ما هي المذنبات؟ كشف أسرار زوّار الليل السريّون
في تلك الليالي التي يخفت فيها ضوء المدن، ويصفو الأفق، يظهر فجأة ذلك الذيل المتوهج يشق السماء بصمت مهيب. إنها المذنبات.. هؤلاء الزوار الغامضون الذين يأتون من أطراف الكون بلا موعد ليثيروا الرهبة والدهشة في القلوب، حاملين معهم أسرارًا عمرها مليارات السنين. فما هي المذنبات؟ ومن أين تأتي؟ ولماذا اعتبرت نذر شؤم في حضارات سادت ثم بادت؟ وكيف غير العلم نظرتنا إلى هذه الأجسام المتوهجة، التي تختفي لقرون ثم تعود؟ في هذا المقال، نرافق المذنبات في رحلتها من الأساطير إلى المختبرات، ونغوص في أعماق جليدها لنكتشف وجهًا آخر للكون..
ما هي المذنبات؟
المذنبات هي ظواهر كونية شديدة الجاذبية، لا يمكن التنبؤ بها (باستثناء بعض المذنبات الدورية مثل هالي). وهي مبهرة ولها مظهر يختلف تمامًا عما نراه عادة. ولهذا السبب، اعتبرتها العديد من الثقافات قبل العلمية أنها تخرق نظام الكون الذي راقبته البشرية باهتمام بالغ منذ بداية الزراعة. إن حركة الأجرام في السماء يمكن التنبؤ بها وتظهر دورات محددة بدقة. ولكن المذنبات كانت تظهر فجأة، وتتحرك بسرعة عالية بجسمها اللامع وذيلها الممتد، لذا غالبًا ما اعتبرت نُذرًا أو بشائر، وغالبًا ما كانت تشير إلى أحداث سلبية.
المذنبات في الحضارات القديمة

أحد أقدم روايات البشرية، “ملحمة جلجامش”، التي كتبت قبل ما لا يقل عن 2000 عام في بلاد ما بين النهرين، كانت تحذر من أن قدوم المذنبات سيجلب الحرائق والكبريت والفيضانات.. في حين أن قبائل الياكوت في منغوليا كانوا يطلقون عليها “بنات الشيطان”. لقد كان الخوف منها أمرًا شائعًا. وكان من المعتاد أن تُلام على كل مأساة تقع حين يكون مذنب ظاهرًا، من اغتيال يوليوس قيصر إلى الطاعون الأسود في إنجلترا خلال العصور الوسطى. وحدها الصين، حيث كانت تعرف باسم “النجوم الدنيئة”، سجلت ظهور المذنبات بطريقة أكثر حيادية عبر القرون.
مذنبات خلدها التاريخ..
كل مذنب يمكن رؤيته من سطح كوكبنا يصبح خبرًا هامًا، سواء كان مذنب مارس العظيم عام 1843، الذي كان مرئيًا في وضح النهار. وظهر له ذيل بطول يعادل ضعفي المسافة بين الأرض والشمس، أو مذنب هالي الذي يعود إلى جوار الشمس كل 75 إلى 76 عامًا، أو مذنبات خيبت الآمال لأنها تدمرت عند اقترابها من الشمس، مثل كوهوتيك أو آيسون عام 2013.
لكن حتى تلك التي لم تمر بالقرب من كوكبنا قادرة على أسر خيالنا. على سبيل المثال، انشطر مذنب شوميكر ليفي 9 في يوليو عام 1994 عند مروره بالقرب من كوكب المشتري.. وسقطت شظاياه على هذا الكوكب الغازي، مما أتاح اكتساب كمية هائلة من المعرفة حول عملاق نظامنا الشمسي، وجذب اهتمامًا إعلاميًا ضخمًا. وعلى الرغم من وجود أدلة على اصطدام مذنبات بكواكب، بما في ذلك كوكبنا، فإنها كانت المرة الأولى التي يتمكن فيها علماء الفلك من مشاهدة حدث من هذا النوع.
حتى اسم هذا المذنب يلفت الانتباه. لماذا؟ لأنه مذنب اكتشفه في الوقت نفسه الزوجان يوجين وكارولين شوميكر، وهما فلكيان محترفان، وديفيد ليفي، وهو هاوٍ في علم الفلك. وقد شارك الثلاثة في اكتشاف عدة مذنبات.. وكان التاسع منها هو الذي لعب دور البطولة في ذلك الاصطدام الشهير مع كوكب المشتري.
يمكن أن تكتشف المذنبات بواسطة هواة أو محترفين، سواء باستخدام التلسكوبات أو من خلال تحليل الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية مثل القمر الصناعي “سوهو” المخصص لمراقبة الشمس. وغالبًا ما تسمى باسم مكتشفيها.
من الخرافة إلى الدراسة العلمية

في القرن الخامس عشر، ومع بزوغ الثورة العلمية، انتقلت المذنبات نهائيًا من ميدان الخرافات والتشاؤم إلى مجال الدراسة المنهجية والمنظمة. وقد سمح هذا التحول بتحديد أنها أجسام تدور حول الشمس مثل الكواكب.. لكنها تفعل ذلك – كما أثبت إسحاق نيوتن بحساباته – عبر مدارات بيضوية (إهليليجية) طويلة جدًا. ومن خلال حساب تلك المدارات، تبين أن بعض المذنبات تأتي من أماكن بعيدة جدًا، من أطراف النظام الشمسي الخارجية.
سحابة أورط وحزام كايبر
تعد الفرضية الأكثر قبولًا اليوم أن بعض المذنبات تأتي من طبقة كروية من الأجسام الجليدية تحيط بالنظام الشمسي على مسافة تتراوح بين 5,000 و100,000 ضعف المسافة بين الأرض والشمس. وتعرف هذه السحابة باسم “سحابة أورط“، نسبة إلى الفلكي يان أورط الذي اقترح وجودها. ويعتقد أن الاضطرابات الجاذبية هي المسؤولة عن جعل بعض تلك الأجسام تتجه نحو الجزء الداخلي من النظام الشمسي. وقد تستغرق مدارات هذه المذنبات آلاف السنين لتكتمل، ولذلك تسمى “مذنبات طويلة الدورة”.
وعلى النقيض من ذلك، فإن المذنبات قصيرة الدورة تحتاج إلى أقل من 200 عام لإكمال مدارها حول الشمس. ويعتقد أنها تأتي من قرص من الأجسام يعرف باسم “حزام كايبر” يقع خلف مدار نبتون.
مما تتكون المذنبات؟

ويعتقد أن كلا النوعين من المذنبات هما بقايا من تشكل نظامنا الشمسي قبل أكثر من 4.600 مليون سنة. ولذلك فإن تركيبها الكيميائي يعتبر دليلًا على ظروف تلك اللحظة البدائية. نواة المذنب هي مزيج من الجليد والغبار والصخور، ونادرًا ما يتجاوز قطرها 50 كيلومترًا. وعند اقترابها من الشمس، تسخن النواة ويبدأ الجليد بالتسامي، مما يشكل سحابة من الغازات المتطايرة تحيط بالنواة تعرف باسم “ذؤابة”. أما الذيل فيتكون من الغازات والغبار التي يدفعها الريح الشمسي، بطريقة تشبه الذيل المتصاعد. ولهذا السبب فإن ذيل المذنب دائمًا ما يشير في الاتجاه المعاكس للشمس. وعندما يمر المذنب بجوار الشمس ويبدأ في الابتعاد عنها، يشير ذيله في اتجاه حركته، ليبدو أقرب إلى لحية منه إلى شعر مسدل.
بلغت ذروة دراسة المذنبات في أبريل 2005، عندما اصطدم مسبار “إيمباكتور” التابع لمهمة “ديب إمباكت” بالمذنب “تمبل 1″، القادم من سحابة أورط، وذلك في محاولة لدراسة تركيبة مذنب مباشرة لأول مرة. وقد خطط لتجاوز هذا الإنجاز عبر المركبة الفضائية “روزيتا” التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي أطلقت في عام 2004. وكان من المقرر أن تنزل في نوفمبر 2014 مسبارًا على سطح المذنب تشوريوموف/ جيراسيمينكو، بهدف إجراء دراسة مطولة لتركيبة المذنب باستخدام أدوات روبوتية متعددة.
وهكذا، فبدلًا من أن تكون نذر شؤم، أصبحت المذنبات تحمل لنا معلومات عن نظامنا الشمسي وسلوك الكون من حولنا. هذا بالإضافة إلى المتعة الجمالية غير القابلة للإنكار عند رؤية أحد هذه الأجسام وهو يعبر قبة السماء، مذكرًا إيانا بالأسرار الحقيقية التي تكمن في أعماق الفضاء.
الموت من أجل مذنب
لم تختفِ الخرافات المرتبطة بالمذنبات بالكامل. فعندما ظهر مذنب “هالي – بوب” في عام 1997، قررت طائفة تعبد الكائنات الفضائية تدعى “بوابة السماء” أن هناك مركبة فضائية تسير خلف المذنب، مخفية بظله. وفي 26 مارس من نفس العام، أقدم 39 عضوًا من هذه الجماعة على الانتحار الجماعي، معتقدين أن أرواحهم ستُلتقط بواسطة تلك المركبة وتُنقل إلى مستوى أعلى من الوجود.
المذنبات ليست مجرد ألعاب نارية كونية تمر وتختفي، بل هي شهود منسيون على فجر النظام الشمسي. تخبئ في قلوبها الجليدية قصصًا عن تكوّن الكواكب.. وارتطامات البداية، وحتى بذور الحياة. وبينما نواصل سبر أغوارها، نكتشف أن أكثر ما يخيف ليس ذيلها المتوهج، بل الجهل الذي نحمله عن الكون الذي نحيا فيه. وفي كل مرة يمر مذنب عبر السماء، يذكرنا بأن هناك ما يزال الكثير لنكتشفه… وربما لنتأمل فيه أنفسنا.













