يعد تيتان، أكبر أقمار زحل، وحده جديرًا بالاهتمام، فعالم زحل حافل بالأسرار. فقد كشفت مهمة كاسيني، التي استمرت في استكشاف الكوكب ذي الحلقات وأقماره لسنوات طويلة، عن مفاجآت علمية مذهلة في بيئة هذا العملاق الغازي. ومن أبرز هذه الاكتشافات ما وجد على سطح القمر الجليدي إنسيلادوس، أحد أصغر أقمار زحل وأكثرها غرابة.
فقد رصدت كاسيني نوافير ضخمة من المياه تنفجر من شقوق قرب القطب الجنوبي لإنسيلادوس. وتقذف جزيئات من الماء والجليد إلى الفضاء. ويعود جزء من هذا الماء المتطاير ليسقط مرة أخرى على سطح القمر على هيئة مطر جليدي. بينما ينجرف جزء آخر ليندمج مع حلقات زحل، مساهمًا في تغذيتها وإثراء بنيتها.
المثير للدهشة أن هذا الماء لا يوجد في صورة جليد متجمد فقط، بل أيضًا في حالة سائلة في محيط جوفي تحت طبقة الجليد السطحية. ويعتقد أن هذه المياه السائلة تبقى كذلك بفضل الطاقة الحرارية الداخلية للقمر، الناتجة عن قوى المد والجزر الجاذبية بين إنسيلادوس وزحل. تمنع هذه الحرارة المحيط الداخلي من التجمد الكامل. وتسمح بوجود بيئة نشطة تحت السطح.
إضافة إلى ذلك، يتمتع إنسيلادوس بغلاف جوي رقيق يتكون أساسًا من بخار الماء وجزيئات أخرى، مما يفتح باب التساؤلات الكبرى حوله: هل يمكن أن يحتوي هذا المحيط الجوفي على مكونات الحياة؟ فالماء السائل، مع مصدر للطاقة وبعض المركبات الكيميائية الأساسية، يعد من أهم الشروط التي يبحث عنها العلماء عند دراسة إمكانية وجود حياة خارج الأرض. ولهذا أصبح إنسيلادوس أحد أكثر الأهداف إثارة للاهتمام في أبحاث علم الأحياء الفلكي، وربما يحمل مفتاحًا للإجابة عن سؤال لطالما حير البشر: هل نحن وحدنا في الكون؟
هل نحن وحدنا في هذا الكون؟
يعد كل من إنسيلادوس وتيتان من أفضل المرشحين في نظامنا الشمسي، إلى جانب كوكب المريخ، للعثور فيهما على أول شكل أسطوري للحياة خارج الأرض، حتى لو كان غريبًا أو بسيطًا أو بدائيًا. أو على الأقل، هذا ما يأمله بعض العلماء. وقد عززت هذه الفرضية اكتشافات حديثة على الأرض لكائنات تعرف بـ أليف الظروف القاسية (Extremophile). وهي كائنات قادرة على البقاء في ظروف شديدة القسوة، الأمر الذي يدعم هذه التكهنات.
وبالإضافة إلى هذين القمرين، هناك أقمار أخرى مثل «ريا» تستحق الاهتمام، نظرًا لتكونها من جليد الماء.. ووجود فوهات على سطحها، وحتى بسبب أصلها وتأثيرها على زحل. أما مهمة كاسيني، التي انطلقت في عام 2005، فلا تزال حتى اليوم تدرس زحل ومحيطه، بل وتجري أيضًا عمليات تصوير غير مسبوقة للأرض من أعماق الفضاء. بينما الزائرون السابقون للكوكب، أي مسبارا فوياجر، فهما الآن يواصلان رحلتهما خارج النظام الشمسي.
ما بين حلقات زحل المتلألئة وأقماره المتنوعة، يكشف الكون عن جانب شاعري وعلمي في آنٍ واحد. لقد مضت المركبة كاسيني، كما فعلت فوياجر من قبلها، في مهمة لاكتشاف أسرار هذا الكوكب الفريد، وإذا كانت بعض أقمار زحل تحتفظ في أعماقها بمحيطات سرية أو بجزيئات الحياة الأولى، فإن السؤال الكبير لم يعد إن كنا وحدنا… بل متى سنكتشف أننا لسنا كذلك.