قصة ابتلاء آل ياسر: مأساة في صدر البعثة المحمدية

You are currently viewing قصة ابتلاء آل ياسر: مأساة في صدر البعثة المحمدية

قصة ابتلاء آل ياسر واحدة من القصص المأساوية التي حدثت في صدر البعثة المحمدية. وما تلقاه هؤلاء من صنوف العذاب على يد أبو جهل جعلت من قصتهم حكايات تروى إلى عصرنا الحالي. فما هي قصة ابتلاء آل ياسر؟

قصة إسلام عمار بن ياسر

تبدأ قصة ابتلاء آل ياسر في تلك اللحظة التي قرر فيها عمار بن ياسر أن ينطلق إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم بعد أن سمع أن محمد بن عبد الله يجتمع مع أصحابه هناك، فقرر أن يذهب ليستمع منه. توقف عمار بن ياسر أمام باب الدار ليرى أمامه صهيب بن سنان الرومي. فيسأله: ماذا تصنع هنا؟ فيجيبه صهيب قائلاً: جئت لأسمع من محمد؟ وأنت ماذا تصنع هنا؟ فقال عمار: مثلك تماماً. وانطلقا في طريقهما إلى النبي، وبعد أن يسمعا منه يسلمان على يده.

كان من الممكن أن ينتهي الأمر عند ذلك الحد، لولا أن تقصى أثرهما نفر من قريش، لتعلم قريش بعد ذلك بمخبأ الرسول والمسلمين في دار الأرقم، ويترتب على ذلك أحداثاً جسيمة يعاني منها ليس عمار فحسب بل آل ياسر جميعاً. وما لاقوه من صنوف العذاب بعد ذلك كان نظراً لأنهم ليسوا من سادات قريش. فماذا حدث بعد ذلك؟


أبو جهل يعنف ياسر

على الجانب الأخر من القصة كان يجتمع البعض من سادات قريش في ناديهم فإذا بياسر والد عمار يقبل عليهم وفجأة يستوقفه أبو جهل قائلاً: أريد أن أعرف من هو منا، ومن هو علينا. فقد آن الأوان لكل من قام بمكة أن يعلن عن ذاته. هنا تعجب ياسر من حديث أبي جهل وقال له: أمسك عليك يا أبا الحكم. فإنك لم ترميني بسوء منذ أن تحالفت مع عمك أبا حذيفة على أن أسالم من يسالمه وأعادي من يعاديه.

ضحك أبو جهل وقال له ساخراً: إذن ستعادي ابنك عمار الآن؟ علت الدهشة وجه ياسر وقال له: أوضح يا أبا الحكم فلا أفهم من حديثك شيئاً. فقال له: أتعلم أن ابنك قد صبأ بالأمس وآمن بمحمد وأصحابه في دار الأرقم بن أبي الأرقم؟ هنا صعق ياسر من هول ما سمع، وانعقد لسانه، لكنه سرعان ما استجمع شتات نفسه ورد على أبي جهل قائلاً: بئس ما لقيت به حليفك يا أبا الحكم، فإني لم أرى عمار أمس ولا اليوم ولا أعلم ما كان من أمره. فهلا عنفت الأرقم وهو مثلك سيد من سادات مخزوم. وقد صبأ قبل أن يصبأ عمار وجعل من داره مأوى للمسلمين. ولكنك خفت الأرقم لأن بني أبيه ينصرونه إن أردته بمكروه، أما أنا فلا نصير لي.

اقرأ أيضاً: خالد بن سنان: قصة نبي عربي ظهر قبل النبي محمد


إسلام ياسر

ثم انطلق ياسر في طريقه إلى بيته ليعلم ما كان من أمر عمار. وحين وصل إلى منزله استقبلته زوجته سمية مبتهجة وقالت له: أبشر أبا ياسر فقد جاءنا عمار بخير الدنيا والآخرة. لم ينظر لها ياسر بل نظر إلى عمار وقال له غاضباً: أفصح عما تريد بعد أن صبأت؛ ويلك يا عمار ماذا جنيت على أبويك. فقال له عمار بهدوء ورفق: بل قل ماذا جنيت لأبويك، لقد جنيت لكم خير الدنيا والآخرة. وشرع عمار يقص عليه ما حدث بينه وبين رسول الله. ثم أسمع أبيه كلام الله فرق قلبه متأثراً بذلك الحديث. ثم بكى وقال لابنه: متى تصحبنا إلى محمد نسمع منه كلمة الحق. واصطحب عمار أبويه وانطلقوا جميعاً إلى رسول الله ليعلنوا إسلامهم. لكن لماذا أسلم ياسر بهذه السرعة؟


لماذا أسلم ياسر بهذه السرعة؟

لكي نعرف لماذا أسلم ياسر بهذه السرعة لابد لنا من أن نعود إلى بدايات القصة. فعندما جاء ياسر إلى مكة لاجئاً وحليفاً لأبي حذيفة ولم يكن حينها قد تجاوز العشرين من عمره. طلب منه أبا حذيفة أن يحالفه عند آلهته فأبى ياسر ذلك الأمر. وقال له: لو أردت أن اتخذ إلهاً لعبدت البحر الذي أخشاه. أو الشمس التي تضيء لي أو النجوم التي اهتدي بها. اما هذه الاصنام فلا تحرك في شيئاً. ولما تلى على مسامعه ابنه عمار كلام الله شعر بالرهبة والخضوع وآمن بإله محمد.

اقرأ أيضاً: قصة ماشطة فرعون: عذاب امرأة مؤمنة مع أولادها في التنور المغلي


قصة ابتلاء آل ياسر على يد أبو جهل

لنعود إلى قصة إسلام آل ياسر. انطلقت العائلة في طريقها إلى رسول الله ليعلنا إسلامهم. وما إن أقبل المساء حتى آتاهم أبو جهل في رهط من بني مخزوم فوضعوا عمار وأبويه في الأصفاد وأشعلوا النار في دارهم وساموهم سوء العذاب. وفي اليوم التالي اجتمع المشركون في ناديهم ولم يتحدثوا في بيع ولا تجارة. بل كان محور الحديث حول ما فعله أبو جهل في آل ياسر بالأمس. فلم يعهد العرب مثل هذه الأفعال من قبل.

انطلق الوليد بن المغيرة غاضباً إلى ابن أخيه أبو جهل وصرخ فيه قائلاً: ويحك يا ابن أخي لقد أحدثت في هذا الحرم الآمن ما لا عهد لنا به؛ واتبعت هواك ولم تستشر أحد. إن الناس يأتون إلى هنا ليشعروا بالأمان، ويطعموا من جوع. ويلتمسون في هذا الحرم السكينة. ثم أشار عليه أن يطلق سراح هؤلاء الأسرى. لكن أبو جهل أبى ورفع سيفه وقال: لا واللات والعزى؛ لن تصلون إليهم وهذا السيف في يدي. ثم حاول أن يستعطف عمه فقال له: ولكنك تعلم يا عماه أن محمداً قد سبقني وأحدث في هذا الحرم ما لا عهد لأهله به. فرد عليه عمه: ولكن محمد لم يحرق داراً على رؤوس أهلها. ولم يضع الأصفاد في يد أحد. فقال له أبو جهل: لقد فعل شراً من ذلك. ثم استطرد يقول: واللات والعزى لو أطعت نفسي لقتلت الأرقم وأحرقت داره.

اقرأ أيضاً: عثمان بن عفان: ماذا فعل ثالث الخلفاء الراشدين ليستحق القتل؟


صبراً آل ياسر

لما يأس عمه من حديثه تركه وغادر المجلس. إلا أن أبي جهل ذهب مع نفر من قريش إلى دار آل ياسر وأمر أعوانه أن يطرحوهم أرضاً. ثم شرع في كويهم بالنار في صدروهم وظهورهم، وأمعن في تعذيبهم وهو يتمنى أن يسمع منهم كلمة استغاثة أو استجداء أو حتى صيحة. إلا أنهم جميعاً تحملوا هذا العذاب العظيم، دون تبرم. حتى قام بطعن سمية طعنة فارقت الحياة على إثرها لتكون أول شهيدة في الإسلام. ولم يتحمل ياسر النار فلفظ أنفاسه الأخيرة. ولم يبقى منهم حياً سوى عمار بن ياسر.

علم الرسول بأمر آل ياسر، وابتلاءهم وحزن لذلك الأمر حزناً شديداً. وانطلق إلى مكانهم فوجد ياسر وزوجته جثث هامدة. نظر إليهم في حزن وقال: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة. ثم رفع يده إلى الله يدعوه قائلاً: اللهم لا تعذب أحد من آل ياسر بالنار.


وإلى هنا يسدل الستار عن قصة من أكثر القصص المأساوية التي حدثت في صدر البعثة المحمدية، إنها قصة ابتلاء آل ياسر وما فعله معه رأس الكفر أبو جهل. وتعد هذه القصة مثالاً عظيماً للصبر على الابتلاء.


المراجع:

  • سير أعلام النبلاء – شمس الدين الذهبي.
  • كتاب الطبقات الكبير – ابن سعد.
  • سنن الترمذي – أبو عيسى الترمذي.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك