قصص قصيرة

قصة قصيرة من وحي الخيال (1): نهاية بلا بداية

هذا هو الجزء الأول من قصة قصيرة من وحي الخيال، حيث تبدأ الأحداث هادئة قبل أن تنقلب تدريجيًا إلى سلسلة من المواقف الغامضة التي تضع البطل أمام اختيارات غير محسوبة. قصة تستند إلى المصادفة، وتلعب على حدود الوعي واللاوعي، حيث تتداخل التفاصيل اليومية مع شعور خفي بأن شيئًا ما يتشكل في الظل. إنها بداية تفتح الباب لرحلة لا يدرك القارئ مداها الحقيقي إلا مع تقدّم السرد.

تتحرك المدينة في صمت ثقيل، تُبدّل وجوهها مع كل نبضة من ضوء، وتفتح ليلها على أسرار لم تُروَ بعد. تسير الأرواح في طرق ملتوية نحو مصائرها دون وعي، وتُلقي الصدف شباكها على من تضل خطواته بين الرغبة والندم. يولد النهار من رحم الغموض، ويغتسل المساء بندم الذين لم يعرفوا ما يريدون. يشرع رجل في رحلة تبدأ بصدفة وتنتهي بسؤال لا جواب له، وتتشابك حوله الأقدار كخيوط خفية تحركه دون أن يدرك مَن يمسك أطرافها. تتبدل الأماكن، وتتغير الوجوه، وتبقى الحكاية واقفة عند عتبة واحدة تجمع بين الخطيئة والبحث عن المعنى. تبدأ قصة قصيرة من وحي الخيال (1) حين يظن أحدهم أنه يختار، بينما العالم يكتب له ما سيختبره.

بداية الحكاية: حين تقود الصدفة إلى المجهول

انتهى عمله مع انحدار الشمس نحو منتصف المساء، فغادر المكتب يجر جسده نحو الشارع المزدحم، يحدق في الجهات كمن يبحث عن شيء غامض. حرك خطواته بين الأرصفة وهو يستحضر في ذهنه طعام الغداء المنتظر، يزن الاحتمالات بعين تائهة حتى استقرّ رأيه على مطعم في قلب المدينة. عبر الطريق نحو المبنى المواجه، فاندفع أمامه صخب العجلات وصوت الفرامل يصرخ في الأذن، وارتجف جسده قبل أن يرتطم بالأرض. ارتفع غبار الطريق، وتقدم سائق السيارة يلهث قلقًا، يسأله بصوت مضطرب عن حاله.

أجاب بنبرة باردة، يلفّها فتور الغائب عن الحاضر: بخير. تنفس الرجل الصعداء، وتمتم بشكر خافت للسماء، وقال: حمدًا لله على سلامتك.. كان القدر رحيمًا بنا. ارتسمت على وجهه ابتسامة ملتوية تحمل في عمقها مرارة السخرية، وأجاب بأن الحذر وحده يقي المرء من حكايات المصادفة. قدم الرجل له يده ليساعده على النهوض، فاستقام واقفًا، أزاح الغبار عن ثيابه، وتابع السير نحو المطعم كأن شيئًا لم يحدث.

استقر على الطاولة القريبة من النافذة، التهم وجبته بصمت، وطلب قهوته السوداء، ثم غرق في صفحات رواية عنوانها “سخرية الأقدار”. التهم الكلمات كما يلتهم المرء لحظات ضائعة من عمره، فيما ظل طنين الفرامل يرن في رأسه كصدى حياة أفلتت للتو من قبضته.

راقبت عيناه تلك المرأة التي تجلس وحيدة على المائدة المقابلة، تحمل في نظراتها صرامة لافتة، كأنها تزن حضوره في ميزان خفي. نطقت بصوت يحمل دفء الثقة: أعجبتُ طويلاً بهذه الرواية. رفع بصره نحوها، رسم على شفتيه ابتسامة مقتضبة، وقال بهدوء متزن إن الرواية تحمل ما يستحق الإعجاب. لوحت بيدها إشارة إلى مشاركته الجلسة، فأومأ بالموافقة، متعجبًا من جرأتها التي تخرق مألوف العادة.

صانع الحكايات

قصص خيالية ممتعة
حكاية من الخيال

استهلت حديثها بعبارات تتسلل من الذاكرة لتعيد إلى الحياة صوت الكاتب ذاته: “من مُنساق إلى ما أنت لاق”… “المجهول لا يعرف المزاح”… أصغى إليها بإعجاب مموه بالسخرية، ورد قائلاً بنبرة تجمع الحيرة والاستهزاء: القضاء.. القدر.. المكتوب.. حرية الإنسان… أين مكاني بين هذه المعادلات؟ هل أملك القرار؟ أجابته بابتسامة خافتة: الاختيار قائم، غير أن المصير يظل سابقًا لكل إرادة. قال لها وهو يرفع حاجبيه كمن يعلن تمرده: الإنسان يصنع قدره كما يصنع ظلاله، لا يُساق إلا بما أراد. عرض عليها قهوة تشارك سكون اللحظة، فاكتفت بابتسامة معتذرة، وأخبرته برغبتها في العودة قبل حلول المساء.

سألها عن موطنها، فأجابت بأنها تسكن في مدينة مجاورة، تفصلها عنهم أميال بالحافلة. راوده فضول عن سبب وجودها في هذا المكان، فأفصحت عن زيارة عابرة لصديقة قديمة. تحركت من مقعدها، التقطت القلم من فوق الطاولة، ودوّنت رقمًا على غلاف كتابه قبل أن تمضي بخطوات هادئة نحو الباب.

نهض من مكانه بعد رحيلها، خرج من المقهى يسير في شوارع تغمرها ظلال المغيب. امتد نظره نحو قرص الشمس الزاوي في الأفق، ورأى في خيوطها الذابلة أثرًا ليوم غريب جمع بين النجاة واللقاء. مشى متأملاً تقاطعات المصادفة، متسائلاً عن صانع الحكايات الذي يخلط بين الحذر والدهشة ويترك الإنسان يتوه في معنى القدر.

همسات منتصف الليل

من وحي الخيال
قصة قصيرة من وحي الخيال (1)

بلغ عتبة منزله مع انطفاء آخر خيط من الضوء، وأغلق الباب خلفه بصوت ارتد في جدران الصمت. أخرج زجاجة الخمر من خزانته، صبّ سائلها في كأس زجاجي، وبدأ يذرع أرجاء المكان بخطوات ثقيلة كأنه يطارد ظله. تشاغلت عيناه بالجدران والأثاث والأشياء التي فقدت معناها. بحث عن شيء يبدد خواءه، فاصطدمت نظرته بالهاتف الراقد على الطاولة. تجمد لبرهة، غاص في تردده، ثم قرر أن يتصل بامرأة اعتاد لقاؤها حين يفر منه المعنى ليختلس معها لحظات من المتعة العابرة. انتظر الجرس كمن ينتظر خلاصه، غير أن الصوت الآلي جاء خاليًا من وعد أو دفء.

أدار زر التلفاز، قلب القنوات في ضجر متزايد، أطفأه حين خيّم عليه الملل من جديد. عاد إلى الأريكة، التقط روايته المفتوحة من الصباح، انحنى نحو الصفحات كمن يبحث عن مهرب من نفسه، فاستوقفه الرقم الذي خُطّ على الغلاف. حدق فيه طويلاً، ثم أمسك الهاتف وأدار الأرقام دون أن يدرك تمامًا السبب. انبعث صوتها عبر السماعة، ناعم النبرة، يحمل دهشة متأنقة تسأله عن هويته.

نطق باسمه، وأخبرها أنه الرجل الذي التقاها في المطعم عصر اليوم ذاته. جاء ردها بنغمة دافئة تشبه ابتسامة، وقالت إنها تتذكره، ثم أضافت سؤالاً انزلق إلى سمعه كإغراء خفي: هل يمكنك المجيء الليلة؟

ارتج قلبه، وتساقطت الكلمات من فمه دون انتظام، تأمل الساعة فوجد عقاربها ترسم على الجدار اقتراب منتصف الليل. همس في ارتباك جاف يسألها عمّا إذا كانت تقصد الغد، فجاء صوتها حازمًا برقة غامضة: الآن، أنا وحدي في البيت، والنعاس غادرني منذ زمن.

تردد لحظة يتيمة بين الانسحاب والانجراف، ثم تسللت منه الكلمات كاعتراف لا عودة منه، وقال لها أن تمنحه العنوان.

لحظات من النسيان

قصة قصيرة من وحي الخيال (1)
قصة قصيرة من وحي الخيال (1)

أعطته العنوان بصوت مبحوح يتسرب من بين أنفاس مترددة، فأغلق الهاتف وهو يُغذّي في خياله وعدًا بلقاء يوقظ حواسه. نهض يستبدل ثيابه على عجل، اختار معطفه الداكن وعطره الأقرب إلى ليله الطويل، ثم خرج نحو الشارع تغمره نشوة غامضة، كأنه يسير داخل حلم يشتهي اكتماله. بلغ محطة الحافلات، استقل إحدى المركبات المتجهة إلى المدينة المجاورة، واستسلم لحركة العجلات التي تشق العتمة. من خلف الزجاج تابع الأضواء المتناثرة تومض وتخبو، والأبنية تذوب في ظلال الطريق، وغاص في خيالات ملونة بالوهم والرغبة، حتى تلاشت الحدود بين اليقظة والخيال.

جلس إلى جواره رجل غريب الملامح، يبدل وضعيته بلا توقف، يعبث بأطراف معطفه بعصبية متكررة، غير أن مراد ظل غارقًا في عالمه الداخلي، يشيد فيه صورًا من لذة قادمة. توقفت الحافلة أخيرًا عند تخوم البلدة التي ذكرتها الفتاة. نزل يسير في أزقتها الضيقة، والريح تعصف بورق متناثر وروائح غامضة تتسرب من البيوت المنخفضة. كانت المنطقة بائسة الملامح، تتدلى من نوافذها أنفاس شاحبة، وتنتشر على الأرصفة وجوه نساء يساومن العابرين على لحظات من النسيان.

الغرفة الأخيرة

بلغ منزلها، مبنى صغير تغطي جدرانه طبقة قديمة من الطلاء المتقشّر. ضغط زر الجرس، انتظر، ولم يسمع سوى الصمت. أعاد المحاولة، فظل الصمت سيد المكان. أسند ساعديه على الباب في تفكير عابر، فانفتح أمامه ببطء مريب. داهمه شعور غامض بأنها تركت الباب مفتوحًا عمدًا. دخل بخطوات حذرة، يلمح قطع الأثاث البسيطة، والستائر التي تحجب الضوء كأنها تخفي سرًا. عبر الممر نحو الغرفة الأخيرة، وجدها هناك، مستلقية على الفراش، ملامحها ساكنة في ضوء خافت يميل إلى الزرقة. اقترب منها محاولاً أن يوقظها بكلمة لينة، ثم بلمسة مرتجفة، وعندما ظل الصمت يتسع، مد يده أكثر وهزّ جسدها في عنف يائس.

انكشفت الحقيقة دفعة واحدة. سقط الغطاء، وانبثق أمامه مشهد يمزق الإدراك. الدماء تغمر الوسادة، والهواء يثقل برائحة معدنية خانقة. اتسعت عيناه حتى كادتا تبتلعان المشهد، وتجمد جسده في مكانه، لا صرخة تخرج ولا خطوة تتقدم. ظل واقفًا على حافة الكارثة، يتأمل الموت ممددًا أمامه، فيما الزمن انكمش في لحظة واحدة لا تنتهي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يتراجع الضوء على حافة غريب المعالم. تتبدل الأصوات داخل رأسه، وتتعانق في داخله فكرة وذكرى وصوت امرأة لم تغب بعد. يسير بين الكلمات كمن يعبر نهرًا من مرايا، يرى في كل صفحة وجهًا آخر له. حين يغلق الكتاب، لا يعرف أكان القارئ أم المقروء. تنطفئ عيناه على بقايا سطر مفتوح على الغيب. إلى هنا ينطوي الجزء الأول من قصة قصيرة من وحي الخيال.. حكاية من نسج الخيال، تُكتب للكبار، وتترك في النفس سؤالاً عالقًا بين المصادفة والقدر.

ينتهي الجزء الأول من القصة عند نقطة مشحونة بالتساؤلات، حيث لا تكون الأحداث قد اكتملت بعد، بل تبدأ ملامح الصراع في الظهور. يترك هذا الجزء القارئ أمام شعور بالترقّب، ويهيئه للجزء الثاني الذي سيكشف تبعات هذه البداية، ويحوّل الغموض إلى مواجهة مباشرة مع النتائج.

يمكنك قراءة الجزء الثاني عبر هذا الرابط: قصة قصيرة من وحي الخيال (2): نهاية بلا بداية..

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!