علوم

العلاج بالكهرباء: الطاقة التي تشفي

هناك لحظات في التاريخ العلمي لا يمكننا أن ننساها، كأن تقفز ساق ضفدع ميتة بفعل شرارة، أو يعود قلب متوقف للخفقان بصعقة كهربائية. بين هاتين اللحظتين تمتد قصة مذهلة عن الكهرباء: قوة خفية لا تُرى.. لكنها تسري في أعصابنا.. تنظم إيقاع قلوبنا.. وتُعيد لعقولنا التوازن حين تضطرب. وما كان في الماضي مصدر رعب وغموض، أصبح اليوم أداة دقيقة في التشخيص، والعلاج، وإعادة التأهيل. تُعتمَد في إعادة تأهيل العضلات، وإدارة الألم، وتحفيز الدماغ، وصولاً إلى إنعاش القلب وعلاج الاكتئاب الحاد. في هذا المقال نستعرض رحلة العلاج بالكهرباء من الأسطورة والخرافة إلى المنهج العلمي، وصولاً إلى أحد أروع تطبيقاتها في الطب الحديث.

أسطورة أم اكتشاف؟

بدأت القصة في عام 1790، حينما طلبت السيدة غلفاني، التي كانت تعاني من الحمى، حساء الضفادع العلاجي. تولى زوجها عالم التشريح الإيطالي لويجي غلفاني تحضير الحساء. ووضع صينية الضفادع على طاولة عمله، حيث كان يعبث بالكهرباء. قفزت شرارة من أحد الأجهزة إلى ساق الضفدع، فارتعشت الساق بعنف. وهكذا اكتشف لويجي غلفاني العلاقة بين النبضات العصبية والكهرباء.

تتمتع هذه القصة بجاذبية أدبية كبيرة، تتضمن شخصية العالِم شارد الذهن الذي يكتشف أمرًا بالغ الأهمية عن طريق الصدفة.. لكنها للأسف مجرد أسطورة. في الحقيقة، بدأ غلفاني أبحاثه قبل ذلك بكثير، عندما لاحظ كيف تؤثر الكهرباء على عضلات الضفادع.. ونشر نتائجه عام 1791 في محاضر معهد العلوم في بولونيا تحت عنوان: تعليق على قوة الكهرباء في الحركة العضلية.

علماء أشعلوا شرارة العلم

كيفية العلاج بالكهرباء
تجربة فولتا على الضفادع

تمت دراسة الكهرباء الغامضة لأول مرة بدقة في عام 1600 على يد الإنجليزي ويليام غيلبرت، الطبيب الخاص للملكة إليزابيث الأولى، والذي اكتشف أن كوكبنا مغناطيسي. وصاغ مصطلح “الكهرباء الساكنة”، أي قدرة الكهرمان على جذب الأجسام الخفيفة بعد فركه.

لكنّ اهتمام العلماء بالكهرباء ازداد بشكل كبير بفضل دراسات شخصيات مثل بنجامين فرانكلين (الذي أثبت أن البرق هو شكل من أشكال الكهرباء)، وأليساندرو فولتا، زميل غلفاني وصديقه وجاره. كان فولتا يرى أن التقلصات في عضلات الضفادع ناتجة فقط عن كون النسيج موصلًا للكهرباء. بينما كان غلفاني يعتقد أن الكائنات الحية تولّد الكهرباء من ذاتها. ولإثبات خطأ صديقه، اخترع فولتا أول بطارية في التاريخ، وهي أمّ جميع البطاريات، بهدف توليد تيار كهربائي مستمر يمكن استخدامه في التجارب.

وحش فرانكنشتاين الكهربائي

ثم ظهرت ماري شيلي التي كانت تُعرف حينها بلقبها قبل الزواج “وولستونكرافت”.. ففي عام 1816، اقترح عليها الشاعر بيرسي بيش شيلي كتابة قصة رعب، بمشاركة الشاعر اللورد بايرون والطبيب جون بوليدوري.

كان أفراد هذه المجموعة قد تحدثوا بالفعل عن اكتشافات الكهرباء. وكانت ماري، التي لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها، تقرأ عن اكتشافات الإيطالي غلفاني. وفي إحدى الليالي، راودها كابوس رأت فيه طالبًا يبعث الحياة في مخلوق باستخدام آلة. وهكذا ولدت رواية فرانكنشتاين أو بروميثيوس الحديث، التي نشرت أخيرًا عام 1819 في إنجلترا، بعد أن تزوجت ماري من الشاعر. ومنذ ذلك الحين، صار اسم “شيلي” يرتبط عند معظم الناس بالوحش وخالقه المعذب.

الصراع بين غلفاني وفولتا

ما هو العلاج بالكهرباء
لويجي غلفاني وألساندرو فولتا

كان من الممكن أن يحسم الجدل بين غلفاني وفولتا عام 1794، حين نشر غلفاني كتابًا يتضمن تجربة تنقبض فيها عضلات الضفدع عند ملامستها لألياف عصبية من ضفدع آخر، وليس من خلال صفيحة معدنية ذات فرق جهد. لكن الغريب أن هذا الكتاب نشر دون توقيع، أي بشكل مجهول.

ولم يحسم الأمر نهائيًا حتى جاء العالِم الطبيعي الألماني ألكسندر فون هومبولت، الذي أجرى سلسلة من التجارب أثبتت أن الأنسجة الحيوانية قادرة على توليد فرق جهد كهربائي ذاتيًا. وهو ما أكدته أيضًا دراساته على الثعابين الكهربائية، التي كانت معروفة بقدرتها على إحداث تقلصات عنيفة في فرائسها.. لكن لم يُفهم سبب ذلك حتى ذلك الوقت.

وهكذا، بعد إثبات أن الألياف العصبية تنقل الكهرباء وتولدها، توالت الاكتشافات.. علمنا أن الجهاز العصبي يتكون من خلايا تشكل امتداداتها الألياف العصبية. وأن هناك مادة عازلة طبيعية في تلك الألياف تدعى الميالين. تمكن العلماء من قياس سرعة النبضات العصبية.. وتوصلوا إلى وصف كيفية انتقال الأوامر العصبية واستقبال المعلومات بين الخلايا عبر إشارات كهروكيميائية.

العلاج بالكهرباء يدخل عالم الطب

لم تتأخر التطبيقات الطبية للكهرباء. فإلى جانب الدجالين الذين كانوا يبيعون الماء المكهرب كعلاج شامل، أو السراويل الداخلية الكهربائية لعلاج العجز الجنسي لدى الرجال، أصبحت مراقبة الفروقات الكهربائية في الجسم تستخدم في إجراءات تشخيصية مثل تخطيط القلب الكهربائي وتخطيط الدماغ الكهربائي، من بين أمور أخرى.

كما بدأت التيارات الكهربائية ذات الشدة المتفاوتة تستخدم في تحفيز العضلات لأغراض إعادة التأهيل، وفي إدارة الألم، والمساعدة على التئام الجروح، إذ إنها تُحسّن الدورة الدموية الدقيقة وتزيد من تصنيع البروتينات في الأنسجة المصابة. وقد تم أيضًا تطبيقها مباشرة على الدماغ بواسطة أقطاب كهربائية لمعالجة أمراض شديدة التباين مثل داء باركنسون والاكتئاب الحاد.

العلاج بالكهرباء يعيد القلب إلى الحياة

مزيل الرجفان القلبي
جهاز مزيل الرجفان القلبي

لكن أكثر استخدامات الكهرباء إثارة في الطب يظل ذلك الذي يعيد إلى الأذهان ضفادع غلفاني ولحظة إحياء فرانكنشتاين لمخلوقه: إنه جهاز مزيل الرجفان القلبي. ففي عام 1899، اكتشف الباحثان جان-لويس بريفو وفريدريك باتيلي أن صدمة كهربائية يمكن أن تسبب رجفانًا في القلب (وهو اضطراب غير منتظم في ضربات القلب يؤدي إلى فشل قلبي كارثي). وأن صدمة أقوى يمكن أن تعكس العملية وتعيد إيقاع القلب إلى حالته الطبيعية.

ومنذ عام 1947، حين استخدم الطبيب الأمريكي كلود بيك الجهاز لأول مرة لإنقاذ حياة مريض يبلغ من العمر 14 عامًا، تطور جهاز إزالة الرجفان بشكل كبير. وساهم في إنقاذ عدد لا يحصى من الأرواح.

الصدمات الكهربائية لا تنعش قلب توقف

غير أن السينما والتلفاز غالبًا ما يظهران استخدام جهاز إزالة الرجفان بطريقة درامية خاطئة. حيث يستخدم “لإعادة تشغيل” قلب متوقف (وهو ما يرمز إليه في المشهد بالشريط المسطح على جهاز تخطيط القلب مصحوبًا بصوت التحذير المستمر).. لكن هذا غير دقيق. فالصدمات الكهربائية لا يمكنها تشغيل قلب قد توقف تمامًا. بل إنها تفعل العكس: توقف القلب مؤقتًا عندما يكون ينبض بشكل فوضوي، بحيث يتمكن المُنظِّم الطبيعي لضربات القلب — مجموعة من الخلايا العصبية تعرف باسم “العقدة الجيبية الأذينية” — من استعادة السيطرة. إنها طريقة لإعادة تنظيم عمل القلب.

أما في حالة التوقف الكامل للقلب، عندما لا ترسل العقدة الجيبية الأذينية أي نبضات، فيتم اللجوء إلى مركّبات كيميائية مختلفة لإعادة تشغيله… وهو إجراء فعّال، وإن لم يكن بنفس إثارة المشاهد السينمائية.

الصدمة الكهربائية المرعبة

يعد العلاج بالصدمة الكهربائية موضوعًا لعدد كبير من قصص الرعب، وذلك بسبب الطريقة التي استخدم بها في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين. ومع ذلك، فإن هذا العلاج يطبق اليوم فقط بموافقة المريض وتحت تأثير التخدير. ورغم أنه ليس علاجًا سحريًا، إلا أنه ليس إجراءً مضرًا بالمريض، بل يعد أداة فعالة في بعض حالات الاكتئاب الحاد ومشاكل نفسية أخرى.

لقد تحولت الكهرباء، التي بدا أمرها غامضًا ومثيرًا للريبة، إلى عنصر أساسي في الطب الحديث، يحمل في طياته وعودًا لعلاج أمراض قديمة ومستعصية. وتؤكد هذه الرحلة أن الفضول العلمي والمجازفات المبكرة تصنع ثورة في فهمنا لجسم الإنسان وقدرته على الشفاء. وبينما نستمر في استكشاف أسرار هذا التيار الخفي، يظل أملنا بتوسيع آفاقه نحو آفاق جديدة من العلاج والابتكار.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!