رواية البؤساء لفيكتور هوغو: رحلة إلى أعماق العالم السفلي

You are currently viewing رواية البؤساء لفيكتور هوغو: رحلة إلى أعماق العالم السفلي
رواية البؤساء للكاتب الفرنسي فيكتور هوجو

تحتل رواية البؤساء للكاتب الفرنسي فيكتور هوجو مكانة عالية بين أعظم الروايات في كل العصور. في هذه الرواية يحمل هوجو القراء معه في رحلة إلى أعماق العالم السفلي في فرنسا. ويُلقي بهم في خضم معركة بين الخير والشر. بل ويضعهم أمام المتاريس خلال انتفاضة عام 1832 بواقعية ليست لها مثيل في الأدب الحديث. في هذا المقال نستعرض سوياً ملخص رواية البؤساء، ومن ثم تحليل ومراجعة هذه التحفة الأدبية الخالدة.

ملخص رواية البؤساء

تدور أحداث الرواية حول شخصيتها المركزية السجين جان فالجان الذي قضى تسعة عشر عاماً في السجن لاقترافه جريمة سرقة رغيف خبز ليطعم به عائلته وينقذها من الجوع. وخلال وجوده في السجن حاول الهروب غير ذات مرة. وفي كل مرة يحاول فيها الهرب يُلقى القبض عليه ليعود من جديد إلى السجن مع سنوات إضافية. في النهاية تم الإفراج عنه بشروط وهذا يعني أنه يحمل علامة على بطاقته الشخصية تشير إلى أنه كان مسجوناً في السابق. لذا لم يتم الترحيب به في العديد من البلدات الريفية التي يتجول فيها داخل فرنسا. يجد جان فالجان عملاً لكنه لا يتقاض أجراً عادلاً. كما أن جميع النُزل ترفض استقباله لأنه مسجون سابق. ويبدو أنه وصل إلى الحضيض على الرغم من أنه قضى عقوبته ودفع من عمره سنوات لجريمته.

شرع جان فالجان في النوم على الأرصفة في الشوارع، حتى رق لحاله أحد الأسقف، واستقبله في منزله. لكن جان يقوم بسرقة الأسقف ومحاولة الهرب. وخلال محاولته للهروب تم إلقاء القبض عليه، ليأتي الأسقف ويشاهد ما سرقه منه جان. لكن يخبر الأسقف الشرطة بأنه الذي أعطاه تلك الأشياء ولم يسرقها، بل ومنحه زوجاً من الشمعدانات الفضية بالإضافة إلى ما سرقه. وطلب منه أن يبيع كل تلك الأشياء ليبدأ بالمال حياة جديدة.

يحمل فالجان النقود ويذهب بها لكنه مع ذلك لم يكف عن السرقة حيث سرق في طريقه أحد الفتيان، ولكنه حاول العودة مجدداً كي يعيد إليه ما سرقه، لكن الشرطة قد علمت بأمر السرقة لذا قرر جان الهروب مجدداً.

الجانب الآخر من الرواية

على الجانب الآخر من رواية البؤساء نجد فانتين وهي فتاة فقيرة أعماها الحب بعد أن وقعت في براثن أحدهم ليتركها حامل بطفلة. وبعد ولادة الطفلة تعاني فانتين وحيدة مع الفتاة من أجل إعالتها. لكنها تقرر أن تترك ابنتها إلى عائلة تيناردييه الذين يستغلون هذه الفتاة في أعمال شاقة وقاسية. في حين ذهبت الأم لتعمل في أحد المصانع.

نعلم بعد ذلك أن المصنع الذي تعمل فيه فانتين كان مالكاً للثري مادلين. ومن خلال الأحداث ندرك أن مادلين هو نفسه جان بعد مرور ستة أعوام. كما يتم تعيين مادلين في منصب العمدة. تتطور الأحداث ليتم طرد الأم من المصنع بعد معرفة الناس بأن لها ابنة دون زواج، لتقضي في النهاية حياتها في البحث عن أموال لتدفع لعائلة تيناردييه مقابل تربية ابنتها مما يضطرها في النهاية إلى بيع شعرها وأسنانها حتى تمرض.

في وقت من الأوقات تتعرض فانتين لمضايقات من أحد الناس لترد إليه الضربة فيتم القبض عليها عن طريق ضابط الشرطة جافيير الذي كان يعمل في السابق كحارس للسجن الذي وضع فيه جان. ثم يعلم جان قصة طرد فانتين من مصنعه فيذهب ليحاول تخليصها من قبضة المفتش. في ذلك الوقت يتم إتهام شخصية شبيهة بجان في جريمة سرقة، ونظراً للشبه العظيم بينهما فلقد لفقت له الشرطة تهم السرقة القديمة التي اقترفها جان نفسه. في تلك اللحظة علم جان بالأمر وقرر الذهاب إلى المحكمة ليسلم نفسه ويعترف بجرائمه. وبعد اعترافه يتم سجنه مرة أخرى، لكن خلال نقله استطاع الهروب والاختفاء حاملاً معه ابنة فانتين.

إلى هنا ينتهي ملخص رواية البؤساء الضخمة التي تمتلىء بالتفاصيل، وربما هذا ما جعلها واحدة من أهم الأعمال الأدبية في العصر الحديث.

اقرأ أيضاً: مائة عام من العزلة: رواية تقلب الواقع رأساً على عقب


مراجعة رواية البؤساء

مراجعة رواية البؤساء؛ فيكتور هوجو
تحليل رواية البؤساء

بعد أن انتهينا من ملخص رواية البؤساء يأت الدور على مراجعة هذا العمل العظيم. حيث تعد رواية البؤساء للكاتب الفرنسي فيكتور هوجو واحدة أطول الروايات في الأدب الأوروبي. لكن الطول ليس مجرد مسألة صفحات، بل هو أيضاً مسألة إيقاع. لقد كتب ميلان كونديرا ذات مرة حينما تم سؤاله عن البؤساء قائلاً: “بدأت المفاهيم الجمالية في الرواية تثير اهتمامي فقط عندما أدركت لأول مرة أن لها جذور وجودية، في ذلك الوقت فهمتها جيداً وأدركت أن الوصف المعقد والطويل مرتبط ارتباطاً بما يريد فيكتور هوجو قوله. فلا يمكنك فصل الاكتشافات الوجودية عن الشكل العام للرواية.”

عندما انتهت الرواية حاول فيكتور هوغو – وفشل – في كتابة مقدمة. حيث تبدأ المقدمة على النحو التالي: “لقد تم تأليف هذه الرواية من الداخل إلى الخارج. فالفكرة تولّد الشخصيات، والشخصيات تنتج الدراما. وهذا في الواقع قانون الفن”.

هذا هو السبب في أن إيقاعها واضح للغاية مع البطء، ومتزامن مع الاستطراد. لكن في هذه الرواية لا يوجد شيء اسمه الانحدار. فكل شيء وثيق الصلة بالموضوع – لأن موضوع هذه الرواية حرفياً، هو كل شيء.

حبكة رواية البؤساء

إذا نظرنا إلى حبكة رواية البؤساء نجد أنها بسيطة نوعاً ما. فهي قصة مسجون هارب (جان فالجان) الذي قرر إصلاح حاله بعد أن أنقذه رجل دين. مفتش شرطة (جافيير) الذي يريد أن يحقق العدالة يموجب القانون. عاهرة (فانتين) وابنتها غير الشرعية، الزوجان الشريران وأطفالهما ( عائلة تيناردييه).

ربما تبدو الحبكة وكأنها مخططة بإحكام ومشدودة بالميلودراما، لكن لا أحد يقرأ البؤساء من أجل ذكاء أو دقة حبكتها. إنها ليست رواية تفتخر بمصداقيتها. قد يبدو هذا مفاجئاً – نظرًا لأن أحد الافتراضات الطبيعية، ربما هو أن عدم الاحتمالية في الرواية يجب أن يتضاءل مع الطول. لكن في هذه الرواية العملاقة، يبدو كل شيء بعيد الاحتمال على الإطلاق. فكل قطعة تعمل بالصدفة. وفي الغالب ما يستخدم الروائيون تقنيات من أجل إخفاء هذه الصدف لكن فيكتور هوجو لم يفعل ذلك بل تجده وكأنه لديه رغبة في عدم إخفاء الصدفة على الإطلاق بل ويحرص على أن تكون جميع مصادفات الحبكة مبالغ فيها. ربما يمكننا القول بأن الضعف المستمر في المؤامرة هو مصدر قوتها.

فلسفة فيكتور هوجو

إن شكل رواية البؤساء الذي يعتمد على الطول والاستطراد والتفاصيل المبالغ فيها ما هو إلا تراكم متعمد لأمثلة متداخلة. فجميع المشاهد عبارة عن اختلافات في نفس الموضوع. لكن إذا نظرت بتمعن ستجد أنها مجرد أفخاخ لا تقاوم كما وصفها الروائي ماريو فارغاس يوسا بأنها فوهات بركانية حيث تكتسب الفوضى فجأة المنطق.

سواء أكان فيكتور هوغو يكتب عن معركة واترلو التاريخية أو الرحلة الخيالية إلى أراس، فإن مشاهده تخضع لنفس القيود: كتلة من التفاصيل اللانهائية، والتي تتحد لتشكل فخاً، ومصيراً لا يمكن إيقافه.

لا يمثل طول هوغو فلسفة فحسب، بل هو أيضًا سياسة. في البؤساء، هناك علاقة بين اللانهائي والمجهول ؛ وعلاقة أخرى بين المجهول والبائس. هذا هو السبب في أن فيكتور هوجو يمكن أن ينتقل بطلاقة من التفاصيل إلى هالته الأخلاقية أو السياسية. كل شيء مرتبط بشبكة موضوعاته. لذلك، ربما يكون من المؤسف أن كل ما تبقى من مقدمة رواية البؤساء كان عبارة واحدة عقائدية:

“طالما أن اللعنة الاجتماعية موجودة، من خلال القوانين والأعراف، فهي تخلق بشكل مصطنع جحيماً على الأرض وتعقد مع الموت البشري مصيراً إلهياً ؛ ما دامت مشاكل القرن الثلاث – تدهور الإنسان باستغلال عمله، ودمار المرأة بالجوع، وهدر كرامة الطفل بالظلم – لم يتم حلها ؛ طالما أن الاختناق الاجتماعي ممكناً في مناطق معينة ؛ وطالما بقى الجهل والبؤس في هذا العالم، فربما لا تكون الكتب مثل تلك التي أنت على وشك قراءتها عديمة الفائدة تماماً “.

ربما تكون مسألة مراجعة رواية البؤساء مهمة مستحيلة، فهذا العمل الروائي العظيم واحد من أعظم ما تم إنتاجه في الأدب. لكن كان لابد من إلقاء الضوء على هذه التحفة الأدبية.

اقرأ أيضاً: قواعد العشق الأربعون: رواية تتحدى الأعراف الاجتماعية والدينية


في الختام، فإن البؤساء هي رواية شاملة وواسعة من القرن التاسع عشر تستكشف التاريخ الفرنسي والسياسة والقضايا الفلسفية الأخلاقية والتضاريس والعمارة في باريس والمشاعر المناهضة للملكية، إلى جانب الموضوعات العالمية للعدالة والإيمان والحب. محاولة تلخيصها أو مراجعتها مهمة شبه مستحيلة. على الرغم من كل موضوعاتها العالية والنبيلة، فهي أيضاً قصة مقنعة لشخصيات معقدة مع لحظات من الضوء والظل وهو على الأرجح سبب تحملها لقرون وأصبح يُنظر إليها على أنها واحدة من أعظم القصص على الإطلاق.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك