علوم

المبيدات الحشرية بين إنقاذ البشر وتدمير البيئة

نأكل يوميًا دون أن نرى المعركة الصامتة التي تدور في الحقول؛ معركة يخوضها الإنسان ضد جيوش من الكائنات التي تتربص بمحاصيله، من الفيروسات المجهرية إلى الطيور والثدييات. وفي قلب هذه المعركة، تقف المبيدات الحشرية الزراعية كأداة رئيسية مثيرة للجدل، بين من يراها منقذًا للبشرية من الجوع، ومن يتهمها بأنها خطر على الصحة والبيئة. فما حقيقة هذه المواد؟ كيف تطورت؟ وهل يمكن الاستغناء عنها؟

معركة صامتة في الحقول

نحن نرغب في الحصول على طعام رخيص، وبحالة جيدة، وغير ملوث، وغير مريض، ولم تتعرض له الحشرات أو الحيوانات الأخرى. وهذا أمر سيكون بالغ الصعوبة لولا وجود منتجات مكافحة الآفات. الشيء الوحيد الذي يفصل الإنسان عن الموت جوعًا هو نجاح الحصاد القادم. حيث يعج العالم من حولنا بالكائنات الحية التي تسعى لاستغلال جهودنا الزراعية: آفات وأمراض بتنوع مرعب، من فيروسات دقيقة إلى طيور أو ثدييات كبيرة الحجم كالجرذان، التي تهاجم حقولنا، وبذورنا، وصوامعنا.

قتلت المجاعة الكبرى للبطاطس في أيرلندا مليون شخص بين عامي 1845 و1852. وقد تسببت في وصول آفة جديدة إلى أوروبا تعرف باسم “اللفحة المتأخرة”. اجتاحت حقول البطاطس التي كانت تطعم الشعب الأيرلندي. وانخفض الإنتاج من نحو 15 ألف طن في عام 1844 إلى 2000 طن فقط في عام 1847.

المبيدات الحشرية في الماضي

المبيدات الحشرية
تاريخ المبيدات الحشرية

إن استخدام المبيدات الحشرية لتجنب مثل هذه الكوارث ليست جديدة في التاريخ. فمنذ 6500 عام، في سومر القديمة، نجد أول استخدام مسجل للمبيدات الكيميائية: مركبات مختلفة من الكبريت استخدمت لمكافحة الحشرات والعث. ومنذ ذلك الحين، استخدم الإنسان طيفًا واسعًا من المواد لحماية مصدر غذائه الرئيسي، بدءًا من الدخان (ويفضل أن يكون كريه الرائحة للغاية) الناتج عن حرق مواد مختلفة، إلى مستخلصات نباتية كالمستخرجة من الترمس المر، أو مواد غير عضوية مثل النحاس، والزرنيخ، والزئبق، وغيرها الكثير.

كما استخدمت كائنات حية أخرى كمبيدات. وأبسط مثال على ذلك هو القط الذي يحمي البيوت والحظائر والحقول من الفئران والجرذان، لكن وجدت أيضًا وسائل أكثر تعقيدًا. ففي الصين، قبل ألف عام من ميلاد المسيح، استخدمت نملات مفترسة شرسة لحماية بساتين الحمضيات من اليرقات والخنافس. ويروى أن الفلاحين كانوا يضعون الحبال وعيدان الخيزران لتسهيل حركة النمل بين فروع النباتات المختلفة.

وفي القرن الأول قبل الميلاد، أوصى الحكيم الروماني ماركوس تيرينتيوس فارو باستخدام ماء الزيتون المُرّ الداكن الذي يستخلص من الزيتون قبل الحصول على الزيت لمكافحة النمل، والأعشاب الضارة.. وهو ما يعتبر أول مبيد واسع الطيف في التاريخ. إلى جانب هذه الوسائل، استخدم البشر أيضًا، وعلى مدى معظم تاريخهم، ممارسات سحرية ودينية وخرافية لحماية محاصيلهم، للأسف دون جدوى.

ثورة الكيمياء العضوية

المبيدات الحشرية
استخدام الكيمياء العضوية في صناعة المبيدات الحشرية

وفي أربعينيات القرن العشرين، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأ يتطور نوع جديد كليًا من المبيدات الحشرية يعتمد على الكيمياء العضوية (ونذكر بأن الكيمياء العضوية هي تلك المتعلقة بمركبات الكربون، ورغم أن الكربون هو أساس الحياة، فهذا لا يعني أن كل مادة تعد “عضوية” كيميائيًا لها علاقة بالحياة).

بدت المبيدات وكأنها حل مثالي يحقق النتائج المرجوة للمزارعين دون أن يتسبب في أضرار للكائنات الحية الأخرى، ولا للإنسان. لكن سرعان ما أظهرت الدراسات العلمية، وكما كان متوقعًا أيضًا، أنه لا يوجد شيء مثالي. فقد تبين أن بعض المبيدات تتراكم في البيئة، وبعضها الآخر شديد السمية لكائنات لا تعد من أهدافه. وبعضها يمكن أن يتراكم في الوسط البيئي أو داخل الكائنات الحية، وبعضها كان يستخدم بإفراط من قِبل المستهلكين. وأخيرًا، أدى الاستخدام المتواصل لبعضها إلى أن تصبح عنصرًا من عناصر الضغط الانتقائي.. مما ساهم في ظهور سلالات من كائنات حية مقاومة لتلك المبيدات، على غرار ما يحدث مع المضادات الحيوية التي نستخدمها كأدوية، والتي أدت إلى نشوء عدوى بشرية مقاومة لها.

المبيدات الحشرية بين الذعر والتجاهل

وقد كانت ردة فعل الجمهور منطقية ومليئة بالقلق. تحولت في بعض الحالات إلى خوف غير عقلاني، امتد —بشكل غير مبرر— ليشمل جميع المبيدات والمواد المساعدة في الزراعة. كما اقترن ذلك بجهل بالتطورات التي حصلت خلال العقود الأخيرة. وقد ترسخت في الوعي العام صورة المبيد مقترنة بالمنتجات القديمة. حتى أن بعض المجموعات تعتبر من غير اللائق الإشارة إلى أن أحدًا، رغم كل المشكلات المعروفة، لم يمرض مرضًا خطيرًا أو يمت جراء تناوله منتجات زراعية محمية بالمبيدات الحشرية.

في أواخر ستينيات القرن الماضي، طُرح مفهوم “الإدارة المتكاملة للآفات“. وهي استراتيجية تقوم على استخدام مزيج من الوسائل لحماية المحاصيل. وقد شمل ذلك جزئيًا العودة إلى أساليب لمكافحة الآفات كانت قد أُهملت سابقًا بسبب فاعلية المبيدات.. واعتماد مقاربة متوازنة تُوظّف الخيارات المتاحة بحكمة: المبيدات الكيميائية، والكائنات الحية الأخرى، والوسائل الميكانيكية، وغيرها.

مبيدات حشرية أذكى ومحاصيل أقوى

العلم والمبيدات الحشرية
تحسين إنتاج المبيدات الحشرية

توجد اليوم تشريعات أفضل تنظم استخدام هذه المنتجات (على عكس ما كان عليه الوضع في الأربعينيات والخمسينيات). ويجري العمل على تطوير مبيدات حشرية أكثر فاعلية، وأكثر تحديدًا (تستهدف الآفات فقط دون غيرها من الأنواع)، وقابلة للتحلل إلى بقايا غير سامة يمكن أن تعود بأمان إلى البيئة. إلى جانب ذلك، ظهرت إمكانية دمج قدرات مقاومة الآفات داخل المحاصيل نفسها من خلال الهندسة الوراثية، أو جعلها أكثر قدرة على مقاومة الآفات. على سبيل المثال، هناك اليوم محاصيل تنتج بنفسها السموم التي تفرزها البكتيريا العصوية التورنجية Bacillus thuringiensis، وهي بكتيريا تستخدم غالبًا كمبيد حي للحشرات.

ورغم هذه التطورات، لا تزال 30% من المحاصيل الزراعية حول العالم تُفقد سنويًا. أي ثلث الإنتاج. ويؤكد الخبراء أنه من دون المبيدات الحشرية، ستتضاعف هذه الخسائر. ولهذا، وتحت الظروف الاقتصادية والاجتماعية الواقعية التي يعيشها كوكبنا اليوم، لا يمكن إطعام سكان الأرض الحاليين —البالغ عددهم 7 مليارات نسمة— من دون استخدام المبيدات. والمهم هو الاستمرار في تطوير مواد أفضل.. واستخدامها بذكاء وليس بشكل عشوائي، مع الالتزام بكل الاحتياطات وتطبيق الأنظمة البديلة كلما أمكن وكان ذلك ممكنًا وفعالًا. ومع كل ذلك، سيظل للمبيدات هذا الدور المزدوج: أبطال وأشرار في آنٍ معًا في قصة الغذاء البشري.

صوت العقل العلمي

قال نورمان بورلوغ، مبتكر “الثورة الخضراء” التي يقدر أنها أنقذت أكثر من مليار إنسان، في عام 2003:

إنتاج الغذاء لـ 6.2 مليار شخص، يضاف إليهم 80 مليون شخص كل عام، ليس أمرًا سهلًا. من الأفضل أن نطور علمًا وتقنية تتحسّن باستمرار، بما في ذلك التكنولوجيا الحيوية الحديثة، لإنتاج الغذاء الذي يحتاجه العالم اليوم.

ليست المبيدات الحشرية الزراعية خيرًا مطلقًا، ولا شرًا خالصًا، بل أداة من أدوات العلم، قوتها في كيفية استخدامها. ورغم التقدم الهائل في التشريعات والتقنيات الحيوية، تبقى الحاجة ملحة إلى المزيد من البحث، والمزيد من الوعي، والمزيد من الحكمة في اتخاذ القرار. فإطعام العالم مهمة لا يمكن أن تعتمد على حل واحد، بل على مزيج متوازن من العلم والتقنية والمسؤولية.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!