إيلاف قريش: كيف غيًر هاشم بن عبد مناف تاريخ الجزيرة العربية؟  

You are currently viewing إيلاف قريش: كيف غيًر هاشم بن عبد مناف تاريخ الجزيرة العربية؟  
العرب في الجاهلية

ذكر القرآن الكريم إيلاف قريش في معرض آياته، لكن البعض لم يفهم المغزى من ذكر هذا الأمر وأهميته للدرجة التي تجعل القرآن يأتي على ذكره. لكننا إذا أبحرنا في التاريخ القديم للجزيرة العربية ربما سنفهم معنى إيلاف قريش ومؤسسه هاشم بن عبد مناف. في هذا المقال نخوض سوياً رحلة رائعة داخل مجاهل التاريخ القديم لنتعرف على قصة إيلاف قريش.


معنى الإيلاف

الإيلاف: هو الرخصة المعطاة لشخص أو الأمان أو العهد. ويقول الثعالبي عن معنى إيلاف قريش أنه مبلغاً من المال يُمنح من قبل هاشم بن عبد مناف إلى رؤساء القبائل، في مقابل أن يتعهد هاشم بأن ينقل بضائعهم مع بضاعته سوية، ويسوق إبله وإبلهم ويريحهم من عناء السفر، ومشاق الترحال. أما الجاحظ فيقول عن معنى الإيلاف أنه مشاركة هاشم الأرباح مع رؤساء القبائل من العرب لينظم الدفاع عن أهل مكة ضد اللصوص والقبائل التي لا تحترم قدسية مكة. بينما أرجع المستشرق “بيركلاند” الكلمة في دراسته للمؤرخين العرب إلى معنى الحماية – أي حلف يضمن الأمن.


تاريخ إيلاف قريش

قبل الخوض في الحديث عن بداية نشأة إيلاف قريش لابد لنا أن نُلقي نظرة عن قرب على الظروف السياسية والتاريخية التي أحاطت بهذا الأمر. حيث انقسمت الجزيرة العربية في ذلك الوقت إلى عدة مناطق، وكانت كل منطقة ترزح تحت سيطرة قوة من القوى الرئيسية في ذلك الوقت المتمثلة في الروم والفرس وبيزنطة والحبشة. ففي الجنوب تعاني حمير من سيطرة الحبشة، أما في الشمال فتقبع كل من مملكة الحيرة في اليمن والغساسنة في الشام تحت سيطرة الفرس وبيزنطة على التوالي. وبين هذه القوى المتصارعة رفضت العديد من القبائل الخضوع لأي من هذه القوى وقطنت المنطقة الواقعة بين مملكتي الشمال والجنوب. ومن هذه القبائل كانت قريش والأوس والخزرج والأزد وقضاعة وحمير وغيرهم.

وبضعف الإمبراطورية الفارسية وكسر هيبة النعمان وملوك الحيرة وازدياد هجمات العرب على حدود الإمبراطورية، وقوافل التجارة التي تخضع لحماية ملوك الحيرة، لم يعد طريق التجارة آمناً. ومن هنا ازدادت سطوة قطاع الطرق. مما أدى إلى معاناة التجار من انعدام الأمان أثناء رحلاتهم التجارية.

زيارة هاشم لقيصر الروم

في هذه المرحلة بدأت قوة مكة الاقتصادية تظهر للعلن. ففي رواية محمد بن سلام، أن قريشاً كانوا تجاراً ولم تكن تجارتهم في أي حال تتجاوز حدود مكة. وكان التجار الغرباء يجعلون تجارتهم إلى مكة ويبيعون بضائعهم لقاطني المدينة والقبائل المجاورة. وهذه كانت التجارة حتى جاء هاشم بن عبد مناف، وزار سورية وحل ضيفاً على قيصر الروم ولحكمته وثقافته الواسعة استطاع أن يكون صاحب الحظوة عند قيصر الروم.

واستطاع أن يطلب منه صك أمان لتجارته من مكة إلى بلاد الشام، يؤمن بها على أمواله وتجارة قومه، وكان له ذلك. وباعتبار أن تجارة الصحراء كانت خطرة من دون حماية. والتجار كانوا دائماً عرضة للسلب والنهب من القبائل الأخرى وخصوصاً تلك التي لا تقدس الأشهر الحرم التي يقدسها القرشيين، فما كان من هاشم إلا أن طرح على زعماء القبائل، وعلى وجه التحديد القبائل التي تقع على طريق تجارته، أن يأخذ بضائعهم أو نقودهم ويتاجر بها. وفي طريق العودة، يعيد لهم أموالهم وما عليها من أرباح.

وبهذا العقد والعهد مع القبائل استطاع هاشم بن عبد مناف أن يضمن طرق التجارة وألا يتعرض للسلب والنهب من القبائل باعتبارهم شركاء بالتجارة. وإن لم تكن القبيلة مشاركة ففخذ من أفخاذها له نصيب منها. وبهذا كان الإيلاف بين القبائل من قبل هاشم بن عبد مناف.

وقد روي أن المطلب بن عبد مناف ذهب إلى ملوك اليمن وحصل على نفس العهد. كما ذهب عبد شمس بن عبد مناف إلى الحبشة، وحصل على ذات العهد. وكذلك حصل نوفل أصغر الأخوة على ترخيص من كسرى إمبراطور الفرس. ومن هنا أسس هاشم للإيلاف بين القبائل ودول الجوار. وبذلك تكون قريش قد أمنت تجارتها، وزادت ثروتها، وذلك بفضل بني عبد مناف التي تدين قريش لهم بالفضل في الجاهلية.

اقرأ أيضًا: التوحيد والآلهة المتعددة بين ديفيد هيوم والشيخ محي الدين بن عربي


نتائج إيلاف قريش

يعد إيلاف قريش بمثابة نقلة نوعية لشبه الجزيرة العربية كونها أصبحت مركزاً هاماً للتجارة حتى في ظل القوى المتصارعة والصراعات الدائرة. كما ساهم الإيلاف كذلك في استمرار تواجد السلع التي كان يتعذر وجودها نتيجة لهذه الصراعات. هناك أيضاً ميزة أخرى ألا وهي أن توسيع مدى التجارة ولم يعد الاقتصار فحسب على الشمال والجنوب بل امتد ليشمل الهند ومصر وغيرها من الدول الأخرى.

كما عرفت شبه الجزيرة العربية نتيجة لهذا التوسع الضخم تداول العملات وبالتالي اتساع نشاط الصرافة. أما القبائل العربية التي كانت تمتهن قطع الطرق فلقد تخلت عن ذلك الأمر لما في مصلحتها، بل وزاد إنتاجها بصورة كبيرة لمواكبة هذه التغييرات.

ظاهرة الاعتفاد

أما أهم مزايا إيلاف قريش فهو إنهاء ظاهرة “الاعتفاد”. وكانت هذه الظاهرة شائعة في الجاهلية. حيث يقوم كل من يخسر تجارته من قريش أو يتعرض للسلب وتذهب أمواله بالخروج إلى الصحاري وضرب أنفسهم ومن ثم حبس أنفسهم في الأخبية دون طعام أو شراب حتى يموتوا قبل أن يعلم الناس بورطتهم ولحفظ ماء وجههم. لكن ما إن حدث إيلاف قريش حتى عظم شأن هاشم بن عبد مناف وما قام به.

ويقال إنه جمع قريشاً وقال لهم:

“يا معشر قريش إن العز مع الكثرة، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالاً، وأعزهم نفراً. وإن هذا الاعتفاد قد أتى على كثيركم. وأشار عليهم بأن يلحق بكل رجل غني رجل فقير. فالفقير يعين الغني في ترحاله ويخفف عنه المشاق، ويعيش بفضله، وبفضل أمواله – أي شراكة بالعمل”.

وكان ذلك إنهاءً للاعتفاد. حيث ألف هاشم الناس بهذا الإيلاف، وحفظ ماء وجه كل تاجر خسر تجارته، ومنعه من قتل نفسه. وربما ذات الأسلوب اتبعه حفيده النبي محمد في الإيلاف بين الأنصار والمهاجرين. يقول الشاعر الجاهلي مطرود بن كعب:

الخالطين فقيرهم بغنيهم … حتى يعود فقيرهم كالكافي

ثم يذكر القرآن الكريم سورة قريش:

“لإيلاف قريش. إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”.

نعم أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، فهل الرب المضافة للبيت هي للتذكير بقدسية وحكمة هاشم بن عبد مناف. وفي الختام نرجو أن نكون قد وفقنا في شرح معنى إيلاف قريش، ولماذا تم ذكرها في القرآن الكريم. 


المصدر:

كتاب الحيرة ومكة وصلتهما بالقبائل العربية – م. ج. كستر – ترجمة الدكتور يحيي الجابوري.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك