مراجعة فيلم The Pianist: قصة مفجعة تفتقر إلى العمق الحقيقي

You are currently viewing مراجعة فيلم The Pianist: قصة مفجعة تفتقر إلى العمق الحقيقي
فيلم The Pianist للمخرج رومان بولانسكي

فيلم The Pianist هو أحد أفلام المخرج الرائع رومان بولانسكي، وهو استحضار مؤثر للمحرقة النازية. حيث لم يترك أي جهد لإبراز الوحشية التي واجهها اليهود على أيادي الألمان. حصد الفيلم على ثلاث جوائز أوسكار: واحدة للممثل الرئيسي أدريان برودي، وواحدة للمخرج رومان بولانسكي وواحدة عن سيناريو رونالد هاروود. لكن هل يعد هذا الفيلم تحفة فنية كما يُقال عنه. هذا ما سنتعرف عليه من خلال مراجعة The Pianist بشيء من التفصيل.

قصة فيلم The Pianist

تستند قصة فيلم The Pianist على التجربة الشخصية الذي عانى منها فلاديسلاف شبيلمان. وهو شخصية حقيقية يهودية عمل كعازف بيانو في شبابه. وكان يعيش في وارسو عندما هاجم النازيون المدينة وغزوها في عام 1939. وقد تم اقتباس سيناريو هذا الفيلم من مذكرات شبيلمان.

الغزو

يبدأ فيلم The Pianist في عام 1939 عندما كان فلاديسلاف شبيلمان – أدريان برودي – يقوم بأداء مقطوعة بيانو على الهواء في محطة إذاعية في وارسو. عندها فقط تعرض المبنى لهجوم بنيران المدافع من قبل الجيش الألماني الغازي. يهرب الجميع باستثناء شبيلمان الذي يواصل العزف على البيانو. لكن مع نيران المدافع التي دمرت جدار الاستوديو يجبر على مواجهة الواقع والفرار بنفسه.

ينتمي شبيلمان إلى عائلة يهودية ميسورة الحال، وكان اليهود يعاملون معاملة حسنة في بولندا منذ فترة طويلة. لكن تبين أن الجيش الألماني الغازي يتسم بالقسوة الشديدة وبشكل خاص تجاه اليهود. كما يبدو أنهم يطلقون النار على المدنيين في الشوارع لمجرد اللهو. سرعان ما تم نقل عائلة شبيلمان، مع جميع اليهود الآخرين، إلى غيتو وارسو[1] المحاط بالأسوار العالية.

الهروب

في عام 1942، يتم نقل شبيلمان وعائلته إلى معسكر للإبادة الجماعية، لكن قبل نقل شبيلمان يتعرف عليه أحد معارفه الذي يتعاون مع الشرطة الألمانية فيسحبه بعيداً قبل أن يصعد على متن القطار الذهاب إلى معسكر الإبادة. بينما يتمكن فلاديسلاف من الهروب والعثور على مخبأ مؤقت في المدينة. هذه مجرد واحدة من العديد من الضربات غير المألوفة للحظ السعيد في الحكاية التي أنقذت فلاديسلاف من الإبادة الوشيكة.

على مدى السنوات القليلة المقبلة، يضطر فلاديسلاف إلى الانتقال من مخبأ إلى آخر بمساعدة العديد من أصدقاءه غير اليهود، لكنه يجد نفسه في معظم الأحيان وحيداً في مبان مهجورة وبدون طعام. خلال هذا الوقت، كان ينظر أحياناً من نافذة مخبأه ليرى انتفاضة غيتو وارسو الفاشلة[2] التي قضى عليها الجيش النازي. في النهاية، يبدو أن مدينة وارسو بأكملها قد دمرت. على مدار هذه السنوات، واجه فلاديسلاف الهارب صعوبة كبيرة في العثور على أي طعام في المباني المهجورة التي يختبئ فيها، وهو دائماً على شفا المجاعة. لذلك يصبح أكثر هزالاً[3].

تأثير الموسيقى

أخيراً وأثناء وجود شبيلمان في أحد المباني المهجورة اكتشفه ضابط ألماني. وعندما يخبره فلاديسلاف أنه عازف بيانو، يطالب الضابط المتشكك أن يُظهر براعته على البيانو الموجود في المبنى. لذلك عزف له مقطوعة شوبان، مما أثار تعاطف الضابط معه. ومن هنا يوافق على اخفاؤه في عليه المبنى وتزويد بالطعام سراً بشكل منتظم.

في عام 1945 ومع انسحاب الجيش الألماني، جاء الضابط إلى فلاديسلاف قبل مغادرته وأعطاه معطفه العسكري للتدفئة. (تسبب هذا الزي العسكري الألماني فيما بعد في مشاكل لفلاديسلاف عند وصول قوات الحلفاء). في ختام الفيلم ومع انتهاء الحرب، يظهر فلاديسلاف مرتدياً الزي الرسمي وهو يعزف على البيانو بمرافقة الأوركسترا في قاعة حفلات راقية. بالنسبة إلى فلاديسلاف، على الأقل، استعادت الحياة جمالها السابق.

اقرأ أيضًا: مراجعة فيلم A Late Quartet: نوع آخر من السينما، بعيداً عن الأفلام الرائجة

مراجعة فيلم The Pianist

فيلم The Pianist هو عمل مصقول ورائع، مع قيم إنتاج ممتازة تتميز بالتصوير السينمائي الرائع مع عدد من المقطوعات الموسيقية التي كتبها الموسيقار الكلاسيكي البولندي الشهير فريدريك شوبان. وقد بذل المخرج رومان بولانسكي قصارى جهده لاستحضار أجواء تثير الخراب في مدينة مزقتها الحرب في ذلك الوقت. هذا بالإضافة إلى تمثيل أدريان برودي الذي أدى دور شبيلمان بشكل خاص، وذلك على الرغم من قلة الحوار، إلا أنه ينقل القلق المتزايد لرجل يواجه باستمرار ظروفاً تهدد حياته.

المآسي الإنسانية

إن الصورة التي يرسمها بولانسكي للمآسي الإنسانية التي حدثت خلف جدران الحي اليهودي يوماً بعد يوم مؤثرة للغاية. وتظهر تجارب البؤس اللامتناهي والجوع والإرهاب والاستبداد والقتل في الحلقات التي يرويها بولانسكي عن المصير الغامض لشخصيته الرئيسية. حيث يصف بوضوح الضباط الألمان، وكيف يتصرفون بطريقة قاسية وباردة، ليصبحوا وحوشاً. ويبدو الأمر وكأنه معجزة إنسانية غير متوقعة عندما لا يقتل ضابط ألماني رفيع المستوى – متأثراً بموسيقى شبيلمان – عازف البيانو، لكنه يحتفظ بمكان اختبائه ويزوده بأساسيات البقاء على قيد الحياة.

الهيكل السردي

ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الفضائل التي لا يمكن إنكارها، أعتقد أن عازف البيانو ليس تحفة فنية – إنه فيلم جيد جداً. المشكلة هنا هي عدم وجود هيكل سردي مقنع للأحداث التي يغطيها الفيلم. إن أفضل الأفلام بالنسبة لي هي تلك التي تصور البطل منخرطاً في رحلة مجازية ولديه بعض الخيارات بخصوص “المسارات” التي قد يختار اتباعها. حيث يكون هناك بطل واحد أو أكثر في مثل هذه الرحلة يكافح للوصول إلى الوجهة المرغوبة، وعادة ما يكون هناك آخرون على طول الطريق يساعدون أو يقفون في طريق تقدم البطل.

لكن في قصة فيلم عازف البيانو، فإن بطلنا فلاديسلاف سلبي نسبياً. تحدث الأشياء له فقط، ولا يظهر أبداً أنه موجود في أي مواقف، كما لا يمكنه أن يختار واحد من بين عدة مسارات اختيارية يسلكها. كل ما نراه هو ضحية دائمة تمكنت من النجاة من حالة كارثية تهدد الحياة مرات ومرات عن طريق الحظ الخالص. إن أعداء فلاديسلاف قساة وفي النهاية غامضون. إنهم مثل قوى مظلمة لا يسبر غورها تتجاوز إدراكنا.

افتقاد العمق

بالطبع، كان بإمكان بولانسكي إضافة بعض العناصر السردية إلى فيلم عازف البيانو والتي من شأنها أن تجعل تجارب فلاديسلاف أكثر من رحلة موجهة نحو هدف معين، ولكن ذلك كان سيقوض الأصالة التاريخية لقصة فلاديسلاف الأصلية. فما فعله بولانسكي هو إدخال اثنين من العناصر السردية التي من المفترض أنها تهدف إلى إضافة بعض العمق المميز لشخصية فلاديسلاف. يتعلق أحدهما ببعض المشاهد التي تتضمن بعض اللقاءات الرومانسية التي خاضها فلاديسلاف مع امرأة شابة جذابة. لكن هذه المشاهد لا تؤدي إلى أي مكان. أما الآخر فهو لقاءات فلاديسلاف مع الضابط الألماني. وبينما كانت هذه اللقاءات من بين أكثر التفاعلات البشرية إثارة للاهتمام في الفيلم، فقد مثلت حدثاً منعزلاً وفشلت في إعطائنا شعوراً بالأجزاء السابقة من بحث فلاديسلاف. لذا فإن الإدخالين السرديين لم يلبيا رغبتي في مادة سردية من شأنها أن تجسد رحلة فلاديسلاف العقلية.

اقرأ أيضًا: أفضل الأفلام التحفيزية الملهمة التي تحتاج لمشاهدتها قبل أن تموت

رسالة فيلم The Pianist

ومع ذلك، فإن عازف البيانو يتميز برسالة هادفة وصادقة هي مفتاح الفيلم ويجب عدم إغفالها – إنها رسالة تهتم بالجانب الأساسي للطبيعة البشرية. على الرغم من الاختلافات الشاسعة التي تمتد عبر البشرية فيما يتعلق باللغة والتعليم والقدرات والعادات والأعراف والثقافة، هناك شيء نتشاركه جميعاً، وهو القدرة على الحصول على تجربة جمالية مباشرة استجابةً لشيء نراه أو نسمعه في العالم. قد يكون أحد الأمثلة شيئاً مثل رؤية زهرة جميلة أو شلال أو سماع موسيقى جميلة. هذه التجارب الجمالية فورية وبديهية، ولا تتطلب تفكيراً أو فيما يتم تجربته. وبالتالي فهي متاحة عالمياً ومتاحة للجميع، بغض النظر عن خلفيتهم. وهذا يعني أنه على الرغم من خلفياتهما المتضاربة بشكل كبير، يمكن لفنان موسيقي يهودي مثل عازف البيانو فلاديسلاف شبيلمان وضابط عسكري نازي ألماني تبادل الخبرات الجمالية المباشرة، مثل مقطوعة شوبان الموسيقية التي يعزفها شبيلمان له، تجارب توفر فرصاً للترابط ويمكن أن يفتح هذا الباب في النهاية التفاهم المشترك.

كانت هذه هي الرسالة التي قدمها شبيلمان وبولانسكي للمشاهد – أنه حتى في خضم أكثر الصراعات المروعة المليئة بالفظائع الخاصة بالهولوكوست، يمكن للتجارب الجمالية المشتركة أن توفر فرصة للخلاص.


هوامش

[1] غيتو وارسو هو حي يهودي أنشأته ألمانيا النازية في بولندا من أجل جمع يهود في مكان واحد، ويعد غيتو وارسو أكبر غيتو نازي تم إنشاؤه خلال الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945).

[2] انتفاضة غيتو وارسو هي ثورة قامت بها المقاومة اليهودية عام 1943 من أجل الضغط على الجيش الألماني لعدم نقل ما تبقى من اليهود إلى معسكرات الإبادة الجماعية، وقد باءت بالفشل.

[3] يُقال إن الممثل أدريان برودي، الذي لعب دور شبيلمان، فقد ثلاثين رطلاً حتى يتمكن من تقديم هذا الجزء من دوره بشكل واقعي.

 

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك