مائة عام من العزلة: رواية تقلب الواقع رأساً على عقب

مائة عام من العزلة: رواية تقلب الواقع رأساً على عقب
رواية مائة عام من العزلة

مائة عام من العزلة تحفة غابرييل غارسيا ماركيز التي لا زال صداها يجوب في أرجاء العالم، بما تحمله في طياتها من الواقعية السحرية التي تطمس بذكاء الحدود بين ما هو حقيقي وما هو سحري. تقدم هذه الرواية السياسة والتاريخ وأنواع أخرى من الحقائق والأفكار حول الشعور بالوحدة ومرور الوقت. كما أنها تعد تعليقاً لاذعاً على شرور الحرب، وتقديراً دافئاً للروابط العائلية.

حكايات في عالم الكاتب

هناك العديد من الحكايات التي رويت ليست داخل عالم الراوية فحسب بل خارجها. تلك الحكايات التي تمس الصعوبات التي واجهت هذا الكاتب الكولومبي الذي حصل على جائزة نوبل عام 1982. لقد تحدث غابرييل غارسيا ماركيز عن كيفية وصول المخطوطة الأولية إلى مدينة بوينس آيرس قائلاً:

“ذهبت أنا ومرسيدس (زوجته) إلى مكتب البريد من أجل إرسال المخطوطة النهائية من رواية مائة عام من العزلة إلى بوينس آيرس. حيث كان من المفترض أن يتم إرسال هذا الطرد الثقيل إلى فرانسيسكو بوروا، المدير الأدبي لـدار سودا أمريكانا. في ذلك الوقت قام موظف مكتب البريد بوضع الطرد على الميزان. وقام ببعض العمليات الحسابية ثم قال: 82 بيزو. أحصت مرسيدس العملات المعدنية داخل حافظتها ثم أعلنت: “لدينا 53 فقط. من هنا اتخذنا قرار فتح الطرد وتقسيمه إلى قسمين متساويين. ثم قمنا بإرسال جزء منهما. لكن بعد لحظات قليلة اكتشفنا أننا لم نرسل الجزء الأول، بل أرسلنا النهاية.”

يزعم البعض أن هذه الرواية الهائلة كانت محاولة للتعبير عن كل ما أثر على غارسيا ماركيز طوال طفولته. وقد أطلقت عليها صحيفة النيويورك تايمز اسم سفر التكوين. وهي أعظم عمل أدبي باللغة الإسبانية منذ دون كيشوت.

 هذا العمل الفريد ​​من نوعه كتبه غارسيا ماركيز في عام حافل بالحيوية في المكسيك. ويُفترض أنه كان يدخن 60 سيجارة يومياً داخل عزلته. بينما يعتمد على زوجته في ضروريات الحياة. وبعد أكثر من سنة خرج غابرييل جارسيا ماركيز من عزلته حاملاً معه واحدة من أروع ما كتب في العصر الحديث. إنها رواية تزخر بالتفاصيل فلا يوجد بها سطر واحد لا يفيض بالتفاصيل، وبداخل حكاياتها يحدث كل شيء يمكن تصوره وما لا يمكن تصوره في وقت واحد.

تقدر مبيعات رواية مائة عام من العزلة بحوالي 50 مليون في جميع أنحاء العالم. مما يضعها في مصاف الكتب الأكثر مبيعاً على مستوى العالم. كما نشرت في حوالي 44 لغة على الأقل.

اقرأ أيضاً: أفضل 10 روايات من تأليف باولو كويلو يجب أن تقرأها


مراجعة مائة عام من العزلة

غابرييل غارسيا ماركيز
غابرييل غارسيا ماركيز الحائز على جائزة نوبل في الأدب 1982

ربما ما يمكن قوله عن هذا العمل هو أنه تناول شيئاً حيوياً عن التجربة التاريخية لملايين البشر. ليس فقط في أمريكا الجنوبية، ولكن أيضاً في جميع الأراضي المستعمرة الأخرى. فمن الجلي أن مائة عام من العزلة لا تقل أهمية عن أعمال هوميروس وفيرجيل التي تتناول التاريخ عبر سرد الأساطير وقصص الملاحم وأبطال.

يشبه هذا العمل الخالد لماركيز هذه الأعمال فهو يتحدث عن تاريخ أيضاً لكنه ليس تاريخاً لأساطير وملاحم أسطورية، بل تاريخاً من لحم ودم، من شخصيات تحاول أن تدور في أروقة العالم رغم عزلتها.

القصة التي يرويها غارسيا ماركيز ليست بطولية مثل ملاحم فيرجيل وهوميروس. بل هي قصة خيبة أمل لقارة تدور في حلقة دائرية وهي تحاول جاهدة أن تجد لصوتها صدى في التاريخ. إنها واحدة من الروايات المثالية التي تحاول أن تخترق الواقع السياسي والاجتماعي. ليس اختراقه فحسب بل تحاول أن تقلب الواقع رأساً على عقب من أجل رؤية الجانب الآخر منه، كما تحدث بذلك ماركيز.

تندرج مائة عام من العزلة ضمن الواقعية السحرية في الأدب. حيث تحتوي الرواية على الكثير من الحكايات الساحرة التي تأسر لب القارئ. وتأخذه في رحلة أسطورية لتنسج واقعاً يشبه واقعنا الحقيقي.

تتحدث الرواية عن التاريخ السياسي والعرقي لقارة منقسمة على نفسها. وتسعى جاهدة للتعبير عن نفسها. كما تسمح القصة للطرف المقابل وهم أولئك الذين صنعوا الظروف المناسبة للقمع والاستغلال بفهم هذه التجربة من خلال عمل رائع استطاع من خلاله ماركيز أن يصنع روابط بين الطرفين.

ألهمت رواية مائة عام من العزلة العالم عبر تقديمها لأفكار جديدة وأساطير جديدة وفهم جديد يساهم في التخلص من حالة الانقسام الدائر في هذا العالم. لقد استطاع غارسيا ماركيز أن يعطينا رواية تمسنا بعمق. وتذكرنا بأنه لا أحد يستطيع احتكار الحقيقة.

اقرأ أيضاً: قائمة بأفضل كتب هاروكي موراكامي


بعد مرور أكثر من خمسين عاماً، ما زالت مائة عام من العزلة التي يتنتهج الواقعية السحرية تقدم رؤية عميقة حول تطور حكايتنا البشرية. بينما يتعايش الرعب مع العجائب. إن التحذير الموجود في السطور الأخيرة من الرواية له أهمية يومية حتى في القرن الحادي والعشرين: “السلالات المحكومة بمائة عام من العزلة ليست لها فرصة أخرى على الأرض”.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك