قصة النبي إبراهيم بالتفصيل: رحلة رجل توصّل إلى الله عن طريق العقل

You are currently viewing قصة النبي إبراهيم بالتفصيل: رحلة رجل توصّل إلى الله عن طريق العقل

قصة النبي إبراهيم واحدة من قصص الأنبياء التي ذكرت في جميع كتب الديانات السماوية المقدسة، بل وتم ذكرها كذلك في العديد من الديانات الوضعية مثل الهندوسية وغيرها. ولعل شخصية النبي إبراهيم المتفردة هي التي جعلت القرآن الكريم يفرد الكثير من الآيات التي تتحدث عن هذا النبي الفاضل. فما هي قصة النبي إبراهيم عليه السلام؟

شخصية النبي إبراهيم عليه السلام

ربما يكون النبي إبراهيم واحد من أكثر الشخصيات الفريدة في تاريخ الأديان. فهو الأب والنبي الصالح وصاحب العقل الراجح الذي توصل إلى معرفة الله عن طريق العقل فقط. وهذا ما سنعرفه حينما نتناول حياة هذا النبي العظيم. لكن لما تمتع به إبراهيم من صفات قلما تجتمع في إنسان جعله الله خليلاً له. وأضفى عليه مسحة من القداسة تجعله في مصاف الرسل أجمعين.


ميلاده وطفولته

لم يذكر القرآن الكريم شيئاً عن ميلاد النبي إبراهيم عليه السلام، إلا أنه رغم ذلك وضح تفاصيل الحياة المحيطة به. ففي عصره انقسم الناس إلى أصناف ثلاثة.

  • عبدة الكواكب والنجوم.
  • عباد الأصنام والأوثان.
  • عبدة الحكام والملوك.

وفي عصره أيضاً كانت البشرية قد تطورت بصورة كبيرة عما كانت عليه في الماضي السحيق. فبدأ ظهور الممالك والدول وانتشر الناس في جميع أنحاء الأرض. لذا كان لابد أن نعرف شيئاً عن العصر الذي عاش فيه إبراهيم كما ذكره القرآن الكريم.

ترعرع إبراهيم عليه السلام مع أبيه آزر الذي كان عمله صانع آلهة، وهي الأصنام التي يصنعها من الخشب والحجارة. ونظراً لعمله المقدس فلقد كان يحظى بقداسة بين الناس في ذلك الوقت. وفي وسط هذا الجو المسموم نشأ إبراهيم. وكان طفلاً راجح العقل شديد التفكير. حيث كان يسأله الكثير من الأسئلة التي تتعلق بما يعبدوه. تلك الأسئلة على غرار كيف تأكل هذه الآلهة يا بأبي وكيف تشرب؟ وماذا أفعل إذا ما خدمت أحدهم وأراد أخر بي شراً؟ وهل تتشاجر هذه الآلهة مع بعضها البعض؟ وغيرها من الأسئلة الشائكة التي لم يعرف ابيه الرد عليها. ولكنه كان يتحمل أسئلته نظراً لصغر سنه.

مرت السنوات على إبراهيم حتى أمسى فتى يافعاً ومازالت مشكلة الآلهة تؤرقه، فهو يتفكر دوماً في أن هذه الآلهة لا تستطيع أن تهب الحياة لأحد وهي لا تتكلم ولا تسمع. ولو أن أحداً ألقاها على جنبها لا تستطيع أن تعدل نفسه. ومن هنا كفر إبراهيم بهذه الآلهة بعد أن أدرك أنها لا تضر ولا تنفع.

في ذلك الوقت كان أبوه يصحبه معه إلى معبد لعبادة هذه الآلهة، وفي إحدى المرات وجد كبير الكهنة يتضرع لكبير الآلهة الموجودة في المعبد ويطلب منه أن يزرق قومه. هنا خرج صوت إبراهيم ليكسر الصمت المطبق ويقول: إنها لا تسمع يا سيدي؟ نظر إليه الكاهن بازدراء وفي تلك اللحظة تدخل أبوه ليطلب من الكاهن مسامحته لأنه ما زال صبياً لا يفهم.


قصة النبي إبراهيم مع عبادة الكواكب والنجوم

قصه سيدنا ابراهيم عليه السلام
صورة تخيلية لعبادة الكواكب والنجوم

بعد أن أدرك إبراهيم جيداً بأن كل تلك الأصنام مجرد وهم تركها. ولم يتوقف الأمر على تركها فحسب بل راح يزدريها أمام الناس. وفي إحدى الليالي جلس بمفرده على صخرة ونظرة إلى السماء الشاسعة الممتدة فرأى كوكباً، تحدث معه، وحاول أن يعبده. لكن ما هي إلا لحظات حتى غاب عن ناظره. فعلم لتوه أن الإله الحق لا يختفي. فترك فكرة عبادة الكواكب والنجوم.

وفي صباح اليوم التالي نظر إلى الشمس وتفكر في هؤلاء الناس الذين يتخذونها إله، فلما رأها أكبر حجماً من الكواكب والنجوم اتخذها إلهاً، ولكن لما غابت عاد على حيرته، هنا نتوقف قليلاً عند ألفاظ القرآن الكريم حيث قال الله تعالى في قرآنه الكريم:

” فنظرة نظرة في النجوم فقال إني سقيم”

معلومة جانبية

هنا استخدم القرآن لفظ سقيم وليس مريض، فالسقم غير المرض في ألفاظ القرآن فماذا تعني سقيم، هنا لابد من الإشارة إلى أن إبراهيم كان قلقاً حائراً تنتابه الهواجس وهذه الأمور من بين أعراض المرض النفسي وليس الجسدي. لذا استخدم القرآن الكريم مصطلح سقيم. أما مريض فتتعلق بالمرض الجسدي حيث يقول الله تعالى: ” ومن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام اخر”.

وهكذا يتبين لنا الإعجاز العظيم للقرآن في اختيار ألفاظه. لنعود إلى قصة إبراهيم عليه السلام. بعد أن ترك عبادة الكواكب والنجوم الشمس. ذهب إلى عبادة الإله الواحد وقد توصل إليه بعد إمعان التفكير في صفة الإله المطلوبة، وفي تلك اللحظة الملهمة أوحى الله إلى عبده أن يحمل رسالته إلى الناس.

اقرأ أيضاً: أين حدث طوفان نوح؟ وهل كان الطوفان العظيم عالمياً؟


موقف النبي إبراهيم عليه السلام من أبيه

شرع النبي إبراهيم يدعو قومه إلى ترك كل هذه المعبودات وأن يعبدوا الإله الواحد الأحد. واستمر في ازدراء آلهتهم، لكن لم يؤمن له أحد. وكان لا مفر من أن يذهب إلى أبيه آزر ليدعوه كذلك، فهو يخشى عليه من عذاب يوم عظيم، لكن الأب رفض نصح الابن وغضب عليه وهدده بالرجم. تركه إبراهيم وهو يدعو الله له عسى أن يهديه.


لقد فعلها كبيرهم

خرج النبي إبراهيم من منزله في ليلة الاحتفال الكبيرة بالآلهة، وعلم إبراهيم أن قومه على الضفة الأخرى من المدينة. لذا قرر في نفسه أمراً وذهب لينفذه. انطلق إبراهيم إلى المعبد الكبير والمدينة خاوية على عروشها ودخل إلى الآلهة المتراصة في المعبد وأمامها الأطعمة التي وضعها الناس كنذور وهدايا، ونظر إبراهيم إلى هذه الآلهة وسألهم: لماذا لا تأكلون.. لقد برد الطعام؟

لم يجد منهم رد، فشرع يكسر هذه الآلهة التي لا تحرك ساكناً بفأسه. ثم ترك كبيرهم ووضع الفأس حول رقبته. وعاد من حيث أتى. وحينما دخل أول الناس إلى المعبد وشاهد هذا الأمر صرخ بعلو صوته فاجتمع الناس تعلو وجوههم الدهشة والغضب في الوقت ذاته. فمن يجرؤ أن يفعل ذلك في آلهتهم. سأل أحدهم عمن يمكنه فعل هذا الأمر فأجاب أحدهم على حد قول القرآن الكريم:

” قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم”

أمر الكهنة أن يحضروا هذا الفتى إليهم، وعندما حضر إبراهيم إليهم سألوه: أأنت فعلت ذلك بآلهتنا؟ فرد عليهم إبراهيم قائلاً: بل فعلها كبيرهم فاسألوهم إن كانوا ينطقون. قال له كبير الكهنة: أنت تعرف أن الآلهة لا تنطق. فكانت إجابته: وكيف تعبدون شيئاً لا ينطق ولا ينفع ولا يضر؟ هنا لم يجد القوم إجابة عليه. وبعد مشاورات ومداولات قرروا أن يحرقوه.

اقرأ أيضاً: قصة بلقيس ملكة سبأ مع نبي الله سليمان


يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم

النبي إبراهيم عليه السلام
حرق إبراهيم في النار

انتشر الخبر في جميع أرجاء المدينة، وعندما سمع الناس بموضوع حرق إبراهيم أتوا من كل حدب وصوب ليشهدوا حرق ذلك الفتى. حفر القوم حفرة عميقة ووضعوا فيها الأخشاب والحطب ثم قيدوا إبراهيم وساقوه إلى النار. كانت ناراً عظيمة لم تشهدها المدينة من قبل. وعندما أحضروا إبراهيم كان مطمئناً ويعلم أن الإله الذي يعبده هو الإله القادر وهو سوف يقيه شر هذه النار.

في تلك اللحظة التي اقترب فيها إبراهيم من النار أمر الله النار أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم. فدخل إليها وكأنه يدخل إلى حديقة غناء. ولم تمسه النار بسوء. على الرغم من ابتعاد الناس من حولها لمسافة كبيرة نظراً لضخامتها وشدتها. وبعد وقت طويل خرج إبراهيم من النار وكأنه لم يكن فيها. فلم يحدث له شيئاً.


قصة النبي إبراهيم مع النمرود

ذاع صيت إبراهيم في كل مكان حتى وصل إلى مسامع ملك عظيم يقال له النمرود على الرغم من أن اسم الملك لم يذكره القرآن الكريم. هذا الملك الذي إدعى الألوهية. فطلب من قومه إحضار إبراهيم إليه بعد أن علم بمعجزاته. حيث خشي على سلطته من إبراهيم.

تقدم إبراهيم من الملك فقال له تقول إن إلهك يحيي ويميت؟ أليس كذلك فقال إبراهيم: نعم. فقال له الملك: أنا أحيي وأميت. ثم أحضر شخصين وقتل أحدهم وعفا عن الآخر. لم يجادله إبراهيم لشعوره بسخافة ما يفعله الملك. لذا قال له مباشرة: إن ربي يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب.

لم يستطع هذا الملك أن يرد عليه بعد أن أفحمه بالحجة القوية والبرهان العظيم. إلى هنا تنتهي قصة الملك مع إبراهيم. وعاد إبراهيم إلى دعوة قومه للمرة الأخيرة قبل أن يهاجر إلى فلسطين. لكن لم يؤمن معه سوى زوجته سارة وابن أخيه النبي لوط.

اقرأ أيضاً: قصة ومعجزات المسيح عيسى بن مريم في الإنجيل والقرآن


كيف تحيي وتميت؟

كان النبي إبراهيم يريد أن يعرف كيف يحيي الله الموتى، فطلب منه أن يعرف. فما كان من الله إلا أن أمره بإحضار أربعة من الطير ويقطعهم ثم يجعل على كل جبل جزءاً ثم ينادي عليهم، وعندما فعل ما أمره الله منه عادت الطيور إلى الحياة مرة أخرى وانطلقت إليه.


هجرة النبي إبراهيم

ذهب النبي إبراهيم إلى فلسطين مصطحباً معه لوط الذي تركه وذهب إلى سدوم وعمورة وأهلها الذين يرتكبون الفواحش ليدعوهم إلى ترك هذه الفواحش ويعبدوا الله الواحد. وبعد أن استقر إبراهيم قليلاً انطلق في رحلته إلى مصر حيث وهبه هناك حاكم مصر امرأة تسمى هاجر.

بلغ إبراهيم من الكبر عتياً ولم يكن له ولد وكانت امرأته سارة عاقراً لم يهبها الله الأبناء. وحينما شعرت بتقدم أعمارهما طلبت من زوجها إبراهيم أن يتزوج هاجر حتى تنجب له. وامتثل إبراهيم لطلب زوجته سارة ووهبه الله منها ابنه إسماعيل.


هاجر ووليدها

استيقظ إبراهيم يوماً ما وأمر زوجته هاجر أن تحمل الرضيع وتستعد لرحلة طويلة، وشرع إبراهيم وهاجر في رحلتهما الطويلة عبر الصحراء القاحلة حتى وصلا إلى صحراء الجزيرة العربية وقصد إبراهيم وادياً ليس به زرع ولا ثمر ولا شجر ولا طعام ولا ماء. كان وادي قفراً وهبط من فوق دابته ثم ترك زوجته هاجر ووليدها ورحل بعد أن ترك معهما قليلاً من الماء والطعام يكفي ليومين. أسرعت هاجر وراءه لتسأله: هل الله هو من أمرك بذلك؟ فأجابها: نعم فقالت: إذن لن يضيعنا الله.

اقرأ أيضاً: قصة الحجر الأسود: من أين أتى؟ وكيف تمت سرقته؟


قصة النبي إبراهيم مع ملائكة العذاب

قصة النبي إبراهيم
رسم تخيلي للنبي إبراهيم وزوجته سارة

عاد النبي إبراهيم بعد أن ترك هاجر مع ابنها إلى منزله بجوار زوجته سارة، وخلال جلوسه أمام خيمته في ظهيرة أحد الأيام لمح على البعد ثلاثة رجال تقدموا منه حتى توقفوا أمامه. رحب بهم إبراهيم ودعاهم إلى خيمته وطلب من سارة أن تحضر لهم عجلاً ليأكلوا. كانت زوجته سارة قد أصاب الشيب شعرها وبلغت من الكبر عتياً. وضع إبراهيم الطعام أمام الرجال، لكن أحد منهم لم يرفع يده ليأكل وهنا أصابه القلق والاضطراب فكان ما خشاه إبراهيم حيث أدرك أنهم ملائكة الله، والملائكة لا تأكل الطعام.

لما شعر الملائكة من إبراهيم بالخوف – فهو يعلم جيداً ان الملائكة لا تنزل على الأرض إلا للعذاب – طمأنوه وأخبروهم أنهم جاءوا ليخلصوا هذا العالم من رجس قوم لوط. وما جاءوه إلى ليبشروه بغلام ذكي. كانت سارة تسترق السمع وحينما سمعت من الملائكة أن سوف تنجب ضحكت وقالت: عجوز عقيم. وتركوه وانصرفوا إلى قوم لوط.


جدال النبي إبراهيم للملائكة في قوم لوط

قبل أن ترحل الملائكة إلى قوم لوط حاول النبي إبراهيم أن يثنيهم عما سيفعلونه لكن الملائكة أخبرته بأن هؤلاء لم يكن منهم مؤمنين وأن الله سيهلكهم لارتكابهم الفواحش. وعندما حاول إبراهيم معهم مرة أخرى أغلقوا معه باب الحوار. ثم انطلقوا في طريقهم.

لمزيد من المعلومات عن قصة لوط يمكن قراءة هذا المقال: قصة النبي لوط في الكتاب المقدس: هل ارتكب الفاحشة مع ابنتيه؟!


سارة تنجب إسحاق

تعجبت سارة من بشرى الملائكة في عجوز وزوجها شيخ كبير فكيف لها أن تلد في هذه السن الكبيرة. لكن الملائكة أخبروها بأن الله يفعل ما يريد. ولا يتوقف الأمر على إنجاب هذا الطفل فحسب بل سيكون له شأناً عظيماً في المستقبل. حيث وصفه الله قرآنه العظيم بالغلام العليم. وفي النهاية انجبت سارة إسحاق وكبر وترعرع في كنف والده.


العودة إلى هاجر

كانت هاجر مازالت في الصحراء مع رضيعها الذي كبر هناك واجتمعت حولهما القبائل من حدب وصوب كما سنعرف من قصة هاجر وإسماعيل. وفي إحدى الأيام رأى إبراهيم فيما يرى النائم أنه يذبح ابنه، لكنه حاول مراراً وتكراراً أن يبعد هذا الهاجس عنه. ولما تكرر معه الحلم أدرك أنها رؤية من عند الله وهي بمثابة أمر من الله على إبراهيم تنفيذه.

لمزيد من المعلومات عن قصة إسماعيل وأمه السيدة هاجر يمكنك قراءة هذا المقال: قصة النبي إسماعيل عليه السلام: رحلة شاقة من الألم والمعاناة


قصة النبي إبراهيم مع إسماعيل

في ذلك اليوم نادى إبراهيم ابنه وقال له يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك، وسأله عن رأيه في هذا الأمر، ونظراً لأنه كان شديد الإيمان بالله ويثق في حكم والده أياً كان رضخ لرغبته وانطلقا سوياً إلى أعلى الجبل، وحينما بدأ عملية الذبح نادته الملائكة أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤية وفداه الله بذبح عظيم.


إلى هنا يسدل الستار على قصة النبي إبراهيم عليه السلام كما ذكرها الله في قرآنه العظيم. ولنعلم جميعاً أن إبراهيم هو من أولى العزم من الرسل كما أن النبي الذي سيكون من نسله الأنبياء والرسل فيما بعد. فليس هنالك كرم أفضل من ذلك لإبراهيم عليه السلام.


المصادر:

  1. القرآن الكريم.
  2. تاريخ الرسل والملوك – ابن جرير الطبري.
  3. قصص الأنبياء – ابن كثير.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك