علوم

إسحاق نيوتن: سيرة رجل لم يحتمل الجهل ولا البشر

هل تمنحنا العبقرية السلام، أم تسلبه منا؟ قليلون هم الذين ساروا في دروب الفكر حتى نهاياتها، ولم يفقدوا أنفسهم في الطريق. إسحاق نيوتن كان أحدهم. رجل بلغ حدود الفهم الإنساني، فصاغ قوانين العالم.. لكنه عاش في عزلة فكرية وعاطفية لا يضاهيها إلا عمق معارفه. سعى إسحاق نيوتن إلى فهم الكون كما لو كان معادلة قابلة للحل… وما إن اقترب من الحل، حتى بات هو نفسه سؤالًا بلا جواب. دعونا نسافر عبر الزمن لنتعرف على سيرة رجل وقف على أكتاف العمالقة، لكنه ظل دائمًا ينظر من علٍ، يرى ما لا يراه سواه. رجل لم يحتمل الجهل ولا البشر..

إسحاق نيوتن ومتلازمة أسبرجر

وصف طبيب الأطفال النمساوي هانز أسبرجر في عام 1944 متلازمة لاحظها لدى بعض الأطفال الذين كانوا يزورون عيادته. كانوا يفتقرون إلى مهارات التواصل غير اللفظي (مثل فهم لغة الجسد وتعبيرات الوجه المرتبطة بالمشاعر)، كما كانت لديهم قدرة محدودة على التعاطف مع الآخرين، وكانوا خرقى وغير متزنين. أطلق على هذه المتلازمة اسم “الاعتلال النفسي التوحدي”.

وفي عام 1994، تم تحديد تشخيص واضح لما أصبح يعرف لاحقًا باسم “متلازمة أسبرجر” كجزء من طيف اضطرابات التوحد.. وهي فئة واسعة من السلوكيات تتراوح بين الخفيفة والشديدة، والتي يشار إليها شعبيًا باسم “التوحد”. وتتميز متلازمة أسبرجر باهتمامات قهرية، وصعوبات في إقامة علاقات اجتماعية، ومشاكل في التواصل.

وفي عام 2003، أعلن البروفيسور سيمون بارون كوين، من قسم علم النفس المرضي التنموي بجامعة كامبريدج ومدير مركز أبحاث التوحد، إلى جانب عالم الرياضيات إيوان جيمس من جامعة أكسفورد، أن إسحاق نيوتن، أحد أعظم العباقرة المعروفين في تاريخ البشرية، ربما كان مصابًا بمتلازمة أسبرجر.

بدا نيوتن بالنسبة للعالمين البريطانيين نموذجًا مثاليًا لمتلازمة أسبرجر.. فهو قليل الكلام، وكثيرًا ما كان يركز على عمله لدرجة أنه ينسى تناول الطعام.. وكان قليل التعبير ومتقلب المزاج مع أصدقائه القلائل جدًا. عندما لا يحضر أحد محاضراته، يقدمها على أي حال، متحدثًا في قاعة فارغة.. وتسبب اكتئابه وسماته البارانويا في إصابته بانهيار عصبي عندما كان في الخمسين من عمره. غير أن آخرين رأوا أن العالِمَين البريطانيين كانا يحاولان بطريقة ما تبرير الجانب الكئيب، وغير الودود، والصعب من شخصية عبقرية استثنائية.

بدايات من الهشاشة والعزلة

قصة حياة إسحاق نيوتن
نشأة إسحاق نيوتن

كان ذلك يوم عيد الميلاد عام 1642، في إنجلترا التي كانت لا تزال تستخدم التقويم اليولياني (وفي التقويم الغريغوري المعتمد حاليًا والذي اعتمدته بريطانيا أخيرًا عام 1752، فإن التاريخ هو 4 يناير 1643)، حين وُلد طفل خديج في قرية وولستورب الصغيرة بمقاطعة لينكولنشاير، وكان والده قد تُوفي قبل ثلاثة أشهر من ولادته. سُمِّي إسحاق، على اسم والده — مالك الأراضي الذي لم يعرف القراءة ولا الكتابة مطلقًا — وسرعان ما أوكلت رعاية الطفل إسحاق إلى جدته.. بينما تزوجت والدته هانا مرة أخرى وأسست عائلة جديدة.

نشأ الطفل إسحاق وهو يشعر بالرفض من أمه. ويكره زوجها الجديد بشدة. وكان عمومًا غير سعيد وصعب المراس، ووصف في المدرسة بأنه “صبي غريب الأطوار”. وبينما كان أقرانه يستمتعون باللعب، كان إسحاق يفضل تصميم أجهزة ميكانيكية مختلفة: طائرات ورقية، وساعات شمسية، وساعات مائية. كان يُعرف بفضوله الشديد تجاه العالم من حوله.. لكنه لم يكن متفوقًا بشكل خاص، بل كان أداؤه الأكاديمي في أدنى المراتب.

من الفشل في الزراعة إلى مقاعد كامبريدج

عندما بلغ إسحاق نيوتن الحادية عشرة من عمره، عادت والدته، وقد أصبحت أرملة للمرة الثانية.. أخرجته من المدرسة التي وضعه فيها جداه، ليهتم بأراضي العائلة. وقد أثبت فشله الذريع في هذا الدور كرب أسرة ومزارع، فلم تمانع والدته حين اقترح أحد أعمامه، وكان أكاديميًا في كلية ترينيتي، أن يعود إسحاق إلى الدراسة استعدادًا للالتحاق بجامعة كامبريدج.

كان طالب لامع ولكن دون تفاخر ملفت، ودائمًا يعاني من مشاكل عاطفية.. أنهى تعليمه في سن الثامنة عشرة، وفي سن التاسعة عشرة توجه إلى كامبريدج، تاركًا خلفه الفتاة الوحيدة التي يمكن اعتبارها “حبيبته”.. إذ إن نيوتن تبنّى العزوبة كأسلوب حياة، انطلاقًا من فلسفة ترى أن “الفيلسوف الطبيعي” (ما نسميه اليوم “العالِم”) ينبغي أن يكون أشبه بكاهن للمعرفة، مكرِّسًا نفسه كليًا للدراسة الأكاديمية.

لكن الجامعة العريقة لم تكن قد أصبحت بعد فضاءً للعلم، بل كانت لا تزال خاضعة للتقاليد المدرسية القديمة، وتبجيل أرسطو، بانتظار الانفجار الذي ستحدثه الثورة العلمية حتى يتزحزح الفكر السائد. كان نيوتن، دون أن يدري، يستعد ليكون أحد أعظم منارات تلك الثورة. حيث درس بشكل مستقل، متحديًا المناهج الجامعية.. وتعمّق في أفكار مفكرين جريئين مثل رينيه ديكارت، الذي أثار إعجاب نيوتن، وتوماس هوبز، وبيير غاسندي، إلى جانب فلكيين “ثوريين” وخطرين مثل جاليليو، وكوبرنيك، وكبلر. هؤلاء هم من قصدهم نيوتن حين قال سنة 1675:

إن كنت قد رأيت أبعد من غيري، فذلك لأني وقفت على أكتاف العمالقة..

تفاحة إسحاق نيوتن في زمن الطاعون

اكتشاف قوانين الجاذبية
قصة التفاحة واكتشاف الجاذبية

تخرج إسحاق نيوتن في عام 1665 دون مرتبة شرف أو أي تكريم أو تميز خاص.. واضطر إلى العودة إلى المنزل بسبب تفشي الطاعون الدبلي، الأمر الذي أجبر جامعة كامبريدج على إغلاق أبوابها حفاظًا على صحة الأساتذة والطلاب لمدة عامين.

كان هذان العامان من أكثر الأعوام خصوبة في حياة نيوتن العلمية. ففي عزلته التي أحبها، ومن دون أن تحاول عائلته مرة أخرى تحويله إلى فلاح، كرس الشاب وقته لدراسات ستصبح لاحقًا من أعظم إسهاماته في تاريخ العلم. في غضون 18 شهرًا فقط، اكتشف نيوتن قانون التربيع العكسي.. وطور حساب التفاضل والتكامل.. وعمّم مبرهنة ذات الحدين.. ووضع أساسات نظريته في الضوء واللون.. وتقدّم بشكل حاسم في فهم حركة الكواكب، وهو ما سيفضي لاحقًا إلى قوانين الجاذبية.

وفي تلك الفترة، تحديدًا سنة 1666، وقع حادث التفاحة، والذي رُوِي وتم تخيّله بشكلٍ درامي في القصص والأفلام. لكنه حدث بالفعل. إذ يروي وليام ستوكلي، عالم الآثار وكاتب سيرة نيوتن، أنه أثناء جلسة شاي تحت شجرة تفاح، قال له نيوتن:

كنت في ذات الحالة التي كانت لدي عندما خطرت لي فكرة الجاذبية. كان السبب سقوط تفاحة بينما كنت غارقًا في التأمل. تساءلت: لماذا تسقط التفاحة دائمًا بشكل عمودي على الأرض؟..

إذًا، نعم، كانت هناك تفاحة، وإن لم تسقط على رأسه كما تحب الرسوم المتحركة أن تصوّر، وكانت تلك التفاحة الشرارة التي دفعته لحساب سرعة القمر، ومنها صاغ قوانينه الشهيرة.

أسس الرياضيات الحديثة

عاد نيوتن إلى كامبريدج سنة 1667، بعد أن غادرها قبل عامين بسبب الطاعون. وقد صار رجلًا يملك رؤية واضحة لما يريد أن ينجزه بعقله. حصل على منحة دراسية صغيرة، وأكمل الماجستير في العام التالي. ونال في سنة 1669، وهو في السادسة والعشرين، “الكرسي اللوكاسي” في الرياضيات.. وهو المنصب الذي سيشغله لاحقًا علماء لامعون مثل تشارلز باباج، وبول ديراك، وستيفن هوكينغ. منحه الكرسي مكانة أكاديمية واقتصادية مستقرة، ووقتًا كافيًا للتفكير والاكتشاف. وأرسل مخطوطته حول حساب المعادلات بالأعداد اللامتناهية إلى الناشر، وهي التي فتحت الباب أمام حساب التفاضل والتكامل، أساس الرياضيات الحديثة.

ومن اللافت أن نيوتن اخترع في عام 1668، أي قبل حتى أن يتولى الكرسي الأكاديمي، التلسكوب العاكس المطوّر، والذي ما يزال مستخدمًا إلى اليوم. ومن عام 1670 إلى 1672، ركّز أبحاثه على الضوء.. وأثبت أن الضوء الأبيض يتكون من ألوان الطيف كافة.. وطور نظرية تقول إن اللون خاصية في الضوء نفسه، لا في الأجسام التي تعكسه. وفي عام 1675، نشر عمله بعنوان فرضية حول الضوء، متحديًا النظريات السائدة، وخاصة تلك التي يتبنّاها الفلكي روبرت هوك، الذي هاجمه بعنف، وبدأ بذلك عداء مدى الحياة بين الاثنين.

وربما في ذلك الوقت، أدرك نيوتن مدى اشمئزازه من الجدل والمواجهة، فرفض نشر أعماله الكبرى حتى عام 1687. ونتيجة لذلك، أصبحت أبحاثه تُتداول في رسائل خاصة مع علماء آخرين. ففي عام 1676، أرسل إلى هنري أولدنبرغ بالبريد مبرهنة ذات الحدين التي طوّرها قبل عشر سنوات، مما فتح باب المراسلة مع عالم الرياضيات الألماني لايبنتز.

المبادئ الرياضية

المبادئ الرياضية
مبادىء نيوتن الرياضية

زار الفلكي إدموند هالي إسحاق نيوتن في أغسطس 1684 في كامبريدج، وطرح عليه سؤالًا كان يشغل العلماء في ذلك الوقت: ما نوع المنحنى الذي يتبعه كوكب يدور حول الشمس، بافتراض أن قوة الجذب تتناسب عكسيًا مع مربع المسافة؟

فأجاب نيوتن على الفور: إنها قطع ناقص (إهليلجي).

وعندما سأله هالي: “كيف عرفت؟” أجاب ببساطة: “أجريت الحساب قبل أربع سنوات”.

كانت واحدة من الإجابات العظيمة الحاسمة على أحد أهم الأسئلة في الكون، ومع ذلك، كان نيوتن قد فقد الحساب الأصلي ولم يخبر أحدًا به، فوعد هالي بإعادة إجرائه، ما أدى إلى كتابه حول الحركة. ثم ألحّ هالي عليه حتى قبل نيوتن نشر عمله الشهير “المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية” الذي أرسي به أسسًا جديدة للرياضيات والفيزياء.

لكن، ولسوء الحظ، سبّب نشر هذا الكتاب المهم إزعاجًا شديدًا لنيوتن. فقد طالب روبرت هوك، الذي كان قد تبادل الرسائل مع نيوتن عام 1679، بالاعتراف بمساهماته في اكتشاف العلاقة بين الجذب المركزي وتناقص قوة الجاذبية بحسب مربع المسافة.

غضب نيوتن بشدة، لدرجة أنه حذف أي إشارة إلى هوك من عمله، في تصرف بعيد عن عدالة ورصانة العلماء. وبلغ به الحقد إلى حد أنه انسحب من الجمعية الملكية، ولم ينشر كتابه في البصريات إلا بعد وفاة هوك عام 1703.

الوجه الآخر لإسحاق نيوتن

كرس نيوتن جزءً من وقته للدفاع عن جامعة كامبريدج، مما مكنه من أن يصبح عضوًا في البرلمان عام 1689. لكنه لم يكن نشطًا سياسيًا؛ إذ إن تدخله الوحيد خلال فترة عضويته تمثل في طلب غلق نافذة لأنه شعر بتيار هواء وكان يخشى أن يطير شعره المستعار.

انتقل نيوتن إلى لندن، وقبل منصب مدير دار سكّ العملة البريطانية، وهو ما وفّر له حياة مريحة. وواصل اهتمامه بالكيمياء، والهيدروديناميكا، وبناء التلسكوبات، إضافة إلى انغماسه في مجالات أقل دقة، مثل الخيمياء، والتنجيم، والدراسات الحرفية للكتاب المقدس. ويُعتقد أن بعض مشاكله العاطفية ربما تعود إلى التسمم بالزئبق نتيجة تجاربه الطويلة في مجال الخيمياء، والتي لم تثمر شيئًا، على عكس إنجازاته العلمية.

وقد اكتمل انتقامه الغريب والغاضب من هوك عندما أصبح نيوتن عام 1704 رئيسًا للجمعية الملكية، وهو المنصب الذي ظل يُنتخب له سنويًا حتى وفاته عام 1727، والذي مارسه بسلطة مطلقة، وإن كان كريمًا في دعمه للعلماء الشباب. وفي عام 1705، مُنح لقب “فارس” من الملكة آن.

أثر لا يزول

أما سنواته الأخيرة، فقد انشغل فيها بتحديث النظام النقدي البريطاني، وبصراع مرير مع لايبنتز حول أحقية كل منهما في اكتشاف حساب التفاضل والتكامل. بدأ هذا النزاع عندما اتهم نيوتن، من دون دليل، لايبنتز بسرقة أفكاره. واليوم، يرى المؤرخون أن كليهما توصّلا إلى هذه الأفكار بشكل مستقل، بوصفها أفكارًا كان وقتها قد حان — مثلما حدث لاحقًا مع داروين ووالاس في نظرية التطور، لكن على عكس نيوتن ولايبنتز، توصّل هذان إلى اتفاق ودي ومحترم. حتى بعد وفاتهما في أواخر القرن الثامن عشر، ظل الصراع قائمًا بين أتباع “اللايبنتزيين” و”النيوتنِيّين”..

قد يكون إسحاق نيوتن قد عاش في وحدة طوعية، وسلك دروبًا وعرة من العناد والعزلة والشك، لكنه ترك خلفه تراثًا لا يمكن لأي حضارة أن تتجاهله. قوانينه كانت بمثابة إعلان رسمي عن ولادة العلم الحديث، وصراعاته كانت انعكاسًا لإنسانية عقل لا يقبل النقص. كانت رحلة نيوتن دليلًا على أن من ينظر إلى العالم بعمق، يخلّف أثرًا لا يزول، حتى بعد أن يرحل في صمت كما عاش.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!