أهمية التواصل: كيف أصبحنا مخلوقات قادرة على الحلم؟!

You are currently viewing أهمية التواصل: كيف أصبحنا مخلوقات قادرة على الحلم؟!

لطالما كان الإنسان متميزاً عن باقي الكائنات الحية في الطبيعة. حيث أن سلطتنا على الطبيعة لا تضاهيها أية سلطة أخرى. لكن مع ذلك ما الذي يجعل البشر متفردين؟ ما الذي يجعلهم بشر؟ الإجابة على هذا السؤال تكمن في قدرتنا على التواصل فيما بيننا، والقدرة على التعبير عن الأفكار المجردة والخواطر والتفكير بشكل جماعي. لقد قادتنا تلك القدرة الرهيبة على التواصل إلى صناعة حضارات من أعظم الحضارات؛ تكمن أهمية التواصل في الوصول بنا إلى تطور تقني رهيب؛ إلى عصر من المعلومات التي تنتقل بيننا بسرعة الضوء. فما هو تاريخ التواصل؟ وما هي وسائل الاتصال التي ساعدت على تكوين حضارتنا؟

أهمية التواصل

امتلك الإنسان منذ وجوده على هذه الأرض الكثير من الأدوات التي استخدمها للسيطرة على الطبيعة؛ ساعدته هذه الأدوات على التطور وسط المملكة الحيوانية؛ ولكن ما جعله متفرداً هو التواصل؛ ولقد كانت أدوات التواصل التي اخترعها الإنسان هي الموسيقى واللغة والفن والكتابة. حيث ساعدت هذه الأدوات مخيلة الإنسان اللامحدودة على التجسيد، كما منحته  القدرة على التعبير عما يدور بداخله. هذه الأدوات كانت لها أهمية قصوى في طريقه إلى التقدم والرقي فعبرها استطاع نقل معارفه إلى الأجيال اللاحقة. لكن رغم قوة هذه الأدوات فإن لها جوانب مظلمة. فتلك الأدوات قوية لدرجة قدرتها على تشويه إدراكنا المباشر للواقع. كما أن لها القدرة على تدمير وإفساد شعوب كاملة.

تكمن أهمية التواصل في جعلنا نحن البشر ما نحن عليه اليوم؛  لكن كيف كانت البداية؟ ومن أين بدأ تاريخ التواصل؟ كيف أصبحنا مخلوقات قادرة على الحلم، مخلوقات قادرة على التخيل. التواصل هو ما ميز أبناء جنسنا وأوصلنا إلى العصر الحديث، هكذا ارتبط البشر ببعضهم ووصل صوتهم إلى النجوم.

كانت أهمية التواصل كذلك في تقريب العالم الحديث من خلال الاتصالات اللاسلكية، لكن لسنا وحدنا القادرين على التواصل عبر المسافات فالطيور تسطيع ذلك وكذلك النحل وبعض النباتات التي تستخدم مواداً كيميائية، كل هؤلاء لديهم القدرة على التواصل عبر مسافات لكننا نختلف عنهم في أننا الجنس الوحيد الذي يستطيع التواصل عبر الزمن. حيث نرسل الرسائل من جيل إلى جيل، وننقل خبراتنا إلى أحفادنا كي يتعلموا عن أماكن وطرق عيشنا. لابد أن هناك لحظة تاريخية أدركنا فيها قدرتنا على تصوير أفكارنا ومشاعرنا وأحلامنا ومشاركتها مع الآخرين.

اقرأ أيضاً: اكتشاف النار.. أروع قصة مغامرات رُويت على الإطلاق


طرق التواصل: كيف بدأت القصة؟

تطور الإنسان
الإنسان البدائي واستخدام اللغة

سنعود في الزمن لنستكشف بعض اللحظات الحاسمة في تاريخ التواصل بين البشر. لحظات النشوء التي غيرت وجه تاريخنا. قبل 26 ألف سنة قبل الميلاد كان العالم الذي يحيا فيه الإنسان فوضوي وغرائبي، لكن قدرتنا على التواصل عبر الصوت سمحت للجنس البشري بالاستمرار. حيث تم توريث المعلومات والخبرات من جيل إلى جيل عبر الإشارات والتجارب ومحاولة حثيثة للشرح والإيضاح. لكن ظهرت في ذلك الوقت وسيلة من وسائل الاتصال أحدثت هذه الوسيلة فارقاً كبيراً في قدرتنا على التواصل وهي الرسم.

الرسم

واحدة من أهم وسائل الاتصال في التاريخ البشري. لحظة فارقة من اللحظات التاريخية التي ستظل محفورة في وجدان البشرية هي تلك اللحظة التي تم فيها الرسم على جدران الكهوف. في الماضي كان التواصل يتطور ببطيء شديد. لكن المثير في الجنس البشري أنه حاول الحصول على المعرفة والمعلومات والمهارات، ليس ذلك فحسب بل يريد نقلها إلى الأجيال اللاحقة عبر استخدامه للرسم على جدران الكهوف. هذه الوسيلة ساعدت الأجيال اللاحقة في اكتساب خبرات وتجارب الأجيال السابقة. حتى استطاعت اللغة أن تحل محلها لتسرع من وتيرة التطور. ومن ثم انتقل تاريخ التواصل إلى مرحلة جديدة.

اللغة

أدخلت اللغة الجنس البشري في طور جديد من أطوار التطور. حيث شرع الناس في تبادل القصص فيما بينهم، كانت القصص تدور حول العلاقات الاجتماعية وكيفية التفاعل مع مجتمعات أخرى. ثم بدأ الخيال البشري ينساب في سلاسة فظهرت الأساطير وتم نقل هذا التراث الشفهي من جيل إلى جيل عن طريق الإنشاد والغناء ورواية القصص. وقد سارت هذه الأمور جنباً إلى جنب مع الرسم على جدران الكهوف. هذا الابداع الفني كان تحولاً كبيراً في تاريخ تطور البشرية وتاريخ التواصل بين البشر كذلك. لم تستطع بقية الحيوانات في المملكة أن تستخدم رموزاً فنية لإيصال أفكارها كما فعل الإنسان. وهنا كانت أهمية التواصل في تكوين حضارتنا. تظهر العديد من الدراسات أن اختراع الفن قد أعاد حرفياً كتابة أدمغتنا وزاد في المادة الرمادية والبيضاء داخل المخ، وهذا الأمر هو ما زاد من إدراك البشر وجعلهم يفكرون بطريقة أفضل.

الكتابة

إحدى وسائل الاتصال التي غيرت معالم الحضارة الإنسانية. بدأت أشكال الكتاب كلها سواء المسمارية أو الهيروغليفية بالرموز. هذا مفيد بطريقة أو بأخرى لكنه لا يكف للتعبير عن الأفكار. حيث يمكنك أن ترسم بقرة لتقول لنا كم بقرة تريد أن تبيع؟ لكن لا يمكنك أن تقول أريد أن أبيع ثلاث بقرات واشتري أربع وأبادلها باثنتين إضافيتين مع جاري. لذا أنت مضطر للجوء إلى الكتابة في هذه الحالة.

لقد حولنا التواصل من مجموعة بدائية إلى مجموعة ذكية جداً. حيث أصبحنا قادرين على التعيير عن أفكارنا، وعلى مشاركة مشاعرنا عبر القصص والفنون. اخترعنا الأساطير لنستلهم منها وللتسلية. الدين والفلسفة لنجد تفسيراً لهذا العالم ولموقعنا فيه، ولكن رافقت هبة الفن والكتابة والكلام مشاكل سوء التفاهم والسيطرة لغايات سياسية. وظهرت الدعايات الإعلامية لخلق صراعات. لقد منحتنا اللغة القوة العجيبة لإدخال أفكارنا إلى أدمغة الناس الآخرين وهذه القوة جعلت حدوث العالم المعاصر ممكناً.

ما كان كل هذا سيحدث لولا تبادل الأفكار وانتشار المعلومات. إن المعرفة قوة؛  ولأنها كذلك فقد حاول البعض الاحتفاظ بها لأنفسهم، وهكذا يظهر بعض الشجعان المستعدون للموت من أجل تحرير تلك القوة.

الموسيقى

بالنسبة لأجدادنا كانت اللغة والفنون أدوات تواصل لها قوتها، ولكننا نشرنا معارفنا بطريقة أخرى. لقد نشرنا معارفنا عن طريق الايقاع والمشاعر. حيث تطورت أدمغتنا بصورة كبيرة جعلتها قادرة على التقاط الأنماط والتكرار. لذا يجتذبنا الإيقاع والقوافي أكثر من أي شيء أخر. لهذا نقلنا قصصنا عبر الأغاني والموسيقى والرقص. حيث تناقلت الأجيال الحكمة في القصائد، ولقرون استخدم الأفارقة الطبول لإرسال رسائلهم إلى مسافات بعيدة وبانتشار المعارف والأفكار عبر الموسيقى أمست الأغاني هي الأسلوب الأهم في تاريخ التواصل.

لقد أعطت الموسيقى عمقاً للتواصل، كما اتسعت إلى آفاق التعبير عن الذات، بينما منحتنا القدرة على إبلاغ ما يتخطى حدود الوصف. وعبر الإيقاع والمشاعر خلقنا لغة عالمية لا تقف في طريق فهمها حدود الزمان والمكان. حيث لا يخلو مجتمعاً بشرياً من الموسيقى. فالموسيقى موجودة في كل حضارة. وهي التي تصل الأرواح معاً، وتعطي صوتاً للمشاعر وعبرها ازدهر تاريخنا الجماعي. لو أردنا الاستماع لسيمفونية بيتهوفن منذ مائة سنة لكان علينا أن نقصد فرقة موسيقية ونستمع لعزفها، وهذا لم يكن متاحاً لكثيرين، ولكن بعد المذياع ومشغلات الأسطوانات تغير كل شيء. حيث أصبح بإمكاننا الاستمتاع بمعزوفات بيتهوفن ونحن جالسين في منازلنا. كما أصبحت الأفلام والكتب والمعارف على اختلافها رهن أصابعنا، ومع دخول الانترنت في كل شيء لم يعد هناك حدود لمعارفنا. لكن لبعض المعارف قدسيتها. القرآن الكريم، الفيدا، الإنجيل لهذه النصوص وغيرها قوة الإيمان المذهلة. لكنها اليوم في متناول الجميع لكن الأمر لم كذلك دوماً.

اقرأ أيضاً: ابن بطوطة: مغامرات أشهر الرحالة في العالم القديم


أهمية التواصل في عصر المعلومات

وسائل الاتصال
تحكم الإنسان في الكوكب في عصر المعلومات

لقد انطلق سباق الآلات الرقمية وبدأت ثورة الاتصالات لكي تمحي حدود المسافة والزمن، ولكن هذه الثورة لم تكن سوى البداية. فمن بين كل الاختراعات التي أسست لحضارتنا المعاصرة كان الانترنت أهم الانجازات وهو شبكة معقدة من خوادم ضخمة، وأبراج خلوية، وكابلات ضوئية تمتد في المحيطات. إنه أحد أهم المشاريع في تاريخ البشرية. وهو رمز مهم لرغباتنا في التواصل ولكن متى بدأت ثورة عصر المعلومات.

التليجراف

إحدى وسائل الاتصال التي غيرت عالمنا. لقد بدأت ثورة عصر المعلومات بعد اختراع التليجراف الذي ساعد على جمع المعلومات من أرض المعارك التي تبعد آلاف الكيلومترات، وقد بدأ كل ذلك خلال الحرب الأهلية الأمريكية. حيث تم اكتشاف الجذور الأولى للاتصالات اللحظية في أكثر الأفعال البدائية التي تبعدنا عن بعضنا البعض ألا وهي الحرب.

الانترنت

الآن نعيش في وقت تدفق المعلومات والصور والرسوم والاقتباسات كل تلك المنصات المختلفة. ضع صورة أو مقطع فيديو وسوف ينتشر حول العالم في غضون ثوان. لقد تأقلمنا سريعاً مع تلك التقنيات الجديدة، وهذه الأجهزة الخلوية أصبحت بمثابة امتداد لأذرعنا عبر الانترنت. إنها تعرض لنا الأخبار تبعاً لسلوكنا، وتقوم بتحرير رغباتنا وأوقاتها وكيفيتها، وكل ذلك اعتماداً على نقرات.

هناك صلة مباشرة بين الكلمات الأولى التي تبادلها أول البشر وبين الرسائل السريعة التي نتبادلها عبر الانترنت. اليوم لدينا رغبة داخلية في التعبير، لدينا رغبة في التواصل، وفي مشاركة المعلومات. الاتصالات كانت مفتاح استمرارنا لأنها نظمت قدرتنا على النجاة. لقد قادت تطورنا. فلم تكن أعقد المنظومات التي غيرت التقنيات الأساسية في عالمنا المعاصر سوى رؤية بعض أهم الكتاب العباقرة الذين كانوا يمتلكون الخيال الغض.

عالمنا هذا يدور أسرع من ذي قبل. وبداية تاريخ التواصل تبتعد بشدة. فبين أول رسم على جدران الكهوف، وبين أول كتاب مطبوع آلاف السنين. لكن فقط مئة عام فصلت بين الهاتف والخلوي. اليوم هناك مواقع التواصل و140 شخصية لقيادة العالم الحر. تقنيات الاتصال تتطور سريعاً. في الحقيقة من الصعب توقع لحظة يأتي فيها اختراع ثوري جديد.

أهمية التواصل عبر الأقمار الصناعية

الآن لدينا أكثر من 2000 قمر صناعي في مداراتها حول الأرض، وهذا ما يجعل البث التليفزيوني والإذاعي ممكناً. لقد تصور آرثر سي كلارك كاتب الخيال العلمي البريطاني العالم المعاصر قبل أن يصبح حتى حقيقة. فلم يكن هناك أقماراً صناعية، وكل معلوماتنا عن الفضاء شبه بدائية، ومع ذلك رسم سي كلارك مخططات سمحت لنا بزيادة قدرتنا على التواصل. والآن بزغ فجراً جديداً في علم الاتصالات. فنحن البشر دائمو السؤال ونرغب في ادراك ما لا يمكننا رؤيته، ونريد معرفة ماذا يوجد فيما وراء الأفق.

منذ فترة وجيزة كنا عاجزين عن إثبات كواكب أخرى غير تلك الموجودة في مجموعاتنا الشمسية. أما الآن بفضل مهمات الأقمار الصناعية نحن قادرون على تمييز عدة مئات من الكواكب الموجودة في الكون. وقد تم بالفعل إرسال بعض المركبات إلى نهاية الكون للاستكشاف العلمي. ولكن مهمة هذه المركبات الأصلية كانت حل هذا اللغز. وهو هل هناك وجود لكائنات فضائية أم لا؟ لذا نجد أن هذه المركبات تحمل بعض الرموز والإشارات عن مجتمعنا لعل أحد ما في هذا الكون يراها.

نأمل أن تكون الحضارة التي ستراها قادرة على فك رموزها، وأن يقولوا فهمنا تماماً الرسالة التي تريدون إيصالها لنا.

اقرأ أيضاً: الطاقة المتجددة: لماذا أصبحت ضرورة ملحة؟


نحن نعيش الآن وسط ثورة وسائل الاتصال وهي ثورة بأهمية بزوغ اللغة، وخلال عقود قصيرة جداً تخطت قدرتنا على التواصل مع بعضنا حدوداً لم يكن الخيال قادراً على وصفها. هذه محطة فارقة في تاريخ مسيرة البشر فوسائل الاتصال منحتنا القوة للتحكم في الواقع، وبها نستطيع تغيير مفاهيم الجماهير نحو الخير أو الشر. من خلال اللغة والفن والموسيقى ومشاركة ما لدينا مع الآخرين. مما يساهم في ارتقاء حضارتنا بأفكار جديدة. لكن ثورة الاتصالات لا تقف عند حد توحيد العالم والتحكم به بل تهدف إلى الخلود أيضاً. سنوصل رسائلنا إلى الأجيال القادمة متخطين المكان والزمان.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك