قصة بولس الرسول: كيف استطاع نشر المسيحية في العالم؟

You are currently viewing قصة بولس الرسول: كيف استطاع نشر المسيحية في العالم؟
بولس الرسول خلال رحلته إلى دمشق

بولس الرسول هو أهم شخصية مؤثرة في التاريخ المسيحي بأكمله، وقد كان مواطناً يهودياً ورومانياً في الوقت ذاته مما جعله يتمتع بمكانة فريدة إلى حد ما. كما ساعده هذا الأمر على التبشير بالديانة المسيحية في جميع أنحاء العالم أوروبا. في هذا المقال نخوض سوياً رحلة عبر مجاهل التاريخ القديم لنتعرف على قصة بولس الرسول ورحلاته في العالم.

من هو بولس الرسول

وُلد بولس في الفترة ما بين الخامس والسادس بعد الميلاد، في مدينة طرسوس التي تقع في آسيا الصغرى، وكان اسمه الحقيقي شاول، وقد ترعرع في كنف عائلة يهودية تقطن هناك تنتمي إلى سبط بنيامين. وعند شب عمل كصانع خيام، ودرس الشريعة اليهودية. ثم رحل إلى أورشليم لتبدأ رحلة أخرى في التعلم على يد جمالائيل[1] الذي كان يتبع طائفة الفريسيين[2] اليهودية المتشددة.

كان الفريسيون على خلاف مع الطائفة اليهودية الأكثر تقدمية وهي الصدوقيين[3]. وقد احتفظ الصدوقيون بالسلطة والنفوذ السياسي وكان أعضاء هذه الأخيرة هم الأكثر تعليماً وانفتاحاً. أما الاختلاف بين الطائفتين فيعود إلى أن الفريسيين كانوا يعتقدون أن القصص الواردة في التوراة يجب أن تؤخذ بالمعنى الحرفي وأن مسيحاً يهودياً قادم ليعيد القدس إلى مجدها السابق وأن الأموات سيقامون. لكن الصدوقيون لم يؤمنون بهذه الأمور فلقد أنكروا قيامة الأموات ولم يؤمنوا بالحياة الأبدية بعد الموت، وكذلك رفضوا الاعتراف بوجود الشياطين والملائكة لعدم ذكرهم في الأسفار الخمسة الأولى في التوراة.

لنعود إلى بولس الرسول، ففي ظل هذه النشأة المتطرفة وإيمانه المتشدد لم يؤمن بالمسيح حينما ظهر واتبعه العديد من الناس في ذلك الوقت. مما جعل بولس يحمل على عاتقه مهمة اضطهاد أتباع المسيح. وهذا الأمر يتطلب نوعاً معيناً من الشخصية، ودرجة من الطموح والثبات لتحمل تلك المخاطر. ومن المهم أن نرى بولس ما قبل المسيحية (شاول) بهذه الطريقة، لأن الكثير من هذه الخصائص معتمدة على تحوله كما لو أنه تحول من شرير ضعيف إلى بطل قوي.

بولس المسيحي

في ذلك الوقت الذي بدأ فيه اليهود باضطهاد أتباع المسيح تشتت هؤلاء الأتباع في كل مكان حتى هرب البعض منهم إلى دمشق، واستطاع بولس بما لديه من خبرة في معرفة الطريق إلى دمشق أن يقنع كهنة اليهود للقيام بتتبع هؤلاء الفارين والعودة بهم مجدداً إلى أورشليم. لكن خلال رحلته كمعادي للمسيحية، ظهر له المسيح كنور في رؤية واقنعه بالعدول عما يريد فعله، وعلم بولس أن عيسى هو المسيح الموعود الذي بشر به الأنبياء من قبل.

لكن بعد هذه الرؤية أصيب بالعمى ولم يعد يرى. وبعد أيام قليلة من هذه الحادثة آتاه أحد تلاميذ المسيح الذي يدعى حنانيا[4] ووضع يديه على وجهه فأعاد إليه بصره. ومن هنا غير اسمه ليصبح بولس، ويبدأ رحلته التبشيرية في جميع أنحاء العالم. وبعد مرور عشرين عاماً بعد ذلك استطاع بولس أن يؤسس الكثير من الكنائس في آسيا الصغرى وفي أوروبا.

اقرأ أيضًا: أين حدث طوفان نوح؟ وهل كان الطوفان العظيم عالمياً؟


رحلات بولس الرسول

تم صلب المسيح وبعد مرور عدة أيام على دفنه حتى انتشرت الشائعات التي تقول إنه قام من قبره. ومن هنا بدأ اعتقاد الناس أنه ليس بالرجل العادي بل هو ابن الله. وهذه هي الفكرة التي قال عنها بولس:

“إن كان المسيح ما قام، فإن تبشيرنا باطل وإيمانكم باطل”[5].

ومن هنا استطاع الكثير أن يأملوا في قيامة الجسد، نظراً لأن عيسى ما صلب إلا ليفتدي البشر، وهكذا بدأت أفكار بولس الرسول في البزوغ. ولما كانت الكنيسة المسيحية تؤمن بقيامة الجسد والحياة الأبدية فإن ذلك لا يعود إلى ملكة شخصية أو قدرة فطرية وإنما يرجع إلى فضل الله الذي شاء أن ينقذ البشر من الموت ومن لعنة الخطيئة.

بعد بضع سنوات من موت المسيح طاف بولس الرسول جميع أرجاء العالم اليوناني الروماني للتبشير بالدين الجديد، ومن هنا اكتسبت المسيحية مكانة الدين العالمي. ويقص علينا سفر أعمال الرسل في الكتاب المقدس ما حدث في هذه الرحلات التبشيرية التي قام بها بولس. كما وصلت رسائل وعظات بولس الرسول وتوجيهاته إلى معتنقي الديانة المسيحية عبر هذه الرسائل التي كتبها إلى الجماعات المسيحية الأولى التي ظهرت في أماكن شتى في العالم.

أثينا

كانت الوجهة الأهم لبولس هي أثينا عاصمة الثقافة والفلسفة العريقة التي أثرت على العالم القديم بأكمله. وهناك صادف العديد من الفلاسفة الذين ينتمون إلى مدارس فلسفية مختلفة مثل الابيقوريين والرواقيين وغيرها. وشرع يناقشهم في أفكارهم وحججهم، وقد انتابهم العجب مما يقوله بولس عن المذهب الجديد أو الدين الجديد الذي يدعو له. وقد أراد أن يتعلموا أكثر عن ذلك. نظراً لأن هذه التعاليم كانت غريبة على مسامع الجميع في ذلك الوقت.

بدأ بولس يخطب في أهل أثينا يدعوهم إلى الدين الجديد، ومن هنا بدأت الديانة المسيحية تنفذ إلى العالم اليوناني والروماني بوصفها شيئاً جديداً ومختلفاً عن الفلسفة الأبيقورية والرواقية والأفلاطونية الجديدة وغيرها من الفلسفات التي كانت سائدة في ذلك الوقت. كما استطاع أن يستغل ما كانوا يعبدون ليدعوهم إلى الإله الجديد، فإله بولس ليس إلهاً فلسفياً يمكن أن يصل الناس إليه بعقولهم، كما إنه لا يشبه أية صورة أو تماثيل مما كان يصنعه أهل اليونان. فهو إله عيني تجلى للبشر ليخلصهم ويفتديهم.

ومن هنا واصل بولس الرسول نشاطه التبشيري، ولم تمر سوى عدة عقود حتى انتشرت المسيحية في جميع أنحاء أوروبا القديمة: من أثينا وروما، إلى الإسكندرية وأفسوس وكورنثوس وغيرها من الأقاليم الشهيرة.

اقرأ أيضًا: كشف أسرار مخطوطات البحر الميت الغامضة


أفكار بولس الرسول

في واقع الأمر، لم يكن بولس من اخترع فكرة ألوهية المسيح. فهو لم يؤمن بأن المسيح كان إلهاً بالمعنى الذي يؤمن به معظم المسيحيين اليوم. لكنه كان يعتقد أن المسيح كان كائناً إلهياً بمعنى ما، لكنه لم يؤمن أن المسيح هو الله أو أنه مساوي لله. وقد تم التعبير عن هذه الفكرة بشكل أكثر وضوحاً في رسالته إلى أهل فيلبي 2: 5-11:

“لتكونوا على فكر المسيح يسوع، الذي، على الرغم من أنه في صورة الله، لم يعتبر المساواة مع الله كغنيمة له، لكنه أفرغ ذاته، واتخذ شكل العبد، وصار شبيهاً بالبشر. وبدى في صورة الإنسان تواضع، وأصبح مطيعاً لدرجة الموت على الصليب. لذلك رفعه الله، وأعطاه اسماً فوق كل اسم، لذلك باسم يسوع يجب أن تنحني كل ركبة في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو الرب، لمجد الله الآب”.

ربما كان هذا المقطع شديد التعقيد ودقيق جداً، وقد أمضى اللاهوتيون والعلماء قروناً في محاولة تحديد ما يعنيه بالضبط، وما هي العقيدة التي يمكن استنباطها منه. فعلى الرغم من أنه كان في صورة الله، لم يعتبر المساواة مع الله شيئاً يمكن استغلالها.”

ويبدو أن ما يريد بولس قوله هنا هو أن يسوع هو آدم ثان. مثل آدم، خُلق يسوع في صورة الله، ولكن، على عكس آدم، لم يعتبر يسوع المساواة مع الله شيئاً يجب أن ينتزع. وبدلاً من محاولة تحقيق المساواة مع الله، اختار يسوع أن يصبح عبداً، مطيعاً لموته على الصليب، وبسبب تواضع نفسه بدلاً من محاولته تمجيد نفسه مثل آدم، فقد جلب يسوع خلاص البشرية من الخطيئة.

اقرأ أيضًا: روايات تاريخية مختلفة وغريبة لقصة نبي الله موسى


رسائل بولس الرسول

هي رسائل كتبها إلى كنائس مختلفة كان على اتصال بها في معظم الأحيان. أو تلك الرسائل التي كانت موجهة إلى شخصيات بعينها. كما توجد رسائل أخرى لم يكتبها بولس ومع ذلك نسبت له. ورغم أن هناك شكوك بشأن عدد من الرسائل المنسوبة إلى بولس إلا أن رسائل بولس هي كالتالي:

  • رومية.
  • الرسالة إلى أهل كورنثوس 1.
  • كورنثوس 2.
  • غلاطية.
  • أفسس.
  • فيلبي.
  • كولوسي.
  • الرسالة إلى أهل تسالونيكي 1.
  • تسالونيكي 2.
  • الرسالة إلى أهل تيموثاوس 1.
  • تيموثاوس 2.
  • تيطس.
  • فليمون.
  • العبرانيين (؟).

وقد وضعت علامة استفهام بجانب الرسالة إلى العبرانيين، لأن الكثيرين يجادلون فيما إذا كان بولس هو من كتب هذه الرسالة أم لا.


كيف مات بولس الرسول

بعد انتشار المسيحية في العديد من الأقاليم في جميع أنحاء العالم وبخاصة في العالم اليوناني عاد بولس الرسول إلى أورشليم في صحبة عدد ممن آمنوا بالمسيحية على يده. وقد شرع في إدخالهم إلى الهيكل. ومن هنا تم اعتقاله لأنه ادخل إلى الهيكل المقدس – هيكل سليمان – بعض اليونانيين. ثم أرسل إلى روما بعد ذلك وزج به في السجن ليقضي هناك عدة سنوات قام خلالها بكتابة رسائله.

لكن ما حدث بعد ذلك في حياة بولس الرسول غير معروف على وجه التحديد، على الرغم من وجود العديد من الروايات التي تقول إن بولس تم إعدامه عن طريق قطع رأسه على يد نيرون وكان ذلك بعد حريق روما العظيم. حيث اتهم نيرون معتنقي الديانة المسيحية وقتها بأنهم من أشعلوا النيران في روما.


وفي الختام وبعد كل ما قيل عن بولس الرسول وما أثاره من جدل خلال حياته وبعدها إلا إنه كان الشخص الأكثر تأثيراً في تاريخ المسيحية – وربما أكثر من المسيح ذاته. فالمسيح لم يكن بأي حال من الأحوال مبتكراً لدين بل كان نبياً يهودياً جاء ليكمل ما بدأه من سبقوه ولكن ظهور بولس ومساعيه أدت إلى تحول المسيحية إلى ديانة جديدة كافح لنشر الإيمان بها بين الأمم.


[1] جمالائيل هو أحد أهم الشخصيات في المجتمع اليهودي، وكان من أتباع طائفة الفريسيين.

[2] الفريسيون هم طائفة متشددة في اليهودية حاولت الحفاظ على الشرائع اليهودية كما هي، وتمسكوا بكل ما تقوله الشريعة اليهودية بحذافيرها. ونتيجة لهذا الأمر كانوا على خلاف شديد مع طائفة أخرى هي طائفة الصدوقيين.

[3] الصدوقيون هم طائفة يهودية أكثر تعلماً وانفتاحاً وكانوا لا يؤمنون سوى بالخمسة أسفار الأولى فقط في العهد القديم، ورفضوا باقي الأسفار التي آمن اليهود بها.

[4] حنانيا هو أحد تلاميذ المسيح الذي كانوا متواجدين في دمشق وهو الذي أعاد إلى بولس الرسول بصره بعد أن رؤيته للمسيح.

[5] رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك