أسباب الثورة الفرنسية: التاريخ والتأثير والعواقب الرئيسية

You are currently viewing أسباب الثورة الفرنسية: التاريخ والتأثير والعواقب الرئيسية
الأسباب التي أدت لاندلاع الثورة الفرنسية

لم تكن الأسباب المختلفة للثورة الفرنسية سوى تعبير عن السخط الاجتماعي والسياسي الذي كان سائداً في ذلك الوقت. لكن يتفق العديد من المؤرخين في التأكيد على أن الثورة الفرنسية نشأت كنتيجة لوضع سابق طويل وصل إلى ذروته في عام 1789، وبسبب حالة السخط العام التي كانت موجودة بين السكان ستأخذ الثورة انعطافاً عنيفًا لمدة عشر سنوات فيما بعد. في هذا المقال نتعرف على أسباب وتأثير وعواقب الثورة الفرنسية.

نبذة تاريخية

إذا كنت تتساءل عن ماهية الثورة الفرنسية، فقد كانت حدثاً عظيماً نشأ من مجموعة من الأسباب التي سوف نستعرضها فيما بعد. تلك العملية التاريخية المهمة أحدثت تغيرات في كل من التنظيم السياسي والإداري لفرنسا والبلدان الأخرى التي كانت هذه الانتفاضة مصدر إلهام لها. بدأت المظاهرات تجتاح فرنسا في عام 1799 واستمرت لمدة عشر سنوات أخرى، وخلال هذه السنوات العشر قام الشعب الفرنسي بثورات مختلفة في جميع أنحاء فرنسا.

عانت فرنسا في ذلك الوقت حالة من الاضطراب والقلق السياسي بسبب الحالة الاقتصادية المتردية في البلاد واستبداد الملك لويس السادس عشر بالحكم، وسيطرة الطبقة الأرستقراطية[1] على ثروات البلاد، وتدخل رجال الدين في الحكم.

وفي وسط هذه الحالة من عدم الاستقرار جاءت الأفكار والفلسفات التنويرية التي تنادي بالديمقراطية والمساواة وحق الجميع في حياة كريمة. ولكن لم يتحقق هذا الإصلاح بسهولة بل صاحبه الكثير من الفوضى والعنف وإراقة الدماء. بدأت بقطع رقبة لويس السادس عشر وزوجته ماري انطوانيت بالمقصلة، وانتهت بآخرين وصل عددهم إلى ثمانية عشر ألف شخص. أصاب هذا الكثير منهم لمجرد الشك في ولائهم أو قيامهم بنشاطات مناهضة للثورة.

عاشت فرنسا في تلك الآونة وعلى مدى خمسة وسبعين عاماً تجارب سياسية مختلفة منها النظام الجمهوري والنظام الديكتاتوري وأيضاً الملكية الدستورية التي تخضع لسلطة البرلمان المنتخب. وأخيراً النظام الإمبراطوري تحت سلطة الجنرال نابليون بونابرت الذي نجح في السيطرة على الموقف، وأخذ قرارات حاسمة لمواجهة الفوضى، وقام بتعيين نفسه بعد ذلك إمبراطوراً للبلاد.

نابليون بونابرت في أوروبا

قام نابليون بونابرت بعدما أصبح إمبراطوراً لفرنسا (1769 – 1821) بشن عدة حملات عسكرية على أوروبا بغرض التوسع وإقامة إمبراطورية كبرى. وبالفعل تمكن من السيطرة على معظم أوروبا عدا بريطانيا. وفي عام 1812 قام نابليون بغزو روسيا، وكما يقول بعض المؤرخين كان هذا خطأه الأكبر. فلقد أشعل الروس النيران في موسكو عندما أدركوا أن سير المعركة ليس في صالحهم. وبهذا أحرقوا جيوش ومعدات نابليون أيضاً، وكانت خسائره في هذه المعركة فادحة.

وشجع هذا كل من بروسيا والنمسا على الانضمام إلى بريطانيا ومقاومة نابليون وكُتب لهم النصر في معركة واترلو[2] الشهيرة. ونفي نابليون بعد ذلك إلى جزيرة “سانت هيلينا” في البحر الأبيض المتوسط التي ظل فيها حتى وفاته.

اليمين واليسار

استخدم مصطلح اليمين واليسار أثناء الثورة الفرنسية عندما اضطر الملك لويس السادس عشر إلى أن يعقد اجتماعاً مع الثوريين في قصر فرساي في أكتوبر 1789 وجلس على يمينه ممثلو الأرستقراطية، ورجال الدين وعلى يساره ممثلو الثوار من العامة. ومن هنا أصبح اليمين يمثل الاتجاه التقليدي المحافظ، واليسار الاتجاه الاشتراكي التقدمي.

اقرأ أيضًا: حرب المائة عام بين فرنسا وبريطانيا


أسباب الثورة الفرنسية

تاريخ الثورة الفرنسية وأسبابها
الاستبداد كان من أهم أسباب الثورة الفرنسية

هناك العديد من أسباب الثورة الفرنسية التي تتباين ما بين الأسباب السياسية والأسباب الاقتصادية والأسباب الاجتماعية. وفي هذا القسم نستعرض بإيجاز أسباب الثورة الفرنسية:

الأسباب السياسية للثورة الفرنسية

  1. استبداد النظام السياسي

    كانت الملكية هي نظام الحكم في ذلك الوقت، وتملك سلطة الأمة في يدها. حيث أدارات كل ما يتعلق بالسياسة والاقتصاد والنظام القانوني في فرنسا. وكان هناك التزاوج الأليم بين الملك والثيوقراطية[3]. حيث عمل رجال الدين بالقانون الإلهي الذي كان يدعم الحكام منذ العصور الوسطى. فطبقاً لهذا القانون كان الملك هو “ممثل الله على الأرض”، لذلك لا يمكن مساءلته أمام أي شخص، سوى الله. كان هذا الأمر عقبة واضحة أمام متابعة السياسات المتكاملة للنظام الحاكم وانتقاده، وقد واجه بحلول عام 1799 كارثة كبيرة الحجم.

  2. القيود على الحقوق والحريات

    بسبب الحق الإلهي الذي ذكرناه آنفاً والممنوح لشخصية الملك، لم يكن هناك تقسيم للسلطات يمكن أن يشرف على تصرفات الملك، وفي الوقت نفسه، اقتصرت السيادة عليه وعلى مجموعة صغيرة من المستشارين. وكانت الكنيسة الكاثوليكية تصادق على كل ما يقوله الملك ويفعله دون مساءلة تذكر. لذلك يشير بعض الباحثين إلى أن هذا السبب كان السبب الرئيسي لاندلاع الثورة، مما شكل إعلان حقوق الإنسان المعترف به، والذي كان محمياً بموجب مبادئ الحرية والمساواة والإخاء. وهو شعار الثورة الفرنسية.

الأسباب الاقتصادية للثورة الفرنسية

دعونا نتذكر في أي عام بدأت الثورة الفرنسية. نشأت في عام 1789، في سياق أزمة شاملة عكست الصعوبات التي كانت البلاد تمر بها في المجالين المالي والاقتصادي، مما دفع السكان إلى رفع صوتهم والاحتجاج على النظام الحاكم. أما الأسباب الاقتصادية فتشتمل على ما يلي:

  1. الأزمة مالية

    بسبب العوامل المناخية المختلفة مثل الصقيع المستمر والجفاف، تأثرت المحاصيل الرئيسية في البلاد لدرجة أنها أنتجت محصولاً سيئاً قبل وقت قصير من اندلاع الثورة، مما أدى إلى نقص وشيك في الغذاء تسبب في ارتفاع أسعار سلع مثل الخبز ودقيق القمح، وهو مقياس سيكون له تأثير سلبي على السكان الأقل ثراءً، الذين لا يملكون ثمن ما سيأكلونه. يضاف إلى ذلك أن العديد من المصانع والشركات بدأت تحد من إنتاجها، مما أدى إلى بطالة كبيرة أدت بدورها إلى زيادة حالة من الغضب في البلاد، كل هذه العوامل ساهمت في تفاقم الوضع مما أدى إلى مجاعة وفوضى.

  2. العجز في الميزانية

    كانت فرنسا تواجه أزمة ميزانية كبيرة. ربما كان السبب الرئيسي وراء هذه الأزمة هي تدخلها في حرب الاستقلال الأمريكية. حيث لعبت فرنسا دوراً مهماً للغاية كممول للحرب، وهي حقيقة من شأنها أن تولد الديون الضخمة في الأمة الفرنسية، إلى جانب النفقات الباهظة التي كانت المحكمة تتمتع برفاهية تحملها، والتي كانت موضع تساؤل كبير من قبل السكان، في وقت كانت فيه البلاد تعاني واحدة من أكثر الأزمات تدميراً في تاريخها.

  3. فرض مزيد من الضرائب

    من الأسباب الأخرى التي يجب مراعاتها لفهم الأسباب وراء اندلاع الثورة الفرنسية، هو الإجراء الذي اتخذته الدولة لتصحيح آثار الأزمة المالية التي سبق وصفها. فلقد حاولت الدولة حل الأزمة المالية عن طريق زيادة كبيرة في الضرائب على القطاعات الاجتماعية الأدنى. مما ساهم في زيادة حدة الغضب الشعبي على النظام الحاكم.

الأسباب الاجتماعية لاندلاع الثورة الفرنسية

إذا قمت بالتحقيق فيما تشكلت منه الثورة الفرنسية، فسترى أن جزءً كبيراً من التحليلات المتعلقة بهذه الحقيقة التاريخية، تعطي طابعاً اجتماعياً فقط لأسباب هذا الحدث. لتقوم الثورة الفرنسية على يد أشخاص غير راضين عن السياسات والقرارات التي كانت السلطة تتخذها في هذا الوقت والتي أثرت بشكل كبير على نوعية حياتهم. بمعنى آخر قامت الثورة نتيجة لعدم المساواة والمجاعة والفقر والبؤس التي عاش فيها هؤلاء الأشخاص. ومن بين تداعيات العامل الاجتماعي الذي ساهم في قيام الثورة الفرنسية ما يلي:

  • عدم المساواة
    تأسس النظام الإقطاعي في الفترة التي سبقت الثورة الفرنسية، حيث كان التقسيم الاجتماعي للشعب يتألف من ثلاث طبقات:
    الأول، يتألف من النبلاء، ويتمتعون بامتيازات عديدة ورسوم ضريبية أقل. كما كان جميع أعضاء الطبقة البرجوازية[4] أثرياء. وكان النبلاء الأعلى يحصلون على معاش تقاعدي مباشر من الملك، بينما كان النبلاء الأدنى يكافحون من أجل استمرار الحصول على امتيازاتهم الملكية. لذا شغلوا وظائف في مجالات مهمة من الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية والمهنية في فرنسا في ذلك الوقت، وشكلوا 10 ٪ من إجمالي السكان.
  • أما الثاني، فيتآلف من رجال الدين، وقد تم اعفائهم من دفع الضرائب بالإضافة إلى شغلهم لمناصب ذات أهمية اجتماعية ودينية. وشكل رجال الدين 5% من إجمالي السكان.
  • أما الطبقة الثالثة فكانت من الفلاحين والحرفيين الذين شكلوا 85٪ من مجموع السكان. لقد عانوا من رداءة نوعية الحياة والاستغلال المالي الذي ولدته الأزمة متعددة الأسباب في السنوات التي سبقت الثورة.

يسمح هذا الملخص للثورة الفرنسية في المسائل الاجتماعية للقارئ بالاقتراب من التفاوتات التي كانت بمثابة نتيجة للإقطاع.

  1. الفقر والتهميش والبؤس

    بحلول عام 1789، عاش السكان الأقل حظاً وثروة في حالة من البؤس والتهميش الاجتماعي بحيث شكلوا ما يقرب من 100 ٪ من مستويات الفقر في البلاد، ومن هنا سعى هؤلاء إلى وضع حد لهذا النظام الإقطاعي، والتخلص منه. وكان ذلك بمثابة الشرارة الأولى للثورة الفرنسية.

  2. عدم الثقة

    إن مجتمع الرتب أو النظام الاجتماعي الذي وصفناه سابقاً، قد ساهم في زيادة حالة عدم الثقة التي سادت في تلك الفترة. ولم يتوقف هذا الأمر على الطبقة الثالثة (الفلاحين والعمال) فحسب، بل امتد ليشمل أيضاً الطبقة البرجوازية الناشئة التي أرادت اكتساب امتيازات في الأمور الاجتماعية والاقتصادية. وهكذا، بدأت هذه الطبقات الاجتماعية في الكفاح من أجل مطالبهم الخاصة، كما يتضح من تطور وتقدم الثورة الفرنسية.

  3. الأزمة الأخلاقية والدينية

    من العوامل الأخرى التي تعد من أسباب اندلاع الثورة الفرنسية كانت مرتبطة بالمجال الأخلاقي والديني. حيث كان هناك العديد من التساؤلات الأخلاقية والدينية التي انتشرت في المجتمع والتي حاولت كبار المفكرين على المستوى الفكري والفلسفي تناولها في تلك الحقبة.

اقرأ أيضًا: قصة بني إسرائيل من البداية وحتى ظهور المسيح


تأثيرات عصر التنوير

الثورة الفرنسية والتنوير
فلاسفة عصر التنوير

جاء نشر المعرفة الذي كان ذروته في فرنسا خلال القرن الثامن عشر بفضل عصر التنوير، من خلال أفكار شخصيات مثل روسو وفولتير ومونتسكيو، لتوليد مثل هذا التأثير على بناء مؤسسة جديدة تتبع المبادئ المساواة والحرية والأخوة، حيث يُنظر إلى المواطن على أنه فاعل يطور حياة الجمهورية.

التمرد على السلطة

كانت نقطة البداية الأولى هي التمرد على السلطة. لقد زار العديد من فلاسفة التنوير الفرنسيين إنجلترا التي كانت من نواح كثيرة بلداً يتمتع بقدر أوفر من الحرية. وهناك علموا الكثير عن العلوم الطبيعية مثل قوانين الفيزياء العامة التي وضعها نيوتن، وفلسفة لوك السياسية. ثم عادوا إلى فرنسا ليتمردوا على السلطة بجميع أشكالها من الملك إلى سلطة الكنيسة والنبلاء.

تنوير الجماهير

أما النقطة الثانية فهي تنوير الجماهير. فهذا هو الشرط الرئيسي لقيام مجتمع أفضل. إذ نظر هؤلاء الفلاسفة والمفكرين إلى الفقر والقمع على انهما نتيجة للجهل والخرافة. لذا أولوا اهتماماً كبيراً لتعليم الأطفال والشعب. النقطة الأخيرة هي حقوق الإنسان. حيث كان لديهم ميل إلى التطبيق العملي للأفكار الفلسفية. ومن هنا ناضلوا في سبيل إلغاء الرق وتحسين معاملة المجرمين وحق الصحافة في الحرية. ثم في النهاية اندلعت الثورة الفرنسية لتقضي على الحكم المطلق ولتكرس المبادئ الثلاثة الحرية والمساواة والإخاء.


لقد استمر تأثير الثورة الفرنسية طوال سنوات عديدة على أحداث أخرى لاحقة ذات أهمية كبيرة ليس فقط في أوروبا، ولكن أيضاً في أمريكا، والعالم أجمع. مما أفسح المجال لسلسلة من الثورات التي تنتهي باستقلال مناطق مهمة. وكذلك في إنشاء مؤسسات جديدة من شأنها أن تغير إلى الأبد البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لجزء كبير من دول العالم. ومازال تأثيرها حتى يومنا الحالي.


هوامش

[1] الارستقراطية تعني باليونانية حكم الصفوة وحقهم في السيادة بحكم الوراثة، وامتد هذا المصطلح ليطلق على الطبقة العليا المتميزة في المجتمع حتى وإن لم يكن لها دوراً في الحكم.

[2] معركة واترلو هي آخر معارك نابليون بونابرت، وسميت كذلك نظراً لأنها اندلعت في قرية واترلو القريبة من بروكسل في بلجيكا. وفيها مني نابليون بهزيمة مذلة.

[3] الثيوقراطية تعني حكم رجال الدين، وسلطة المؤسسة الدينية في إدارة الدولة.

[4]يطلق عليها أيضاً الطبقة الوسطى، وهي طبقة ظهرت في إنجلترا بعد الثورة الصناعية، وفي فرنسا بعد الثورة الفرنسية. وهي تصف شريحة من الشعب تملك قدراً من الاستقلال المادي، ولكن ليس لها نفوذ. وتُشير كثيراً إلى طبقة المهنيين ورجال الأعمال، وأحياناً تستخدم بشكل سلبي لتعني السلوك الاستهلاكي والنزعة المادية.

This Post Has 2 Comments

  1. همزان عيزوقي

    سلمت يداك لهذه الإضاءة ولو كان السوريون بنفس الوعي الفرنسي لانتهت مأساتنا خلال شهر

    1. وائل الشيمي

      أشكرك سيدي الفاضل على هذه الإشادة.. وإن شاء الله تنتهي المأساة في القريب العاجل وتعود سوريا أفضل مما كانت.. أطيب تحياتي

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك