علوم

الكويكبات بين العلم والخيال ونهاية العالم

تسبح ملايين الصخور السماوية في فضاء شاسع بين المريخ والمشتري. وتبدو، للوهلة الأولى، كأنها فتات منسية من مائدة خلق الكون. هذه الكويكبات، التي اعتبرها البعض مفاتيح لفهم نشأة النظام الشمسي، تثير في المقابل قلقًا لا يخلو من المبالغة بشأن خطر اصطدامها بكوكب الأرض. وبين العلم والخيال، وبين الرصد الواقعي والسيناريوهات الهوليوودية، تتكشف لنا حكاية معقدة من البيانات والفرضيات، من الخوف والمعرفة. دعونا نستكشف حكاية الكويكبات منذ البداية..

ما هي الكويكبات؟

الكويكبات هي حزام من الأجسام الفلكية الصغيرة التي تقع بين كوكبي المريخ والمشتري، والتي يعتقد أنها بقايا تشكل نظامنا الشمسي. تقدر أعداد هذه الصخور، بحسب أحدث الحسابات الفلكية، بما بين مليون إلى مليوني كويكب، تتفاوت أحجامها من مجهرية إلى قطر ألف كيلومتر، كما هو حال “سيريس”، أكبرها.

يعتقد علماء الفلك أن هذه الأجسام لم تتكون ككوكب مثل الكواكب الأخرى بسبب قوة الجاذبية الهائلة لكوكب المشتري. وقد تم اكتشاف أول كويكب، وهو سيريس، في عام 1801 على يد “جوزيبه بيازي” في باليرمو، صقلية. ومنذ ذلك الحين تسارعت وتيرة الاكتشافات، خاصة بعد إدخال التصوير الفلكي في أواخر القرن التاسع عشر. وحاليًا، يُكتشف ويُوصَف نحو 5,000 كويكب جديد كل شهر.

الكويكبات في الخيال العلمي

حزام الكويكبات
الكويكبات في الخيال العلمي

أسرت الكويكبات خيال البشر منذ لحظة اكتشافها. وافترضت بعض النظريات الأولى أن حزام الكويكبات هو بقايا كوكب كان موجودًا بين المريخ والمشتري في الماضي، مما فتح الباب أمام الكثير من التصورات المثيرة في أدب الخيال العلمي. وفي السينما، غالبًا ما يستخدم حزام الكويكبات كخلفية لمشاهد مطاردات فضائية بأسلوب أفلام الشرطة. حيث يصور الكويكبات وكأنها متقاربة جدًا من بعضها، وهو أمر لا يحدث في الواقع.

يقدم حزام الكويكبات أيضًا في الخيال العلمي كموقع لعمليات تعدين تمد الأرض، التي استنزفت مواردها، بالخامات. وبعد أن اقترح الفيزيائي “لويس ألفاريز” أن انقراض الديناصورات في العصر الطباشيري ربما كان سببه اصطدام جزء من كويكب بكوكبنا – يرجح أنه تسبب في فوهة “تشيكسولوب” في شبه جزيرة يوكاتان – أصبحت الكويكبات موضوعًا محوريًا في كل أنواع القصص المروعة، سواء كانت خيالية أم مدّعية للواقعية، خاصة بعد صدور فيلم أرمجدون، الذي أبدع في التأثير الدرامي، لكنه – بحسب العلماء – افتقر بشدة إلى الدقة العلمية.

الكويكبات القريبة من الأرض

القيمة العلمية للكويكبات هائلة، إذ يمكنها أن تروي لنا قصة النظام الشمسي وتساعدنا على فهم الكون بشكل أفضل. لكن هناك مجموعة محددة من الكويكبات تثير اهتمام الإعلام في الآونة الأخيرة: الكويكبات القريبة من الأرض. في هذا السياق، فإن مصطلح “قريب” هو مصطلح فلكي، أي يقاس بوحدات فلكية. حيث إن “الوحدة الفلكية” تساوي المسافة بين الأرض والشمس، أي نحو 150 مليون كيلومتر. وبالتالي، يعد “جسم قريب من الأرض” أي جسم يمر على مسافة تقل عن 1.3 وحدة فلكية، أو 200 مليون كيلومتر من كوكبنا، ويجب مراقبته تحسبًا لخطر اصطدام – وإن كان ضئيلاً. بالفعل، تسقط على الأرض سنويًا العديد من النيازك، لكن معظمها صغير جدًا ويتفكك في الغلاف الجوي، ولا يصل إلى السطح إلا القليل منها، يتراوح حجمه بين حبّة برد وكرة سلة.

مقياس تورينو للمخاطر

ماهي الكويكبات؟
مقياس تورينو للمخاطر

وعلى الرغم من أن احتمال الاصطدام منخفض جدًا، فإن الحكومات والمنظمات العلمية تبذل جهودًا لتصنيف هذه الأجسام القريبة من الأرض وتقييم مخاطرها. ولهذا الغرض، وضعت أدوات مثل “مقياس تورينو” للمخاطر، الذي اعتمده العلماء المتخصصون في هذه الأجسام.

يجمع هذا المقياس بين الاحتمال الإحصائي لاصطدام الجسم بالأرض وبين الأضرار المحتملة الناتجة عن طاقته الحركية (الكتلة والسرعة). ويصنف المخاطر من 0، التي تعني أن الاحتمال ضئيل جدًا أو أن الجسم صغير جدًا ليسبب ضررًا، إلى 10، والتي تعني يقينًا تامًا بالاصطدام بجسم كبير بما يكفي لإحداث كارثة عالمية كتلك التي قضت على الديناصورات. ويتغير تقييم المخاطر على هذا المقياس مع توفر بيانات جديدة من الرصد الفلكي.

يفسر هذا التغير في التقييم، على سبيل المثال، سبب أن الكويكب “أبوفيس“، الذي سيقترب من الأرض في 13 أبريل 2029، كان قد صُنف سابقًا في المستوى 4 على مقياس تورينو. لكنه يصنف حاليًا في المستوى 0، وهو نفس تصنيفه لمروره الثاني في عام 2036. بعكس ما تروجه بعض التقارير التي تزعم وجود خطر اصطدام. وفي الوقت الحالي، وبحسب ما نعرف، فإن الجسم الوحيد القريب من الأرض الذي لديه تصنيف أعلى من صفر على هذا المقياس هو الكويكب المسمى DA 1950. حيث صنف في المستوى 1 لاحتمال اقترابه من الأرض في 16 مارس 2880.

كيف نمنع الاصطدام؟ حلول بين الواقع والخيال

معلومات عن الكويكبات
الخطر الوشيك لاصطدام الكويكبات بالأرض

وعلى الرغم من أن العلم لا يدعم حاليًا التنبؤات بكوارث خلال العقود المقبلة، فإن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أنشآ مجموعات لرصد الأجسام القريبة من الأرض بالاستفادة من عمليات الرصد الفلكي اليومية حول العالم. وشرعا في تحليل استراتيجيات مختلفة لتحييد كويكب قد يكون خطيرًا.

ومن بين المقترحات السينمائية المثيرة – مثل تفجير كويكب باستخدام أسلحة نووية حرارية – نجد أنها غير قابلة للتطبيق عمليًا. ليس فقط بسبب الكتلة الهائلة التي تملكها هذه الأجسام، بل لأن تدميرها قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة.. إذ قد تتحول الشظايا التي يزيد طولها عن 35 مترًا إلى أخطار جديدة يصعب التنبؤ بها، وقد تعد بالآلاف. ومن بين البدائل الأخرى: الاصطدام المباشر بمركبة فضائية (كما في مشروع “دون كيخوته” الذي صممته وكالة الفضاء الأوروبية في يوليو 2005). أو تثبيت دافعات على الكويكب لتغيير مساره بلطف وبشكل يمكن التحكم فيه، إلى جانب العديد من المقترحات الأخرى.

أول هبوط بشري على كويكب

في 12 فبراير 2001، هبطت مركبة “نير شومايكر” التابعة لوكالة ناسا بسلاسة على سطح الكويكب “إيروس”، ثاني أكبر الكويكبات القريبة من الأرض، بعد أن دارت حوله 230 مرة وصوّرت سطحه بدقة.. مما وفر كمًا هائلًا من البيانات حول تاريخ هذا الكويكب وتطوره، من خلال الملاحظات التي التقطها مطيافها لأشعة إكس، قبل أن تصمت إلى الأبد في 28 فبراير من نفس العام. ومع ذلك، لا يزال تحليل البيانات التي جمعتها مستمرًا حتى اليوم.

رغم أن الكويكبات لا تشكل تهديدًا وشيكًا للبشرية، فإنها تظل تحت المجهر العلمي، مراقبة بدقة، ومحفزة لعقول الباحثين وصنّاع القرار. وبين احتمالات الاصطدام، وأحلام التعدين الفضائي، ورغبة الإنسان في السيطرة على قدره الكوني، تظل هذه الأجسام الصخرية الصغيرة رسلًا صامتة من ماض سحيق، تهمس لنا بأسرار تكوين الأرض والسماء، وتذكرنا دومًا بهشاشة وجودنا وسط كون عظيم.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!