قياس الزمن: مغامرة الإنسان مع المجهول الأبدي
ما الذي نملكه حقًا في هذا العالم؟ قد يخطر في بالك المال، الصحة، الذكريات… لكن الفيلسوف بالتاسار جراثيان كان له رأي آخر: “الشيء الوحيد الذي نملكه حقًا هو الزمن”. ومع ذلك، فإن هذا “الشيء الوحيد” لا نعرف حتى الآن ما هو بالضبط. الزمن، ذلك العنصر الغامض الذي يحكم كل تفاصيل حياتنا، ما زال أحد أكبر ألغاز الوجود. فهو يمر، ويقاس، ويفهم نسبيًا، ويقسم بدقة… دون أن ندرك حقيقته الكاملة. فهل هو مجرد وهم؟ أم واقع لا يمكن إدراكه؟ تجمع الفلسفة والفيزياء خيوط هذا اللغز في محاولة لفهم جوهره، فيقودنا البحث إلى رحلة فكرية تستكشف قياس الزمن وتحولاته وسحر حضوره في وعينا.
لغز الزمن
عبر جون آرتشيبالد ويلر، أحد أبرز الفيزيائيين الأمريكيين في القرن العشرين، وصاحب فكرة “الثقب الدودي” الذي تخيله كجسر يربط بين نقطتين في الزمان والمكان، عن لغز الزمن بعبارة تحمل روحًا من الطرافة والعمق في آن:
الزمن هو ما يمنع كل شيء من الحدوث في وقت واحد.
كانت تلك الجملة محاولة لتبسيط أحد أكثر الألغاز المستعصية في فهم الكون. لغز لا يكف عن إثارة العقول وتحفيز البحث. فبالرغم من تراكم معارفنا عن خصائص الزمن، يظل جوهره غامضًا، كأنه ينساب أمام أعيننا دون أن نعرف مم يتكون بالضبط.
يتحرك الزمن في اتجاه واحد فقط. وهذه السمة تبدو الأكثر وضوحًا بين خصائصه. يواصل الزمن تقدمه إلى الأمام دون رجعة، كالسهم الذي لا يعرف طريق العودة. ولهذا يتحدث الفيزيائيون عن “سهم الزمن”.. ذلك المسار الذي يربط الماضي بالمستقبل عبر الحاضر الذي لا يدوم. ومع ذلك، تظل هذه الحركة الأحادية أحد أعظم الألغاز: لماذا لا يسير الزمن في الاتجاه المعاكس؟ لماذا ينهار الزجاج، ولا يعود قطعة واحدة كما كان؟
ثمّة خاصية أخرى اكتشفها الإنسان بعد رحلة طويلة من التفكير: الزمن نسبي.
أينشتاين يقلب معادلة قياس الزمن
حتى بدايات القرن العشرين، كان الاعتقاد السائد — بفضل إسحاق نيوتن — أن الزمن مطلق، يجري بنفس المعدل في كل مكان، كأن الكون كله يعيش على ساعة واحدة كبرى. لكن في عام 1905، قلب ألبرت أينشتاين هذا التصور رأسًا على عقب حين نشر نظريته في النسبية الخاصة، مؤكدًا أن الزمن ليس كيانًا ثابتًا، بل يتأثر بسرعة الحركة والإطار المرجعي الذي يتم قياس الزمن منه.
قدم أينشتاين مثالًا بسيطًا ومذهلًا في آن: تخيل توأمين.. أحدهما يسافر في الفضاء بسرعة تقترب من سرعة الضوء.. بينما يبقى الآخر على الأرض. عندما يعود المسافر، سيجد أن الزمن مر عليه ببطء أكبر. وأنه أصغر سنًا من توأمه الذي بقي على الأرض. هذه المفارقة، التي بدت حينها خيالًا علميًا، أصبحت حقيقة علمية مؤكدة. فحتى الجاذبية نفسها تبطئ مرور الزمن؛ فكلما اشتد الحقل الجاذبي، تباطأ الإيقاع الزمني داخله.
قدم العلماء في عام 1971 أول برهان عملي على صحة ما تنبأت به معادلات أينشتاين. جرى اختبار دقيق لقياس الزمن باستخدام ساعتين ذريتين قادرتين على قياس الوقت حتى أجزاء من المليار من الثانية. وضعت إحداهما على الأرض، وأرسلت الأخرى في رحلة جوية حول الكوكب بسرعة تقارب 900 كيلومتر في الساعة. وعند عودتها، تبين أن الزمن في الساعة الطائرة تأخر قليلًا عن نظيرتها الأرضية، بفارق ضئيل لا يتجاوز بضعة أجزاء من المليار من الثانية. ومع ذلك، كان هذا الفارق الصغير كافيًا ليؤكد ما قاله أينشتاين قبل سبعين عامًا: الزمن لا يسير بنفس الإيقاع في كل مكان، بل ينحني ويتباطأ، ويتغير وجهه مع الحركة والجاذبية.
قياس ما لا نعرفه.. كيف بدأنا قياس الزمن؟
قبل أن يخطر للإنسان أن يعرّف الزمن أو يدرسه نظريًا، كان عليه أولًا أن يواجه الحاجة إلى قياس الزمن. فالحياة، منذ بداياتها المنظمة، كانت تتطلب معرفة “متى” يبدأ العمل و”متى” ينتهي، و”كم مضى من الوقت على حدث ما”. ولم تكن هذه الأسئلة مجرد فضول فلسفي، بل كانت ضرورات عملية لتنظيم الزراعة، وتحديد مواسم الصيد، ومراقبة الفيضانات، والاحتفال بالطقوس الدينية.
كانت الفترات الزمنية الطويلة تقاس بسهولة نسبية.. فدورة الليل والنهار واضحة للعين. وكذلك دورة القمر التي تكررت كل شهر. ودورة الشمس السنوية التي تحدد الفصول. ومع الوقت، لاحظت الشعوب أيضًا دورات أجرام سماوية أخرى، فربط المايا تقاويمهم بحركة كوكب الزهرة. بينما اعتمد المصريون القدماء على نجم الشعرى اليمانية (سيريوس) الذي كان طلوعه في الأفق الشرقي يتزامن مع فيضان النيل، فيمثل لهم بداية عام جديد.
لكن مع التحول من حياة الترحال إلى الاستقرار الزراعي، ظهرت حاجة جديدة: تقسيم اليوم ذاته إلى وحدات أصغر قابلة للقياس ومشتركة بين الجميع. لم يعد يكفي أن نعرف أن الشمس في كبد السماء، بل صار من المهم معرفة كم تبقى من “النهار”. ومتى يحين وقت العمل أو الصلاة أو الراحة. لهذا، لجأ الإنسان إلى استخدام عمليات متكررة يمكنها أن تشير إلى فترات زمنية متساوية تقريبًا:
- الشموع المعلمة، التي كان احتراق كل جزء منها يعني مرور مدة معينة.
- الساعات الرملية، التي تنساب فيها حبيبات الرمل بإيقاع ثابت.
- الساعات المائية، التي تقيس الزمن بتدفق الماء من إناء إلى آخر.
- شرائط البخور التي تحترق بوتيرة منتظمة في المعابد.
أول ساعة لقياس الزمن في التاريخ
أما في مصر القديمة، فكان العمال الذين يعملون في المقابر الملكية تحت الأرض يزودون بمصابيح زيتية تحتوي على كمية محددة من الزيت. وعندما ينفد الزيت، كانوا يدركون أن وقت تناول الطعام أو انتهاء العمل قد حان. كانت النار والضوء إذن وسيلتين لقياس الزمن في غياب الشمس.
لكن المصريين لم يكتفوا بذلك. فقد كانوا أول من استخدم الظل لقياس الزمن. أقاموا المسلات التي لم تكن مجرد رموز دينية أو معمارية، بل كانت أيضًا أول ساعات شمسية في التاريخ. كانت الظلال التي تلقيها المسلة على الأرض تتحرك بانتظام مع دوران الشمس. فدلت الناس أولًا على ما قبل الظهر وما بعده. ثم أضافوا تقسيمات فرعية دقيقة، فظهرت فكرة الساعات لقياس الزمن.
يعتقد أن أقدم ساعة شمسية أنشأها المصريون قبل نحو 3500 عام. وقد قسموا النهار إلى عشر ساعات. وأضافوا إليه ساعتين للفجر والغسق. بينما اعتبروا الليل مؤلفًا من اثنتي عشرة ساعة يحدد طولها من خلال تعاقب نجوم محددة تظهر على الأفق. كان الليل والنهار إذن يتقاسمان التوازن ذاته، في تناغم كوني يعكس إيقاع العالم كما تصوره المصري القديم. عالم لا يزال قياس الزمن فيه مرتبطًا بالسماء، قبل أن يصبح، لاحقًا، سجينًا في عقارب ساعة.
لماذا يتكوّن النهار من 12 ساعة؟

اعتمدت معظم الحضارات القديمة على أنظمة عدّ بسيطة، عشرية أو عشرينية، لكن مصر القديمة استمدت نظامها الستيني من البابليين، الذين ورثوه بدورهم عن السومريين. كان السومريون أول من استخدم نظامًا اثني عشريًا يقوم على تقسيم الأشياء إلى اثنتي عشرة وحدة. لم يُعرف السبب الدقيق لاختيار هذا الرقم. لكن علماء الرياضيات لاحظوا أن العدد 12 يتميز بتعدد عوامله (2، 3، 4، 6)، مما يجعله مثاليًا لإجراء عمليات القسمة والتجزئة بسهولة أكبر من النظام العشري القائم على العدد 10.
تطور هذا النظام بمرور الزمن. فعندما ضُرب الرقم 12 في 5، ولد الرقم 60، الذي أصبح أساس النظام الستيني الذي استخدمه البابليون، ثم تبناه المصريون في قياس الزمن. تشير بعض النظريات أيضًا إلى أن العدد 12 يرتبط بدورات القمر؛ فالسنة القمرية تحتوي تقريبًا على اثنتي عشرة دورة كاملة. وهو ما ألهم التقويم السنوي ذي الأشهر الاثني عشر.
قسم البابليون الساعة في ظل هذا النظام إلى 60 دقيقة. وجعلوا كل دقيقة مؤلفة من 60 ثانية، على الأقل من حيث المفهوم الرياضي، لأن قياس الثانية بدقة لم يتحقق فعليًا إلا بعد اختراع الساعة الميكانيكية في العصور الوسطى. ومع أن أدوات القياس البدائية لم تكن تسمح بتلك الدقة، فقد ظلت فكرة “الستينيات الزمنية” راسخة، حتى غدت اليوم من أبسط المسلمات في حياتنا اليومية.
ومن اللافت أن آثار النظام السومري ما زالت تتسلل إلى ثقافتنا الحديثة بطرق غير متوقعة. فمثلاً، نبيع السلع بالدزينة (12 قطعة). ونتحدث عن اثني عشر برجًا في دائرة الأبراج، رغم أن الفلكيين يعرفون بوجود أبراج إضافية مثل قيطس وحواء، لكنها استُبعدت لتبقى الدائرة منسجمة مع الرقم 12 السحري.
أما عندما أصبح العلم الحديث بحاجة إلى قياس فترات زمنية أدق من الثانية، فقد اتجه إلى النظام العشري الذي نعرفه اليوم، فقُسمت الثانية إلى أعشار وأجزاء مئوية وألفية. ومع ذلك، ما زال الإرث السومري قائمًا في كل لحظة ننظر فيها إلى الساعة، نقرأ فيها “الخامسة وأربعون دقيقة”، أو نحسب فيها “الثواني” — إرث قديم يواصل قياس الزمن في حياتنا المعاصرة.
هل يوجد الزمن كما توجد المادة؟
يعتقد عدد من الفيزيائيين والفلاسفة أن الزمن كما نعرفه ليس كيانًا ماديًا، بل نتاج لوعينا البشري. فالماضي والمستقبل، في هذا التصور، مجرد أفكار نسقطها على الواقع. أما الذي يوجد حقًا فهو الحاضر وحده — تلك اللحظة المستمرة التي تتوالى فيها الأحداث وتترك آثارها في العالم. فكل ما نعده “ماضيًا” ليس أكثر من أثر باقي في الذاكرة أو فكرة محفوظة في الوعي أو أثر مادي في الحجارة والفن والعلم. كل ذلك يعيش في الآن، لا في زمن مضى.
يدرك الإنسان مرور الزمن فقط من خلال الحركة والتغير؛ فحين تتحرك الأشياء من حال إلى حال، ينشأ الإحساس بالتتابع. ويولد في الذهن مفهوم “قبل” و”بعد”. ينسج الخيال من هذا الإدراك تصور المستقبل، بناءً على ما يتوقع أن يتحرك أو يتغير لاحقًا. إننا، في جوهر الأمر، لا نعيش إلا في الحاضر. لكننا نحمل الماضي في ذاكرتنا ونستبق المستقبل بتوقعاتنا، وكأن وعينا خيط يمتد بين لحظة كانت، ولحظة لم تأتي بعد.
ورغم ذلك، يبقى الحاضر نفسه لغزًا. فمتى تبدأ اللحظة ومتى تنتهي؟ وكيف يمكن أن تكون مستمرة إذا كانت، في كل آن، تنقضي لتفسح المجال لغيرها؟ زادت نظريات الفيزياء الحديثة هذا اللغز عمقًا، وخصوصًا نظريات الجاذبية الكمومية التي تقترح أن الزمن ليس تدفقًا متصلاً كما نراه، بل يتكون من وحدات متناهية الصغر تعرف باسم الكرونونات. تتعاقب هذه الوحدات بسرعة هائلة، كما تتعاقب الفوتونات لتكوين شعاع الضوء، الذي ظنناه في الماضي متواصلًا، إلى أن كشفت ميكانيكا الكم عن طبيعته النبضية المتقطعة.
ربما تلخص صعوبة فهم الزمن تجربة ذهنية بسيطة: حاول أن تُعرّف كلمة “زمن” دون أن تستخدم الكلمة نفسها أو أي تعبير يدل عليها مثل المدة، أو الفترة، أو التتابع. ستكتشف حينها أن الزمن يتسرب من بين الكلمات كما يتسرب من بين الأصابع، وكأنه لا يريد أن يُعرَّف، لأنه ليس شيئًا نرصده من الخارج، بل النسيج الذي نوجد داخله.
حدود قياس الزمن
تعد أصغر وحدة زمنية معروفة نظريًا ما يسمى بـ «زمن بلانك»، وهو مفهوم قدمه الفيزيائي الألماني ماكس بلانك في أواخر القرن التاسع عشر. يمثل هذا الزمن الفاصل الأدنى الممكن في الكون. أي الحد الذي تتوقف عنده قوانين الفيزياء كما نعرفها عن العمل. ويُعرَّف زمن بلانك بأنه الوقت الذي يحتاجه فوتون يسير بسرعة الضوء ليقطع مسافة تساوي «طول بلانك».. وهي مسافة دقيقة إلى حد يصعب تصوره، أصغر من قطر البروتون بمئة تريليون مرة. عند هذا الحد المجهري، يصبح الزمن نفسه كموميًا، لا يتدفق بسلاسة بل ينبض في ومضات متناهية الصغر.
ورغم آلاف السنين التي قضاها الإنسان في مراقبة الزمن والتفكير فيه وقياسه، يظل هذا المفهوم من أكثر ألغاز الكون استعصاءً على الفهم الكامل. حاول الإنسان أن يروضه بالتقويمات، وقياس الزمن في الساعات، وتفسيره بالمعادلات، لكنه ما زال كائنًا مراوغًا، نعيش فيه كما يعيش السمك في الماء، محاطين به من كل جانب من غير أن نراه أو نلمسه.
يتحرك الزمن فينا وبنا. يحملنا إلى الأمام بينما نظن أننا من نمضي فيه. وكل ما نستطيع إدراكه ليس إلا أثره العابر في الأشياء: في الذكريات، في الوجوه التي تغيرت، في الأجساد التي نضجت، وفي الضوء الذي يسافر نحونا من نجوم انطفأت منذ ملايين السنين.
يمكننا قياس الزمن الآن، لكن ربما لن ندرك يومًا ما هو الزمن حقًا. وربما سيبقى دائمًا أفقًا يتراجع كلما اقتربنا منه. ومع ذلك، سنظل نعيش أسرى حضوره الدائم، نحتمي بالحاضر كنافذة صغيرة يطل منها وعينا على هذا التيار الخفي الذي يجرف كل شيء، بينما يواصل الزمن عبوره الصامت… ويتركنا نحاول اللحاق بظله.
المصادر
|
1. Author: Stephanie Pappas and Jeanna Bryner, (04/25/2023), Who Invented the Measurement of Time, www.scientificamerican.com, Retrieved: 10/28/2025. |
|
2. Author: Jaq Prendergast, (12/28/2023), A brief history of time – as told by a watchmaker, www.theconversation.com, Retrieved: 10/28/2025. |
|
3. Author: Sydney Baldwin Self, (03/01/2018), Measuring Time, www.researchgate.net, Retrieved: 10/28/2025. |
|
4. Author: Herman Aguinis and Rene M. Bakker, (03/17/2020), Time is of the essence: Improving the conceptualization and measurement of time, www.sciencedirect.com, Retrieved: 10/28/2025. |