علوم

تأثير الكحول: ما يحدث في جسدك بعد كأس الخمر؟

لطالما كان الكحول رفيقًا للإنسان في أفراحه وأحزانه، يتسلل إلى المناسبات الاجتماعية وطقوس الشعوب منذ آلاف السنين. مشروب صغير يمكنه أن يكسر الجليد، ويحرّر اللسان، ويمنح إحساسًا زائفًا بالثقة والانطلاق. لكن ما الذي يحدث في الحقيقة داخل أجسادنا؟ كيف يتحول مصدرًا للبهجة إلى سمٍّ يتسلل بهدوء إلى خلايانا العصبية؟ في هذا المقال، نغوص في عالم الكحول من منظور علمي دقيق، نستعرض تاريخه، وآثاره، وأسرار تأثير الكحول المتناقض على الجسد والعقل.

الكحول في التاريخ والثقافة

يعد الكحول إحدى أكثر المواد المخدرة المستهلكة في العالم إلى جانب الكافيين. وهو موضوع يثير الثناء لدى البعض والغضب لدى البعض الآخر بسبب تأثيراته المتناقضة التي باتت تُفهم الآن بشكل أفضل. لقد صنع الإنسان مشروبات تحتوي على الكحول منذ ما لا يقل عن عشرة آلاف عام. وهو ما نعرفه من خلال اكتشاف جرار البيرة التي تعود إلى العصر الحجري الحديث. وقد أنتجت جميع الثقافات تقريبًا مشروبات كحولية. واعترفت باستهلاكها المعتدل بل وأوصت به، بينما أدانت وحذرت من الإفراط والسُكر.

من التخمير إلى التقطير

تأثير الكحول
كيف تتم عملية التخمير والتقطير؟

تحتوي هذه المشروبات على الكحول الإيثيلي أو الإيثانول. وهو جزيء صغير صيغته الكيميائية (CH3-CH2-OH) ويذوب بسهولة في الماء. ويتم الحصول عليه بترك منتجات مثل الفواكه والتوت والحبوب والعسل وغيرها لتتخمر. حيث تجذب هذه المواد البكتيريا والخمائر (فطريات أحادية الخلية) التي تتغذى عليها، فتحوّل الكربوهيدرات والسكريات الموجودة فيها إلى إيثانول. تعرف هذه العملية باسم التخمير. أما الثورة الكبرى في صناعة الكحول فقد حدثت في القرن الثالث عشر عندما اكتشف الخيميائيون التقطير، فحوّلوا المشروبات المُخمّرة إلى مشروبات مُقطّرة أو روحية.

كيف يتسلل تأثير الكحول إلى الجسد؟

تعزى سرعة ذوبان الإيثانول في الماء إلى آثاره السريعة والعامة في الجسم. عند تناول مشروب كحولي، تمتص جزيئات الإيثانول بسرعة، حيث يمتص 20% منها في المعدة، والباقي في الأمعاء الدقيقة، لتدخل مباشرة إلى مجرى الدم، الذي ينقلها إلى جميع أنسجة الجسم. وتؤثر بشكل خاص على الأنسجة التي تحتاج إلى تدفق دموي كبير، مثل الدماغ. ويتوزع الإيثانول في أنحاء الجسم حتى يصل إلى نفس التركيز في جميع الأنسجة. ويتبخر جزء منه عن طريق التنفس. ولهذا، فإن قياس نسبة الكحول في الزفير يعد مؤشرًا دقيقًا إلى حد ما على تركيز الكحول في أنسجة الرئة، وبالتالي في مجرى الدم.

الدماغ تحت تأثير الكحول

تأثير الكحول والمخدرات على الجهاز العصبي
تأثير الكحول على الدماغ

يؤثر الكحول مباشرة على جهازنا العصبي. وتختلف تأثيراته بحسب كمية المادة الموجودة في الدم. تحفز الكميات الصغيرة من الكحول العديد من الأعضاء، وعندما تتراوح نسبته في الدم بين 0.03% و0.12% نشعر بالاسترخاء، ويزول التوتر، وتزداد الثقة بالنفس، وتخفّ مشاعر القلق وبعض الكوابح النفسية الشائعة، مما يُسهّل التفاعل الاجتماعي.

هذا ما يفسر كيف أن التجمعات الاجتماعية تصبح أكثر “سلاسة” عند استهلاك الكحول. ويحدث ذلك لأن تأثير الكحول يُثبّط المراكز الكابحة في القشرة الدماغية. وهي المنطقة التي تحدث فيها عمليات التفكير والوعي. يتحدث الخجول بثقة أكبر، وقد يشعر الخائف بجرأة أكبر، وتُقال أسرار لم تكن لتقال في ظروف أخرى، وتطلق تعليقات اندفاعية.

ولكن مع ازدياد تركيز الكحول في الدم، يُعطّل انتقال الإشارات العصبية على نطاق أوسع، مما يعيق التواصل العصبي مع العضلات، على سبيل المثال، فيؤدي إلى عدم تناسق الحركات، ومشاكل في التوازن، وتلعثم الكلام. ويعزى هذا التأثير إلى تأثير الكحول على المخيخ، وهو مركز الحركة والتوازن.

نصف نشوة.. نصف سمّ

بين 0.09% و0.25% من محتوى الكحول في الدم، تتحوّل الاستثارة إلى تثبيط.. نشعر بالنعاس.. وتصبح صعوبة فهم الكلام واستيعابه أكثر وضوحًا.. وتضعف الذاكرة.. وتتباطأ ردود الأفعال أو تختفي. كما تتعطل الإشارات العصبية القادمة من المحيط الخارجي، ويحدث تشوش في الرؤية، ويقل الإحساس بالطعم واللمس والألم (ولهذا السبب، قبل اختراع المخدرات الطبية، كان يُلجأ إلى إسكار المرضى قبل إجراء التدخلات الجراحية، من خلع الأسنان إلى بتر الأطراف). ويعزى الشعور بالنعاس إلى تأثير الكحول في جذع الدماغ، الذي يتسبب أيضًا في بطء التنفس وخفض درجة حرارة الجسم.

وعندما تتراوح نسبة الكحول في الدم بين 0.18% و0.30%، تظهر حالة من الارتباك.. ويستمر تعطّل آليات الدماغ.. قد لا نعرف أين نحن.. ويفقد الشخص توازنه بسهولة؛ كما تفيض الانفعالات. وقد يظهر المرء سلوكًا عدوانيًا أو مفرط العاطفة. وعند بلوغ مستويات بين 0.25% و0.40%، لا يعود الشخص قادرًا على الحركة، ولا يستجيب للمحفزات، ولا يستطيع المشي، وقد يفقد الوعي لفترات.

أما عند 0.50% من الكحول في الدم، فيدخل الشخص في غيبوبة كحولية، مع فقدان للوعي.. وضعف في ردود الفعل، وبطء شديد في التنفس. وفوق 0.50%، يصبح التنفس بطيئًا إلى درجة التوقف، ما يؤدي إلى الوفاة.

يحدث كل ذلك لأن للكحول تأثيرات متناقضة على الجهاز العصبي. فمن جهة، يعوق إطلاق مادة الجلوتامين، وهي ناقل عصبي منشط يزيد من نشاط الدماغ. ومن جهة أخرى، يعزز من تأثير حمض الغاما أمينوبيوتيريك، وهو ناقل عصبي مثبط يهدئ من نشاط الدماغ. وهذا هو نفس المفعول الذي تقوم به أدوية القلق مثل الديازيبام، حيث تعمل على زيادة تركيز الغاما أمينوبيوتيريك في الجهاز العصبي.

كيف يخدعنا تأثير الكحول بالسعادة؟

هرمونات السعادة
تحفيز هرمونات السعادة

يحفز الكحول إطلاق مادة الدوبامين، وهي المسؤولة عن تنشيط مراكز المكافأة واللذة في الدماغ. وكلما زاد الدوبامين، شعرنا بإحساس أفضل. ومركز المكافأة في الدماغ هو مجموعة من المناطق التي تنشط عند ممارسة أي نشاط ممتع: كمشاهدة فيلم، أو التواجد مع من نحب، أو تعاطي المخدرات، أو الاستماع إلى الموسيقى.

إن شرب الكحول يغيّر التوازن الكيميائي في الدماغ ويمنح شعورًا بالرضا. وهو العامل الأساسي وراء إصابة حوالي 10% من الرجال و5% من النساء الذين يشربون الكحول بالإدمان عليه.

رغبة جنسية بلا قدرة

هذا التأثير المتناقض مسؤول عن تأثير شائع: مع انخفاض الكوابح تزداد الأفكار الجنسية، لكن في الوقت نفسه تثبط مراكز الإثارة الجنسية في منطقة تحت المهاد المسؤولة عن الاستثارة والقدرة على ممارسة الجنس. أي أن الرغبة تزداد، لكن القدرة تقل.

يتم استقلاب الكحول عبر تحوله أولًا إلى أسيتالديهيد، وهو سم قوي مسؤول عن الكثير من أعراض “صداع الكحول”. ثم يتحوّل لاحقًا إلى جزيئات من حمض الأسيتيك (الخل). أما بقية أعراض الصداع فتعود إلى استقلاب الإسترات والألدهيدات، وهي المواد التي تمنح بعض المشروبات الكحولية طعمها، ورائحتها، ولونها المميز.

في نهاية المطاف، لا يمكن إنكار أن تأثير الكحول بالغ التعقيد على أجسامنا ونفسياتنا، يجمع بين الإغواء والخطر، بين لحظات التحليق وساعات الندم. فهمنا العلمي المتزايد لما يفعله الكحول داخل أجسامنا يجب أن يكون دعوة للتفكر، لا للمنع أو الوعظ، بل لاختيار واعٍ يوازن بين المتعة والضرر، وبين الحرية والمسؤولية.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!