بين اليأس والأمل

بين اليأس والأمل
بين اليأس والأمل - قصة قصيرة

بين اليأس والأمل – قصة من القصص الواقعية المؤثرة

طفل صغير

شعوري بالزمن قد أصابه العطب، أعتقد أنه قد مضى زمنا طويلاً أو قصيراً، لا أدر، سنوات انقضت ولكنها بدت لي كالدهر بأكمله، أليس ذلك غريباً نوعاً ما، فغالبية البشر تنسل من بين أيديهم السنوات فيتحسرون على مرورها بتلك السرعة.

شردت بذهني بعيداً فطافت أمام عيني صورتي وأنا طفل صغير يلهو في براءة. يتأمل لساعات حركة عصفور صغير هبط من عليائه ليلتقط فتات الخبز الذي وضعته له. في حين كانت أسراب النمل في حركة دؤوبة تحمل القش، وقطعا من السكر من وإلى بيتها. وما لبثت أن وقفت للحظات أمام قطرة ماء كانت تحسبها بحراً. أرى نفسي وأنا أراقب أسراب النحل وهي تُحلّق في بهجة لتحط رحالها على بعض الأزهار كي تمتص رحيقها، ثم أترك كل هذا وأركض وراء الكلاب والقطط في نشوة.

كان هذا عالمي الحقيقي، ساعات النهار الطويلة أقضيها بينهم، وفي الليل وحينما ينقطع التيار الكهربائي في منزلنا المتهاوي. أجلس على حافة فراشي أنظر إلى وهج الشمعة الصغيرة الذي يُضىء عتمة الليل. أتابع عن كثب خيال اللهب وهو يتمايل يميناً وشمالاً على الحائط.


عالم صغير بين اليأس والأمل

لا أجد ما أفعله في هذه الوحدة سوى استحضار عالمي الصغير إلى هنا. فأشرع في رسم ظلال الحيوانات والطيور بعُقد أصابعي الصغيرة. أقفز مع هذا الأرنب في بهجة، وأركض وراء هذه القطة التي فرت منه بسعادة. أستعيد تلك اللحظات الجميلة التي كنت أقضيها في نسج قصص من الخيال، وخلق عالم جديد. أحيا فيه بكل كياني. لم يكن عالمي مجرد صوراً فحسب، بل نفخت فيه أصواتاً ليبدو حقيقياً. عالم خيالي تمرح فيه أشكال من الطيور التي تصدح عالياً، والقطط التي تموء في براءة.

كنت أشعر بنشوة عظيمة تعتريني حينما أرى الغرفة وقد أحاطت بها بهجة هذا العالم البريء. أعود لأتذكر تلك البساطة التي كانت تغمر الحياة بأكملها، إلى أن يعود الضوء من جديد فيلتهم ضوء الشمعة، وكذلك عالمي الذي خلقته على الحائط.

تقدمت في العمر أكثر وأصبحت أنسج من الذكريات قصصاً وحكايات أعود إليها إذا إشتد بي الحنين، وكانت ذخيرتي بعضاً من الصور والأماكن وكثيراً من الخيال. لم يعد اليوم كالأمس، فقد كان عالمي صغيراً محدوداً فيما مضى، ومعظم هذا العالم الذي صنعته كان من الخيال. كبرت وكبر عالمي معي، حتى نسيت أو تناسيت هذا العالم الصغير الذي كان معيني في أوقاتي الصعبة. غاب عالمي الصغير في غياهب السنين، وتبدلت الأحوال، وأصبح لي صدقات عديدة، وامتلئت حياتي بإناس كُثر، لا أُحصي عددهم. قضيت أعوامي تلك في إنارة كل درب مشيت فيه. ساعدت مَن كان في حاجة إلى مساعدة، كنت خير سند وخير معين. كنت بمثابة وهج الشمعة الذي يُضىء الطريق لكل مَن أعرفهم.


وهج الشمعة

بين اليأس والأمل - قصة قصيرة

أما الآن فلم يعد هناك نور أو ضوء. ولا حتى وهج الشمعة الذي كنت أصنع من ضوئه عالمي الصغير الذي تخلى عني. الآن أحيا في سواد يحتل كل مكان حولي، بعد أن فقدت بصري بعد أعواماً عديدة كنت فيها مبصراً. اليوم عدت وحيداً كما كنت بعد سنوات طويلة قضيتها بين الأحباب والأصدقاء. سنوات مرت كانت تحوي من الألفة والصحبة والطمأنينة الشىء الكثير.

كم أنا في حاجة ماسة الآن لضوء ولو بسيط. لبعض الخيال بعد أن نضب معينه. احتاج اليه حتى أعود لأرسم عالماً جديداً، عالماً ينبض بالحياة. أنا على يقين تام بأنني لن أرى النور ثانية، لكنها محاولة بائسة من إنسان يعاني من العتمة، ليس الظلام فحسب هو ما أخشاه، بل ذلك الخوف من الوحدة القاتلة. ما أشدها هذه الوحدة التي بمقدروها تحطيم الإنسان وبعثرته إلى شظايا متناثرة تذروها الرياح.

اقرأ أيضاً: رتابة الحياة .. تكرارات لا تنتهي


شعور فظيع بين اليأس والأمل

في هذه الليالي القاسية حينما استلقى على فراشي لا أعلم أأغمضت عيني أم مازالت مفتوحة. لا أدر أغفوت أم أنني مازلت مستيقظاً؟ شعور فظيع بالرهبة والخوف. قيود ثقيلة على النفس تُكبلني. أدور في دائرة مفرغة من الحزن، والكآبة التي تلف روحي. أحاول في يأس أن أستدعي الخيال، لعله ينتشلني من براثن هذا الواقع المؤلم. لكن لا أر سوى الظلام الدامس يُحيط بي من كل جانب، ولا أسمع سوى فحيح الأفاعي، وعواء الذئاب. أتقلب على فراشي طوال الليل القاسي، ولا أعلم أأشرقت شمس الصباح أم أن الليل مازال يُسدل ستائره على الكون…..

نهضت من فراشي في تثاقل. أتأرجح بين اليأس والأمل. أشعر بصباح مختلف عن ذي قبل. تعثرت قدماي في بعض الكتب المتراصة في أحد أركان الغرفة، لقد أهملتها منذ زمن بعيد. فلم يعد لها أهمية. كانت ملاذي قديماً، أتجول في رحابها، فأرى عوالم جديدة غريبة عجيبة. أرحل معها في كل مكان في الدنا، وحين أصابني العمى شعرت بها، وقد انزوت في أحد أركان الغرفة باكية مستسلمة مثلي تماماً.

تخلّت عني كتبي. كما فعل معي كل مَن كان قريباً مني، حال الظلام بيني وبينهم. لا أصدق حتى الآن أنني لا أر، شعوري بالقهر يجتاح كياني، بعد أن صنع الظلام جدار سميكاً ورقيقاً في الوقت ذاته. رأيت من خلاله حقيقة البشر. لقد أصبت بالعمى لكني برغم ذلك رأيت ما لم أكن أراه وأنا مُبصر.

اقرأ أيضاً: الموتى الأحياء


بين اليأس والأمل – كشف الظلام الستار

قصص واقعية مؤثرة

سنوات طويلة مضت وأنا أحيا في نفس المنزل. أسلك نفس الطرق. وكذلك أفعل الآن لكن بخطوات متأنية. ارتكز على عصا أتوكأ عليها فتمنعني من التعثر في طريقي. سنوات طويلة مضت وأنا أحيا نفس الحياة لكن بشعور مختلف، وبعقل مختلف، بعد أن كشف الظلام الستار عما تُخبئه النفوس.

تحضرني أوقات كثيرة أتمنى فيها الموت. أجلس على شفا اليأس في انتظار ذلك الزائر ليأخذ بيدي ويضعني على الطريق. استنفذت كل السبل في الحفاظ على اتزاني وحياتي وعلاقاتي، لكن ضاعت كل محاولاتي هباء. كل عام أستقبله بأمنيات كبيرة، وصفحات بيضاء، وأودعه وقد تحطمت الأمنيات على صخرة الواقع. انظر في صفحاتي فلا أُجيد قراءتها.

أعوام من الشقاء، أعوام من الوجع. ومازلت أعاني في صمت. أحاول في يأس معالجة كل تلك الآلام التي سببها الضوء في حياتي. كنت أحيا وسط إناس يرتدون ثياب الحملان، لكن بداخل نفوسهم تغفو ذئاب مفترسة. سقطت الأقنعة من الوجوه، فظهرت الحقيقة وسط العتمة. هذا العطاء الذي منحته لهؤلاء جعلني أموت غير ذي مرة وأنا على قيد الحياة. ما قدمته لتلك الأرواح الأنانية أدفع ثمنه الآن من العزلة والوحشة.

اقرأ أيضاً: قتلوه كما لو كان أحد أنبيائهم


رجل ميت

في هذا الصباح الرائع عقدت العزم على المضي قدماً في حياتي. لن أحيا حياتي كرجل ميت. سأعيد تعريف الحياة من جديد. سأصل إلى السماء، ولن يمنعني شىء من الوصول. لن أدفن رأسي في الرمال. لامزيد من العيش في هذه الظلال. سأرسم عالماً جديداً، ولن أتورط بعشق ألواناً زائفة. سأحيا استمع إلى الألحان التي يعزفها الكون على وتر الطبيعة. سأستمع لصدح الطيور، دبيب النمل، ودوي النحل. لن ترهقني العتمة مجدداً، ولن أتخلى عن الحياة على طريقتي الخاصة. سأتصالح مع حركة الكون من جديد، واجتاز تلك الأنفاق المظلمة، ثم أهبط إلى وديان اليأس بداخلي لأُهيل عليها الثرى. وكلما راودني اليأس من جديد سأشعل له شمعة الماضي السحيق لأرى على ضوئها عالم جديد. عالم أرحب وأوسع. أهتدي من خلاله إلى ينابيع الحق والخير والجمال.


هل أحلم؟ أم أتخيل؟ هل أحيا في أوهام وهلاوس؟ وهل مازلت أركض وراء شمعة قد انطفأ وهجها؟ هل توغلت عميقاً في رحلتي إلى الوجدان فلم أعد أرى طريقاً للعودة. لا لا…. أنني ألمح على البعد وهج الشمعة مازال مشتعلاً، أراه بداخلي. مازلت أشعر بضيائه، فلتنهضي يا روحي من تحت هذا الثرى…..

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك