الهجرة إلى الحبشة: كيف آمن الرسول على المسلمين من الفتنة هناك؟

You are currently viewing الهجرة إلى الحبشة: كيف آمن الرسول على المسلمين من الفتنة هناك؟

الهجرة إلى الحبشة هي أول هجرات المسلمين بعد اعتناق الإسلام. حيث نصحهم الرسول محمد بالهجرة إلى هناك للعيش في كنف النجاشي ملك الحبشة؛ ذلك الملك العادل الذي لا يُظلم عنده أحداً. فما هي أسباب الهجرة إلى الحبشة؟ وكيف ساهم النجاشي في شعور المسلمين هناك بالأمان الذي افتقدوه في مكة؟ وكيف آمن الرسول محمد عليهم هناك؟

أسباب الهجرة إلى الحبشة

هناك العديد من أسباب الهجرة إلى الحبشة. فلقد عان النبي محمد بعد أن شرع في دعوة قبائل مكة إلى الدخول في دين الإسلام. حيث لم يتقبل الدين الجديد هؤلاء الكفار الذين يظلون على أصنامهم عاكفين. ولم يؤمن له سوى شرذمة قليلة من بينهم بعد أن رأوا في الإسلام سماحة ورأفة ومساواة. لكن كبار القبائل لم يستطيعوا أن يظلوا صامتين تجاه هؤلاء؛ وشعروا بأن سلطانهم سيسقط من عليائه مع بزوغ فجر هذا الدين الجديد. من هنا أذاق الكفار النبي ومن معه من صحابته صنوفاً شتى من العذاب والقتل والتمثيل. وضاقت بهم الأرض بما رحبت. وما كان لهم من سبيل سوى الهجرة بعيداً عن كل هذا الظلم. وكان هذا أحد أهم أسباب هجرة المسلمين إلى الحبشة.

لذا أجمعت القلة من الذين آمنوا برسالة النبي أمرهم على الهجرة. فما كان من النبي إلا أن أشار عليهم بأن يتفرقوا في الأرض. ولما سألوه إلى أين أخبرهم أن يذهبوا إلى الحبشة. فإن بها ملك عادل لا يظلم بين يديه أحداً هو النجاشي. وكان النجاشي وأهل الحبشة على دين المسيحية فهم أهل كتاب. لذا رأى الرسول أنه سيكون أشد رأفة بهم من عبدة الأصنام هؤلاء.


هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة

بعد أن أجمع المسلمون أمرهم إلى الهجرة. خرج فريق منهم إلى هناك وكانوا أحد عشر رجلاً وأربع نساء. تسللوا جميعاً في غفلة من الكفار وانطلقوا في رحلتهم إلى هناك تاركين وراءهم كل ما لهم في مكة. لكن خلال وجودهم في الحبشة رنا إلى أسماعهم أن المسلمين في مكة أمسوا بمأمن من أذى قريش. لذا قرروا العودة إلى وطنهم. لكنهم حينما عادوا لم يكن الأمر كما سمعوه بل كان أشد وطأة مما كان عليه. فما كان منهم إلا أن عادوا مرة أخرى إلى الحبشة، لكن هذه المرة كان عددهم ثمانين رجلاً غير نسائهم وأطفالهم. وظلوا هناك حتى هجرة النبي محمد إلى يثرب.

اقرأ أيضاً: قصة الحجر الأسود: من أين أتى؟ وكيف تمت سرقته؟


قريش ترسل إلى النجاشي رسولين بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة

ملك الحبشة

شعرت قريش بالتهديد من هجرة المسلمين إلى الحبشة. وربما شعروا أن إيواء النجاشي لهم سيقوي من شوكتهم ويساهم في إقبال أهل جزيرة العرب على دين الإسلام. ثم أنهم بعد أن تشتد شوكتهم ربما يعودوا مجدداً إلى مكة أقوياء بالمال والرجال. فما كان من قريش إلا أن ترسل رجلين يحملون الهدايا الثمينة والغالية إلى ملك الحبشة، ومن ثم يطلبون منه أن يرسل معهم هؤلاء المسلمين.

كان الرسولان اللذين أرسلتهما قريش للنجاشي هما عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة. وبعد أن قدموا هداياهم إلى النجاشي وبطارقته أخبروه بأن بعضاً من أهلهم السفاء يعيشون في كنفه بعد أن فارقوا دين آبائهم ولم يدخلوا في دين المسيحية الذي يعتنقه النجاشي. بل الأشد من ذلك ابتداعهم لدين جديد لم يسبق أن عرفنا مثله في آبائنا الأولين. بينما احضروا معهم بعضاً من أهالي هؤلاء المسلمين ليعاتبوهم وهؤلاء الأهل كانوا من أشراف القوم من الآباء والأعمام والقبائل. ثم طلبوا من ملك الحبشة في النهاية أن يردوهم معهم.

حوار جعفر بن أبي طالب مع النجاشي

كان الرسول على حق حينما طلب من المسلمين الهجرة إلى الحبشة. حيث أبى النجاشي أن يرسل المسلمين مع الرسل إلا بعد أن يسمع كلامهم. فطلب من حاشيته أن يحضروهم إليه. وحينما جاءوه سألهم: أي دين هذا الدين فارقتم فيه قومكم؛ لم تدخلوا ديني أو في دين أياً من الملل الأخرى المعروفة؟
هنا تقدم جعفر بن أبي طالب وشرع في الحديث قائلاً: أيها الملك لقد كنا قوماً جاهلية نعبد الأصنام ونأتي الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ وكنا لا نصل الأرحام ونأكل الميتة ويطغى القوي منا على الضعيف حتى بعث الله رسولاً من أنفسنا نعرفه تمام المعرفة فهو صادق أمين؛ دعانا إلى عبادة الله الواحد الذي لا شريك له. وأمرنا بفعل الخيرات وتجنب المنكرات وأداء الأمانة لأصحابها ونهانا عن كل الفواحش وقول الزور وقبل كل ذلك ترك عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر. ولما رأينا منه ذلك صدقناه واتبعناه. لكن قومنا أحالوا بيننا وبين هذا الدين فقاموا بتعذيبنا وحاولوا أن يفتنونا عن ديننا وضيقوا علينا فلما كان لا سبيل إلى الخلاص من هذه المعاناة هاجرنا من بلادنا وجئنا إليك بعد أن اخترناك عمن سواك ورجونا ألا نظلم بين يديك.

 قال لهم ملك الحبشة: ألديكم شيء مما جاء به الرسول عن الله؟
أجاب جعفر: بلى
ثم شرع يقرأ عليه سورة مريم من أول آياتها وحتى قوله تعالى ” والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً”. حين سمع بطارقة النجاشي هذه الآيات أدركوا أنها مصداقة لما يحدثه بهم انجيلهم فقالوا: إنها كلمات جاءت من النبع ذاته الذي جاءت منه كلمات سيدنا يسوع المسيح. وافقهم الملك لما قالوه ثم أردف يقول: بل إن هذه الكلمات خرجت من ذات المشكاة التي خرجت منها كلمات موسى.

ثم نظر إلى المسلمين الماثلين أمامه، وقال لهم: اذهبوا.. فلن أسلمكم لمن جاءوا يطلبونكم. وهكذا لم يسلمهم النجاشي إلى الرسل بعد الهجرة إلى الحبشة واستيقنوا أن الرسول محمد كان على حق.

الحجة الأخيرة

في اليوم التالي وبعد أن تشاور رسل قريش فيما سيقولونه للنجاشي، انطلقوا إلى ملك الحبشة. تقدم إليه عمرو بن العاص وقال له: هؤلاء المسلمين يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً. أرسل النجاشي إليهم مرة أخرى بعد أن سمع من عمرو ليسمع منهم مرة أخرى. ومن ثم سألهم عن قولهم في عيسى بن مريم. قال جعفر إنا لا نقول فيه سوى ما أنزله الله في كتابه إنه عبد الله ورسوله وكلمة منه وكلمته التي ألقاها على البتول مريم. هنا أخذ النجاشي عوداً ثم خط به على الأرض خطاً وقال لهم ليس بين ديننا ودينكم أكثر من هذا الخط. ثم تركهم يعيشون في أرضه. وعاد الرسل خائبي الرجاء إلى مكة.

اقرأ أيضاً: قصة ومعجزات المسيح عيسى بن مريم في الإنجيل والقرآن


كيف آمن الرسول على المسلمين هناك؟

ربما كان إيذاء قريش للمسلمين أحد أهم أسباب الهجرة إلى الحبشة. لكن السؤال هنا:كيف آمن الرسول على أصحابه من المسلمين ليطلب منهم الهجرة إلى الحبشة وهو يعلم أن أهلها على دين المسيحية. ألم يخشى عليهم من الفتنة مثلما حدث مع قريش. كيف يأمن الرسول لذلك بعد أن عرفنا أن أحد المسلمين قد تنصر بالفعل.

ربما هذا الأمر كان يشغل عقل الرسول قبل إرساله لهؤلاء إلى هناك. فرغم قلة عدد المسلمين وضعفهم وخوفهم إلا أن النبي كان مطمئناً من هذا الناحية. نظراً لأن الإسلام في ذلك الوقت المبكر كان ديناً نقياً لم تشوبه شائبة في حين كانت المسيحية في الحبشة مثل مسيحية نجران والحيرة والشام قد اندس فيها الكثير من شوائب الخلاف بين الطوائف المختلفة فمنهم من كان يرى أن المسيح إلهاً ومنهم من كان يرى أن المسيح بشراً. هذا بالإضافة إلى فكرة تأليه مريم البتول. لكن المسلمين في ذلك الحين كانوا ينهلون من النبع الصافي للدين قبل أن تشوبه تلك الشوائب.


المصادر:

  1. حياة محمد – محمد حسين هيكل.
  2. محمد رسول الحرية – عبد الرحمن الشرقاوي.
  3. السيرة النبوية لابن هشام – عبد الملك بن هشام.
  4. تاريخ الإسلام – الإمام الذهبي.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك