التفكير في الماضي: دَعِ الزانية على ضفة النهر
نحن جميعًا نمضي في الحياة، وكل منا يحمل ذكرياته وتوقعاته وآماله الخاصة، لكن كثيرًا ما ننسى أن اللحظة الوحيدة التي نملكها حقًا هي الآن. بمرور الوقت، قد نتعلم كيف نتخلص من التعلق بالماضي والمستقبل، ولكن ذلك يتطلب منا ممارسة الوعي والانتباه لتفاصيل لحظاتنا اليومية. الكتابة، التأمل، والقدرة على التوقف والتفكير يمكن أن تكون مفاتيحنا لتخفيف الضغوط والتوصل إلى السلام الداخلي. لذا، لا تترك نفسك أسير التفكير في الماضي، بل عش في الحاضر، لأنه ببساطة هو كل ما تملكه.
لم يتبق لك سوى ثلاث ساعات
الغرفة مظلمة تمامًا، لكن أعيننا تبدأ بالتأقلم تدريجيًا مع الظلام. تظهر بعض الأشكال في الخلفية السوداء بدرجات من اللون الرمادي. أول ما نراه، بالقرب من الباب، هو شكل كبير ومستطيل، إنها طاولة فوقها بعض الكتب. على اليسار يوجد قطعة أثاث أخرى أقل ارتفاعًا مع تلفاز، وفي الجهة الأخرى يوجد السرير. هناك شخص مستلقي على السرير يحاول النوم. هذا الشخص هو أنا.
أعلم أن هذا التمرين المتمثل في الخروج من الجسد للقيام بجولة في المشهد معكم هو أمر غير تقليدي، لكن في الواقع، يمكن أن يكون الشخص الذي على السرير أيّ أحد. قد تكون أنت، أو هو، أو هي. لا يهم الضمير لأن هذه حالة مررنا بها جميعًا دون استثناء.
الشخص الذي على السرير، أي أنت، مغطى حتى الأذنين بالبطانية، ومع المكيف، والظلام التام، قد يظن المرء أن الظروف مثالية تمامًا للنوم. لكنك لا تنام. أنت مستيقظ. من وقت لآخر تغير وضعيتك، تمدد الغطاء، أو ترتب الوسادة، وتواصل محاولة النوم.
لو كان هذا المشهد ضمن قصة مصورة وكان لشخصيتك فقاعة تفكير على شكل غيمة، لكنا رأينا داخلها كل أنواع الأمور. شيء عن امتحان شفهي لديك صباح الغد. جملة أو اثنتان قالها لك أحدهم في المكتب. البريد الإلكتروني الذي أرسله صديق يلومك فيه على شيء. أو الرد المثالي الذي خطر ببالك الآن، بعد أن جاء متأخرًا عشر ساعات، على تعليق قاله مدرس اللغة الإنجليزية أمام الجميع. بين الحين والآخر، تمر عبارة تحذيرية عبر الغيمة: “عليك أن تنام! لم يتبقَّ لك سوى ثلاث ساعات!”..
البهلوانيات الذهنية

اكتشفت مؤخرًا أنني لا أعاني من الأرق. حالتي أكثر عمومية وأقل غموضًا، وهي ما أحب أن أسميه “البهلوانيات الذهنية”. إنه اضطراب في ترتيب الأفكار يتجاوز مسألة النوم، بل يغمر تقريبًا كل نشاط نقوم به. يتجلى في أمر بسيط لدرجة أن أحدًا ربما لم يفكر في اعتباره اضطرابًا. البهلوانيات الذهنية تعني أن الأفكار لا تتوافق مع الأفعال.
لنفهم الأمر: أنا أقوم بشيء ما بينما أفكر في شيء آخر. أي أنك حين تقوم بفعل يتطلب انتباهك، تكون في الحقيقة تفكر في مشاكل وسيناريوهات لا علاقة لها بما تفعله في اللحظة.
جزء من المشكلة هو أن الأفعال التي نقوم بها في الحاضر محدودة (في كل ثانية لا يمكننا القيام سوى بشيء واحد). لكن المساحة الذهنية التي نخصصها للقمامة غير محدودة، مثل صندوق موسيقى المآسي الذي يدور في رأسك بلا توقف. من المستحيل الاستمتاع باللحظة عندما تدور في رأسك قائمة بأفضل 40 مأساة! أقصد أغنية، علاوة على ذلك، عندما تقسم انتباهك بين أربع مهام مختلفة، فإنك لا تتقن أيًّا منها.
إذا كنت تفكر في امتحان وأنت تحاول النوم، فالأرجح أنك لن تنجح في أي منهما. لا يمكنك حل الامتحان في الساعة الثانية صباحًا وأنت في سريرك، لكن يمكنك بالفعل أن تغفو أثناء الامتحان غدًا.
التفكير في الماضي وخطوط الزمن

أنا لا أفهم في الرسم أو التصوير الفوتوغرافي. ليس لأنني لا أحبهما، بل لأنني لا أفهم كيف أتعامل معهما. على عكس الموسيقى أو السينما أو الأدب، لا أعرف كم من الوقت يفترض بي أن أقضيه في المشاهدة. أعني، أن الرسم والتصوير لا يُخْتَبَران عبر الزمن، وهذا يجعل من الصعب عليّ أن أفهم كيف أستمتع بهما.
وهذا ليس غريبًا جدًا. فكلنا نواجه مشاكل في التعامل مع الزمن. وعينا لا يجد سهولة في معالجته. الكثير من الأنشطة التي نقوم بها تهدف إلى إعطاء الزمن شكلًا أو هيكلًا. وإلا فإننا لا نعرف ما الذي ينبغي علينا فعله.
لهذا السبب يحتفظ الوعي بمخزون من المشاكل داخل صندوق الموسيقى خاصته لتلك اللحظات. يُخرج واحدًا منها حين يشعر بالحاجة إلى تنظيم الزمن. نحن نعتقد أن المشاكل التي يلقيها علينا الصندوق تهمنا، فنقع في فخ الوعي، ونمضي وقتًا جيدًا في تحليل الإيجابيات والسلبيات، والسيناريوهات البديلة، وما إلى ذلك، دون أن ندرك أن كل هذا مجرد استراتيجية لإبقائنا مشغولين.
في الحقيقة، نحن نعمل وفق خطَّيْ زمن مختلفين. الخط الأول هو خط الفعل… في هذا الخط توجد الأفعال التي نقوم بها في اللحظة التي نقوم بها. أنت الآن، على سبيل المثال، تقرأ هذا. وأنا أكتبه، رغم أنه في اللحظة التي تقرأ فيها أنت، لن أكتبه مرة أخرى، بل سأكون منشغل بشيء آخر. خط الزمن الخاص بالفعل هو حاضر دائم، لا ماض له ولا مستقبل.
أما الخط الثاني: “خط الزمن العقلي”، وفيه كل ما لا يحدث الآن: الذكريات، التوقعات، الندم، الأحلام، وحتى الفخر والفرح. هذا الخط هو ما يجعل العقل دائم الانشغال، ويصعّب علينا العيش في الحاضر.
دَعِ الزانية على ضفة النهر

كان راهب وتلميذه في رحلة حج عبر الجبال. وعند ضفة نهر، صادفا زانية طلبت منهما مساعدتها لعبور النهر. فحملها المعلم على ظهره وعبَر بها النهر، وتركها على الضفة الأخرى. ودّعتهم الزانية وتابعت طريقها، وكذلك فعل الرهبان.
بعد ساعات، سأل التلميذ معلمه: “لماذا حملت الزانية عبر النهر؟ ألم تنس أننا لا يجوز لنا لمس النساء، ناهيك عن نساء كهذه؟”
فأجابه المعلم: “لقد تركت الزانية عند ضفة النهر، أما أنت فما زلت تحملها”..
هناك مشاكل تتبعنا عبر الزمن. فحتى لو وجدنا حلًا عمليًا لها، هناك جانب داخلي منها منفصل عن الجانب العملي، ونحن نتشبث به. إنه نوع من التعلّق بالمواقف يجعلنا نحملها معنا لفترة طويلة.
أعرف امرأة وصلت إلى منصب رفيع في أحد البنوك، ثم تم فصلها. وبعد فترة وجيزة وجدت عملًا آخر ولم يكن سيئًا. مرّ على ذلك عشرون عامًا، لكنها ما زالت تتحدث عن مشكلتها حتى اليوم. وأعرف أيضًا رجلًا خان زوجته مع أخرى منذ ست سنوات. وقررت أن تستمر معه، وبالرغم من أنها قبلت اعتذاره، إلا أنها لم تغفر له في داخلها أبدًا. وحتى اليوم، تحمّله مسؤولية تعاستها.
ترتبط هذه المشاكل بالتمسك بالماضي والتفكير في الماضي. عندما تكون عقولنا عالقة في الماضي، فإننا نُبقي على المشاكل، ونواصل حمل الزانية، ونقارن واقعنا بحاضر ماضٍ أفضل، أو نأسف على إهانات كان ينبغي أن ننسى أمرها. كما يمكننا أن نُعلّق أنفسنا في المستقبل حين نبني توقعات خيالية لا تتحقق.
أسباب التفكير في الماضي

إن المشاكل التي نستمر في حملها عبر الزمن لها مصدران رئيسيان:
1 – التوقعات
نحن نكوّن فكرة واضحة عمّا سيحدث، أو عمّا نريد أن يحدث. نبني خيالًا ونحاول فرضه على الواقع. وعندما يُظهر لنا الواقع أننا مخطئون، وأن ما نعيشه كان وهمًا، نشعر بالإحباط.
يحدث هذا مع الخطط المستقبلية، لكنه يحدث أيضًا مع أفكار نعتبرها مسلَّمات. كانت الموظفة التنفيذية في البنك تعتقد أن أداءها الجيد في العمل يكفي لتبقى في وظيفتها مدى الحياة. آمنت بخيالها إلى درجة أنها بنت هويتها كلها حول عملها، وحياتها كانت تدور حوله. وعندما تم طردها لم تعرف كيف تتعامل مع الأمر. وجدت وظيفة أخرى (حلّت المشكلة من الناحية العملية)، لكنها لم تتحرر من المشكلة داخليًا، وما زالت تحملها حتى اليوم.
ينطبق الأمر نفسه على الزواج والخيانة، أو على توقعاتنا من الحياة. الناس الذين يظنون أنهم سيكونون في مكان معين في وقت معين يعتقدون أن مجرد التخطيط والنيّة يكفيان للوصول إلى الهدف. هناك آباء يعتقدون أن عليهم “دفع” أبنائهم نحو النجاح كما لو كانوا قذائف.
إن رسم التوقعات يشبه كتابة سيناريو للحياة، وعندما لا تتبع الحياة ذلك السيناريو نشعر بالضيق. تلك الفكرة بأننا لا نملك السيطرة على ما يحدث هي ما يولد القلق والتوتر.
2 – عدم اليقين
المصدر الثاني هو عدم اليقين. عندما لا نعرف كيف ستنتهي الأمور، عندما لا نملك أي فكرة عمّا سيحدث.
وهذا من الأسباب الأخرى التي تبقينا مستيقظين في الليل. لا تعرف ما الأسئلة التي ستُطرح عليك غدًا في الامتحان، ولا تعرف كيف ستجيب، ولا الدرجة التي ستحصل عليها، ولا ما التخصص الذي ستدرسه، أو في أي جامعة، لا تعرف إن كنت ستحصل على وظيفة أو لا، لا تعرف ما الذي تريد فعله في حياتك، أو أين “ينبغي” أن تكون.
وفي النهاية، كلا المصدرين يؤديان إلى نفس النتيجة: الخوف من العيش دون ضمانات، وعدم القدرة على التنبؤ بما سيحدث. الدواء الوحيد لهذا القلق هو أن نتعلّم جعل خطي الزمن يتطابقان: أن تتعلم عقولنا العيش في الحاضر، وأن تتزامن مع عالم الأفعال. يبدو ذلك سهلًا، لكنه يتطلب انضباطًا وهدوءً داخليًا.
كيف تصبح الهدايا خدمات؟

أنا أكره كلمة “خدمة”. إنها كلمة منافقة. الناس الذين يقدمون “خدمات” يظنون أنهم يفعلون ذلك من باب الطيبة، يظنون أنهم لا ينتظرون شيئًا في المقابل. لكن في الحقيقة، قلّة فقط هم من يقدمون خدمة دون أن يتوقعوا مقابلًا. بعضهم يقدم خدمات طمعًا في معاملة تفضيلية لاحقًا. وبعضهم يريد أن يصير لا غنى عنه. وهناك من يقدم خدمات ليسيطر على الآخر. وهناك من يعترف صراحةً أنه إن قدّم لك خدمة فسوف يطلب منك مقابلها لاحقًا.
كان نيتشه يقول إن المرء لا يجب أن يقبل بالخدمات، لأن من يمنحك إياها يريد فقط أن يشنقك بحبل امتنانك. أما بودريار فكان يقول إن الطريقة الوحيدة لردّ الخدمة هي بالانتقام. وأنا أعتقد أن الحفاظ على عقل إنسان واحد نظيفًا ومرتبًا مهمة صعبة بحد ذاتها، أما الحفاظ على عقول عدة أشخاص معًا، وجعلها متزامنة، فهذه مهمة شبه مستحيلة. لهذا السبب، من الصعب جدًا أن تجد صديقًا حقيقيًا، وإن وجدته، فاعتبره من بركاتك التي تستحق الامتنان.
ما تكتبه في الدفتر

عندما تختلط توقعاتك بتوقعات الآخرين، تكون قد خلقت وصفة مثالية للفوضى. لديّ صديق يسجّل في دفتر ملاحظاته كل ما يفعله من أجل الآخرين. ما أهداك إياه في عيد ميلادك قبل ثلاث سنوات، المرة التي أعارك فيها حقيبة، عندما أوصلك بسيارته إلى محطة المترو.
صديقي الأخر يضحك ويقول: “أنا من المستحيل أن أكون قادرًا على امتلاك دفتر كهذا، فهذا يحتاج إلى صبر عظيم”. وهو محق، لكنه في الواقع يملك دفترًا أسوأ، داخل عقله، يسجّل فيه كل ما يفعله الآخرون من أجله. يعرف بتفاصيل دقيقة من هنأه بعيد ميلاده على فيسبوك (ومن لم يفعل)، يعرف من وقف بجانبه عندما مات والده ومن لم يفعل، يعرف كم عدد المكالمات التي لم يرد عليه في صديقه..
الاحتفاظ بحسابات مثل هذه هو اعتداء على ذاتك. كل شيء تكتبه في دفترك يسلب منك راحة بالك. كل صفحة تشبه أسطوانة في صندوق الأغاني، وستعود لتؤرقك حين تتقلّب في السرير تحاول النوم. حين تسجّل ما تفعله من أجل الآخرين، تتحول هداياك إلى خدمات. وحين تسجّل ما يَدِين به الآخرون لك، تكون أنت من يدفع الثمن.
الحفاظ على التوازن في الصداقات يتطلب قدرة عالية على التنظيم. أن تعرف كيف تضع كل شيء في مكانه الصحيح. تنهار معظم الصداقات للأسباب نفسها: التوقعات، وعدم اليقين. لذا فإن تعلّم كيفية التعامل معهما لن يهدّئ عقلك فحسب، بل سيحسّن علاقاتك مع الآخرين أيضًا.
ماذا تفعل للتخلص من التفكير في الماضي؟

لقد قضيت بعض الوقت وأنا أقاوم هذين الشعورين (التوقعات وعدم اليقين)، وأظن أنني توصلت إلى بعض الأفكار التي قد تكون مفيدة في تعلّم كيفية ترك المشاكل خلفك. وكما أقول لكم دائمًا، هذه ليست وصفة سحرية، ولا خطة مثالية. لا أعد بنتائج مؤكدة، لكن التجربة لا تضر، وربما تنفعك.
1 – لا تأخذ الأمور على محمل شخصي.
لا مع الواقع، ولا مع أصدقائك. إن تم طردك من عمل، أو لم يتم توظيفك رغم أنك أدّيت جيدًا في المقابلة، إن حضر أحدهم جنازة والدك أو لم يحضر، إن نسي أحدهم عيد ميلادك… لا تأخذ الأمر كإهانة. إن شعرت بالإهانة، فذلك لأنك كنت تملك توقعًا لم يتحقق. الخطأ خطؤك، لا خطأ الواقع ولا صديقك. تعلّم من الواقع، وتكيّف معه، ولا تتوقّع أن يتكيّف هو معك.
2 – ابحث عن الفعل ذاته.
أن تقوم بالفعل هو امتياز، وثمار أفعالك ليست ملكًا لك. لا تستخدم الثمار كدافع للفعل، لأن هذا سيقودك إلى الإحباط فقط.
3 – لا تُسجّل شيئًا على الإطلاق.
إن فعلت، فأنت تربط نفسك بالماضي.
4 – حَلّ مشاكلك داخليًا.
لا تحمل العاهرة على ظهرك. حين تحلّ مشكلة ما في العالم الخارجي، خذ وقتًا لتحلّها داخليًا أيضًا، وتأكد أنها لن تصبح واحدة من “أغانيك” في صندوق الذكريات المزعجة.
5 – لا تتخيّل مستقبلك بخيالات زائفة.
أنت لا تملك السيطرة على ما سيحدث. لا تضع نفسك في موقف يجعلك غير قادر على الشعور بالسعادة بما تملكه الآن. إن قضيت نصف حياتك تحلم بأنك ستفوز بجائزة نوبل، فالاحتمال الأكبر هو أن تعيش خيبة أمل ضخمة.
6 – لا تُضحّي من أجل الآخرين.
كن صادقًا مع نفسك ومع الآخرين. إذا لم تفعل شيئًا لا ترغب في فعله، فلن تتوقّع شيئًا من أحد، ولن تكون جزءًا من ألعاب الآخرين.
ربما لا يمكننا إيقاف تيار الأفكار تمامًا، ولا كبح قلقنا من المستقبل أو حنيننا للماضي، لكن يمكننا أن نتعلم التوقف، أن نراقب هذا التيار بدل أن ننجرف فيه. أن نسأل أنفسنا، في لحظة صمت: “أين أنا الآن؟” ونعيد ترتيب خطي الزمن داخلنا ليصطفا مع وقع خطواتنا في العالم الحقيقي. فالحياة لا تنتظر أن نكمل حساباتنا، ولا تتوقف لتتوافق مع تصوراتنا. هي تمضي ببساطة، ونحن نملك خيارًا وحيدًا: أن نكون حاضرين فيها قدر ما نستطيع.













