رواية عزازيل: كل المهرطقين هنا، كانوا مبجلين هناك!

You are currently viewing رواية عزازيل: كل المهرطقين هنا، كانوا مبجلين هناك!

لطالما أثار يوسف زيدان الجدل سواء بتصريحاته وآراءه حول الأديان والمعتقدات، أو بآرائه اللاذعة وانتقاده للعديد من الرموز التاريخية. وتعد رواية عزازيل الفائزة بجائزة البوكر العربية واحدة من رواياته التي نالت حظها من هذا الجدل والنقد؛ والأسباب التي جعلتها كذلك هي تناولها لقضية مسيحية حساسة وهي طبيعة المسيح. لكن لم ينتقدها معتنقو الديانة المسيحية لذلك السبب فحسب، بل لأفعال بطل الرواية الراهب الذي غرق في شهواته. لكن قبل الحديث عن كل تلك الأمور لنتعرف سوياً على ما تحمله قصة يوسف زيدان.

ملخص رواية عزازيل

تدور أحداث رواية عزازيل حول راهب مصري يدعى هيبا يشق طريقه في رحلة طويلة من صعيد مصر إلى الإسكندرية ليلتحق هناك بالكنيسة من اجل دراسة الطب واللاهوت. يرحل الراهب الذي فقد والده الصياد الوثني البسيط الذي يعتنق الديانة المصرية القديمة والمتزوج من امرأة مسيحية بعد أن قُتل على أيادي بعض المسيحيين المتشددين حينما كان يقدم نذوره إلى معبد الإله أخنوم.

لدى وصوله الراهب هيبا الإسكندرية شاهد البحر الخضم، وأغرته مياهه وجماله ليبحث عن مكان على الشاطئ بعيداً عن أعين المتطفلين لينعم ببعض اللحظات وسط المياه الزرقاء المالحة التي لم يعتد عليها في وطنه، ولكنه وهو وسط البحر لمح على البعد امرأة تقف ملوحة له على الشاطئ. انتابه القلق والتوتر ولعبت به الأمواج حتى كاد أن يغرق، لكنه وصل بعد معاناة إلى الشاطئ منهكاً.

أوكتافيا

ارتمى على الشاطئ فإذا بتلك المرأة تأتيه لتصحبه معها إلى مغارة صغيرة ليأكلا معاً بعض الأطعمة التي احضرتها. ثم اصطحبته معها إلى قصر منيف على الشاطئ لأحد التجار الأثرياء. وهناك علم الكثير عن أوكتافيا، تلك المرأة التي تعمل خادمة عند سيدها الثري. وقد أخبرت هيبا أنها تنتظره منذ سنوات أن يأتي به إله البحر بوسيدون إلى عتبة بابها وفقاً لما قالته لها العرافة. ومنذ ذلك الحين وهي تأتي إلى ذلك المكان لعل البحر يُلقي إليها ما تتمناه. عاش هيبا مع أوكتافيا ثلاثة أيام استمتع معها بكل صنوف وفنون اللذات حتى أخبرها في اليوم الأخير أنه راهب مسيحي أتى إلى الإسكندرية للدراسة وخدمة المسيح في الكنيسة. نزلت هذه الأخبار عليها منزلة الصاعقة وهي المرأة الوثنية التي تكره معتنقي هذه الديانة الذين دمروا مدينتها وحياتها وقتلوا زوجها. وفي تلك اللحظة اشتاطت غضباً وألقت به إلى خارج القصر بلا رجعة.

الفيلسوفة هيباتيا في عزازيل

خلال طريقه إلى الكنيسة تطرق إلى أسماع هيبا الكثير من الأخبار عن فيلسوفة عظيمة تُلقي محاضرات عن الفلسفة والرياضيات. قرر أن يذهب إليها ليستمع إلى تلك المرأة التي خلبت العقول والألباب. وحينما رأها في شموخها وعليائها وجمالها فتن بها وبعلمها الواسع الغزير. لكن علاقة الفيلسوفة هيباتيا برجال الكنيسة لم تكن على ما يرام. فهي تتناول الكثير من الأفكار الفلسفية والدينية الشائكة التي ترفضها المسيحية. أصابت الحيرة هيبا بين أمنياته بحضور تلك المحاضرات وبين كونه راهب مسيحي.

وفي ذلك الوقت الذي اشتدت فيه الخلافات بين آراء الكنيسة وبين آراء الفيلسوفة، انطلق الغوغاء من مسيحي الإسكندرية وبتحريض من كيرلس الأول بابا الإسكندرية بقتل وسحل الفيلسوفة هيباتيا على مرأى ومسمع سكان الإسكندرية. بينما لم يحرك أحد منهم ساكناً ليدافع عنها سوى تلك المرأة الوثنية أوكتافيا التي أحبها هيبا. وحينما اقتربت منها أوكتافيا لتدفع عنها تلك الآيادي الآثمة تلقت ضربه على رأسها لتسقط صريعة.

نصيحة نسطور

كان هيبا في وسط الأحداث، ولكنه وقف متفرجاً لما يفعله هؤلاء الرجال بالفيلسوفة التي فتن بها. بعد تلك الحادثة الأليمة التي صنعت ثقباً عميقاُ بداخله قرر الذهاب إلى اورشليم من أجل مزيد من البحث عن أصول هذه الديانة. وهناك تعرف على نسطور، وأعجب بآرائه الكبير حول طبيعة المسيح وأمه العذراء مريم. تلك القضايا التي أثارت الكثير من الخلافات بين الكنائس الكبرى في ذلك الوقت. ونصحه نسطور أن ينتقل إلى دير هادئ بالقرب من أنطاكية من أجل إراحة أفكاره بعد أن لمح بداخله الكثير من الشكوك. عمل هيبا بنصيحة نسطور وانتقل إلى هناك لعله ينعم ببعض الهدوء والسكينة بعيداً عن ضجيج الإسكندرية ومشاكلها.

مرتا

شعر هيبا في الدير الجديد بالسكينة والهدوء مؤقتاً لكنه مازالت يصارع تلك الأفكار التي تحوم بداخله حول طبيعة المسيح. وعلى الجانب الآخر لازال شيطانه عزازيل يؤجج نار هذه الشكوك والأفكار. وفي خضم تلك الأفكار والحياة الجديدة التي حاول أن ينعم بها تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. ففي أحد الأيام جاءت إلى الدير فتاة في العشرين من عمرها مع خالتها. وقد أخبره رئيس الدير أنهما جاءا من حلب ليسكنا هذا الكوخ القديم بجانب الدير. ونظراً لفقرهم وعوزهم وافق رئيس الدير على طلبهما.

كانت الفتاة جميلة الملامح والقسمات. كما كان لها صوتاً ندياً جعل رئيس الدير يطلب منها غناء الترانيم في أيام الآحاد. وكان معلمها هو هيبا الذي وقع في براثن حب الفتاة الصغيرة بعد أن أغوته ومارس معها الحب. طلبت منه مرتا أن يرحلا معاً إلى بلده الأول ليتزوجا ويعيشا سوياً عيشة سعيدة. لكنه آبى، ولم يرضخ لتلك الفكرة. وفي أحد الأيام أصابته حمى لقرابة العشرين يوماً. عانى خلالها من فقدان الوعي. وما إن استيقظ حتى علم أن مرتا قد رحلت مع خالتها مجدداً إلى حلب. ومن ثم صديقه نسطور تم إعفاءه من منصبه كبطريرك القسطنطينية، وعقابه على أفكاره حول طبيعة المسيح وأمه العذراء. ليقرر هيبا في النهاية أن يرحل بعد أن يكتب ما عاصره من أحداث.

اقرأ أيضاً: رواية شيفرة دافنشي: واحدة من أكثر الروايات المثيرة للجدل في التاريخ


مراجعة رواية عزازيل

يوسف زيدان عزازيل
الفيلسوفة هيباتيا على غلاف رواية عزازيل

دارت أحداث رواية عزازيل في القرن الخامس الميلادي وما يليه. وهي فترة مضطربة سادت فيها الكثير من الخلافات بين الكنائس الكبرى في ذلك الوقت على خلفية طبيعة المسيح. وقد انقسمت المسيحية إلى العديد من الطوائف لكل طائفة منها آراءها حول طبيعة المسيح. فمنهم مَن يعتقد بأن للمسيح طبيعة واحدة هي الطبيعة الإلهية، ومنهم مَن يعتقد أن للمسيح طبيعتين، طبيعة إلهية وأخرى إنسانية، أي أنهم ينظرون إلى المسيح على أنه بشر يعيش بين الناس ولكن لديه قدرات الإله أي يخلق ويُميت ويُعاقب ويغفر.

التوحيد والتثليث

بشكل عام، يؤمن المسيحيون بأن الإله يتكون من أقانيم ثلاثة تحمل ذات الجوهر. أما الأقنوم الأول فهو الآب وهي الصورة التقليدية للإله السماوي. والاقنوم الثاني هو الابن أو كلمة الإله ويعد الاقنوم الثاني هي صورة الإله المتجسدة على صورة البشر، المتمثل في المسيح. أما الأقنوم الثالث فهو الروح القدس وهي روح الإله التي ترشد البشر. ولكن مع ذلك فإن عقيدة التثليث لم يتفق عليها الجميع كذلك، فهناك بعض الطوائف رفضت هذه العقيدة، مثل الأريوسية في القرن الرابع؛ وبعد اختفاء هذه الطائفة، لم يكن هنالك وجود سوى لعقيدة التثليث. حتى ظهرت حركة جديدة تسمى التوحيدية في أوروبا في منتصف القرن السادس عشر. وفي القرن التاسع عشر ظهرت طائفة شهود يهوه التي تعد واحدة من هذه الطوائف.

ربما ما تحدثنا عنه هنا يعد تبسيطاً أكثر من اللازم لتلك الخلافات التي تحمل أبعاداً أعمق من ذلك بكثير. ومع ذلك تناول يوسف زيدان هذه الخلافات في روايته عزازيل بنفس ذات التبسيط، وإذا جاز لنا القول، فإن يوسف زيدان تناول هذه الأفكار من وجه نظر أحادية بحتة. حيث تناول آراء المؤيدين لفكرة التوحيد وكون المسيح مجرد بشر. وفي المقابل لم يُظهر تلك الآراء المعارضة المؤيدة للتثليث؛ حتى إنه تناولها على استحياء. لذا ثارت ثائرة الكثير من المسيحيين. تلك هي النقطة الأولى.

شهوات الراهب المسيحي

أما النقطة الثانية التي جعلت من رواية عزازيل مثيرة للجدل هي تمثيل ذلك الراهب المسيحي المنساق وراء شهواته ورغباته. فلم يعجب معتنقي الديانة المسيحية ذلك التصوير الإنساني لراهب في دير. وربما هذا الأمر ما أثار حفيظتهم، وقد تمادى البعض في الحديث عن شهوات الراهب وكأن له الكثير من التجارب، على الرغم من أنه لم يكن لديه سوى تجربتين فحسب. بيد أنني أرى أن هذا الأمر طبيعي جداً كون هذا الراهب إنسان في الأول والأخير. لكن ما يؤخذ على يوسف زيدان هو التركيز الكبير على هاتين التجربتين للراهب بشكل ربما يكون متعمداً لإظهاره بهذه الصورة، فلقد كان من الممكن أن يصورها بصورة مقتضبة عن ذلك. لكنه أسهب فيها وكأن حياة الراهب تتمحور حول قصصه الجنسية. أما بالنسبة للأفكار والشكوك التي تنتاب الراهب فاعتقد أن جميع البشر لديهم شكوك وأفكار وليس معنى كونه راهباً فلابد له من التحلي بالإيمان القويم الذي لا يتزعزع.

عنف رجال الكنيسة

الأمر الثالث الذي انتقده الكثير في رواية عزازيل وخاصة المسحيين هو تصوير الكنيسة ورجالاتها بالعنف. وهذا الأمر كان طبيعياً في تلك الفترة المضطربة من تاريخ الكنيسة. وهو ما حدث بعد ذلك في محاكم التفتيش المقدسة على أيدي رجال الديانة المسيحية كذلك. لذا فلا معنى لذلك الانتقاد إذا ما قرر الكاتب أن يتناول تلك الفترة كما كانت وليس كما يراه البعض، فهو نقل ما حدث فحسب.

أما الأمر الأخير هو المتعلق بانحياز يوسف زيدان الظاهر إلى ناحية نسطور ورفاقه ممن دعتهم الكنيسة بالمهرطقين، وتصويرهم كأنهم ملائكة السماء في حين أن جميع الآخرين ليسوا سوى جماعة من الهمج المتطرفين، دون الإشارة ولو بصورة بسيطة إلى أفكارهم وآرائهم ومناقشتها كما ناقش في المقابل آراء نسطور وآريوس والمصيصي.

اقرأ أيضاً: مراجعة مسلسل المسيح: أكثر المسلسلات المثيرة للجدل


سرقة رواية عزازيل

طبيعة المسيح
غلاف رواية عزازيل

انتشرت العديد من الأقاويل عن سرقة يوسف زيدان لفكرة روايته من رواية قديمة تحمل اسم ” أعداء جدد بوجه قديم” أو المعروفة باسم ” هيباتيا” للكاتب تشارلز كينجسلي؛ هذا بالإضافة إلى سرقة من رواية أخرى “اسم الوردة” لأمبرتو إكو، وقد رد زيدان على هذا الاتهام بقوله إن هناك أكثر من 150 عمل إنساني يحمل نفس الفكرة، ورفض رفضاً قاطعاً تلك الأقاويل. لكن إذا تغاضينا عن ذلك الأمر فإن يوسف زيدان في روايته عزازيل لم يقدم جديداً حتى وإن لم يسرقها؛ فروايته حملت نفس أفكار وحبكة وموضوعات رواية ” اسم الوردة”.

أما الأمر الثاني فهو فكرة بدء روايته بكلمة للمترجم؛ يقول فيها أن هذه الرواية هي ترجمة لمخطوطات تم العثور عليها في المنطقة المحيطة بقلعة القديس سمعان القريبة من حلب؛ وذكر أنها ترجمة لسيرة ذاتية للراهب المصري هيبا حصل عليها بنفسه؛ هذه المقدمة التي يتحدث فيها زيدان عن أنه مترجم لهذه المخطوطات أعطى إيحاء للقارئ بأن هذه الرواية حقيقية بالفعل؛ وهو أمر لا يمكن قبوله باعتباره خداع للقارئ. فكل ما فيها من نسج خيال يوسف زيدان أو بالأحرى خيال أومبرتو إكو!


لكن على الرغم من كل ما يقال عن رواية عزازيل إلا أن أسلوب الكاتب رائع بحق؛ ويستحق الإشادة بالفعل؛ فهي واحدة من الروايات الماتعة التي يستمتع بها القارئ، وتقدم له فترة زاخرة من حياة مدينة الإسكندرية تحت حكم الرومان، لذا فهي في الأخير برغم ما فيها رواية تستحق القراءة.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك