بعض القصص ينبغي ألا تُحكى أبداً – الجزء الأول

You are currently viewing بعض القصص ينبغي ألا تُحكى أبداً – الجزء الأول

قصص خيالية: بعض القصص ينبغي ألا تُحكى أبداً – قصة قصيرة – الجزء الأول

سر غامض

يحتاج البشر لرواية القصص، فهي شيء أساسي في الحياة. فمن خلال القصص يتسنى لنا فهم أنفسنا وفهم العالم، لكن….
بعض القصص ينبغي ألا تُحكى أبداً……

أجلس على الشاطئ. أتابع هدير الأمواج. أعيد كتابة قصتي مراراً وتكراراً لاسيما أجد في الكتابة ملاذاً لروحي المتعبة. أُدون ما أعجز عن قوله. أكتب كل ما أعرفه، ثم أرمي الصفحات في مهب الريح لعل الطيور تقرأها.

بدأت القصة منذ زمن بعيد. أعتقد حوالي مائتي عام. تلك هي الحقيقة. أريد أحرر ذلك السر المُكبّل بداخل نفسي طوال هذه الفترة الطويلة. ففي لحظات معينة في الحياة يتوجب على المرء أن يبوح بالأسرار، ليُلقي عن كاهله ذلك الحمل البغيض. وهأنذا أبوح بسري الصغير عبر قصاصات ألقيها في الهواء. لم أستطع البوح بذلك السر لأياً من البشر. لذا فأنا أبوح به للطيور في السماء، لأمواج البحار. ومهما يكن فأنا أشعر بالراحة حينما ينتفض الوحش الكاسر بداخلي ليُخرج سمومه بعيداً عني.


مواجهة الموت

إنها قصة شاب يمتاز بالسذاجة. كان من الأثرياء. يملك من كل شىء، لكن الأطباء أخبروه بذلك المرض الخبيث. وكان لا مفر له من مواجهة الموت، سيموت على أية حال خلال بضعة أيام أو ربما أسابيع.

مازال وجهه يحدق فيّ عبر الظلام  إنه أكثر وضوحاً من أن يكون لشبح، ومع ذلك علمت أنه لا يمكن أن يكون حقيقياً. يُطاردني هذا الوجه منذ سنوات مضت. لا ينفك يجعل حياتي جحيم مستعرة.

فيما مضى من الزمن الغابر توطدت علاقتي مع هذا الصديق الطيب، وعندما أخبرني بسره الصغير حول مرضه المميت، حاولت التخفيف عنه، فعرضت عليه نقوم برحلة طويلة إلى أماكن جديدة لم يعهدها من قبل. وافق على الفور في محاولة يائسة منه للاستمتاع بما تبقى له من الحياة. حملنا أمتعتنا وانطلقنا في رحلة عبر الصحاري والبراري والجبال. نحيا وسط الطبيعة الخلابة، لكن وسط رحلتنا أُصيب بحمى أنهكت ما تبقى من جسده الهزيل. حاولت إقناعه بالعودة إلى الديار، لكنه أبى فهو على قناعة تامة بأنه سيموت على أية حال.

كنت أعلم أن الرحلة ستُعجل من تدهور حالته، وبالإضافة إلى ذلك كنت أعلم أنه لا وريث له. بدأت أتمنى لو يموت، لأحصل أنا صديقه المقرب على كل ثروته العظيمة.

اقرأ أيضاً: الموتى الأحياء


ارتعاشة الموت

قصة خيالية

ساءت حالته أكثر وقد كنا حينها في قرية صغيرة. وسط حشود من الفقراء. عرض علينا أحدهم أن يعتني به في كوخه الصغير. رقد على فراش من الصوف بجانب النار. العرق يتصبب من جبينه. يرتعش ارتعاشة الموت. لقد اقتربت ساعة رحيله كثيراً. وفي هذه الأوقات كانت تنتابني مشاعر من الغبطة والسرور كلما اقترب موعد موته المحتوم، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان.

ذات ليلة من ليالي الشتاء الباردة دلفت إلى الكوخ الصغير فلمحت ذلك العجوز صاحب الكوخ يهمس في أذنيه ببعض الكلمات، وما هي إلا لحظات قليلة حتى نهض صديقي متثاقلاً يستند على ذلك الفقير. سرت ورائهما إلى حيث يتوجهان. اقتربت أكثر من صديقي لأساله إلى أين يذهب؟
أخبرني أن الفقير يعرف معالج سوف يعالج مرضي. يُقيم في منطقة بعيدة عن القرية الصغيرة.

سرنا طويلاً حتى وصلنا إلى تلك المنطقة النائية. على البعد لمحنا كوخ أعلى جبل صغير، يقطن فيه ذلك المعالج. دلفنا إلى الداخل. كان يجلس حول النار شيخاً بلغ من الكبر عتياً. تحوطه الكثير من المخطوطات العتيقة، وشرع يتحدث المعالج مع صديقي بلغة بائدة عفا عليها الزمن، وكأن الأساطير السحرية القديمة قد تؤجل موته. هكذا قلت لنفسي بسخرية.

نظرت إلى صديقي وقلت له: أنت تبحث في المكان الخطأ يا عزيزي
انتفض المعالج من مكانه وأشار إليّ بالخروج. اصطحبي الفقير إلى خارج الكوخ، في حين ظل صديقي بالداخل مع ذلك المعالج الغريب.

مر الوقت بطيئاً حتى خرج صديقي يحمل بين يديه صندوق خشبي صغير بداخله خريطة لمكان. أخبرني أن عليه أن يجد ضريحاً لقديس له قدرة علاجية كما تقول أسطورة قديمة. كان هذا الضريح على جزيرة خالية قبالة ساحل قاحل.


كوخ ناسك

حسبتها مسعى يائس لرجل يحتضر، لكن على أية حال ساعدته في مسعاه. أحضرت قارباً متهالكاً من أهل القرية، وأبحرنا به حتى نصل إلى مكاننا المنشود، وفي وسط الماء بدت الجزيرة لنا كإظفر أسود يخرج من المحيط. كانت أشبه بصخرة منها إلى جزيرة. توقفنا بالقارب، وحاولنا صعود تلك الصخرة. كان الطريق وعراً، وتابع صديقي التسلق بلا مبالاة أو هوادة يتشبث بالأمل الأخير له في الحياة. كان يلهث من التعب في ظل حالته المتدهورة. تمنيت حينها أن يتوقف قلبه، لكنه كان مثابراً يتشبث بالأمل الأخير للبقاء على قيد الحياة. وبعد تعب طويل وصل إلى مبتغاه، نظرت إليه وقلت له: أهذا ما جلبتنا إلى هنا من أجله؟!… كوخ ناسك!

انتابني شعور غريب حينها. لقد كرهت ذلك المكان. طيور سوداء كثيرة في السماء تكاد تحجب الشمس. بدا لي أنها تعرف أمراً لا نعرفه. في هذه الأوقات أرسلني صديقي لاحضار الماء، لكنها كانت مجرد حيلة منه. شعرت أنه يريد أن يواجه المجهول بمفرده، ولا يرغب في توريطي معه. سعدت من كل قلبي، وهبطت لأسفل كي أحضر الماء من القارب.

وقبل أن أصل للقارب حدث أن شاهدت أسراباً من الطيور تخرج من ذلك الكوخ، وعندما رفعت عيني للأعلى كي أرى صديقي لكن لم يكن له وجود.


يمكنك قراءة الجزء الثاني من هنا: بعض القصص ينبغي ألا تُحكى أبداً – الجزء الثاني

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك