فلسفة

هل الطبع يغلب التطبع؟.. الكذبة التي نحب تصديقها

“أنا ببساطة طبعي هكذا، ولا يمكنني أن أتغير”.. “الطبع يغلب التطبع”..

 عبارات سمعناها كثيرًا حتى أصبحت خلفية مألوفة في المشهد الاجتماعي اليومي.. قد تقال بتنهيدة متعبة، أو بغطرسة دفاعية، أو حتى ببرود ولامبالاة.. لكنها ذريعة محكمة الصياغة تختبىء تحتها جملة من التهربات: من النقد، من التغيير، من الاعتراف بما نستطيع فعله ولكننا لا نريد..

كم مرة سمعنا أشخاصًا يبررون سلوكياتهم وتصرفاتهم الخاطئة بهذه الحجة؟ يختبئون تحت هذا العذر أو أي شعار يشبهه، ويُخضعون غيرهم لأهواء مستبدة أو تصرفات وحشية.. ويفعلون ذلك بأقل تكلفة اجتماعية (الرهان على صبر الآخرين) وأقل تكلفة أخلاقية (الإعفاء من هامش حقوقهم)..

الطبع يغلب التطبع بين الحتمية والاختيار

يجب أن نعترف بأن حجة “الطبع يغلب التطبع” و “لا يمكنني أن أتغير” لها أساس من الصحة؛ فكل إنسان يحمل على عاتقه تأثيرات عوامل كثيرة خارجة عن سيطرته.. أسس المزاج التي تشكلت من خلال يانصيب الجينات.. والتجارب التي راكمها عبر مسيرة حياته، والتي كان العديد منها مفروضًا عليه بفعل الظروف والصدف، خاصة في مرحلة الطفولة.. والمجتمع الذي يعيش فيه وما يحمله من أعباء ثقافية.. والالتزامات التي تفرضها عليه مسؤولياته تجاه الأسرة، والأصدقاء، والعمل، ومشاريعه الشخصية. لقد تم طهينا جميعًا بمكونات معينة، وشُكِّلنا من خلال الإمكانيات التي أتاحتها لنا الحياة والحدود التي فرضتها علينا. لذلك، لا يمكن لأحد أن يلومنا على ما نحن عليه، ولا على حملنا حقيبة الظهر التي نحملها..

لكن هناك حقيقة غير مريحة هي أننا قادرون دائمًا على الاختيار. وعند هذه النقطة تظهر مسؤوليتنا التي لا مفر منها. إذا كنت فقيرًا وجائعًا، يمكننا تفهّم أنك سرقت تفاحة، ولكن ذلك لا يعفيك من المسؤولية عن السرقة. لقد كانت سرقة التفاحة خيارك، ومن المهم التأكيد، بخلاف رأي كانط، أنك قد تكون فعلت الصواب، لأن بقائك على قيد الحياة (وكذلك بقاء أي شخص) أهم من احترام ملكية بسيطة للآخر، وطالما أن هذه التفاحة ليست الغذاء الوحيد المتاح للآخر.

حتى في أكثر لحظاتنا ضعفًا، هناك هامش صغير يدعى الاختيار. هذا الهامش هو ما يزعج أصحاب العذر الأبدي: “أنا لا أستطيع”، “هذا طبعي، والطبع يغلب التطبع”.. الحقيقة أنهم لا يريدون. يريدون الاستمرار كما هم، لكن دون أن يتحملوا وزر ذلك. يرغبون أن يُخضعوا غيرهم لنوباتهم، وغرورهم، وقسوتهم، ثم يطالبون بالتفهّم. يريدون أن يكونوا ما يشاؤون دون أن يدفعوا ثمنه.

الكذبة الضرورية والكذبة الفاسدة

الطبع يغلب التطبع
عالم من الأكاذيب

نحتاج في بعض الأحيان أن نلقي اللوم على شيء خارجي كي لا ننهار. نحتاج هذه الأكذوبة الصغيرة التي ترمم صدعًا في وعينا. لا بأس. لكن أن نجعل من هذه الأكذوبة مذهبًا في العيش؟ أن نبني عليها شخصياتنا وعلاقاتنا وقراراتنا؟ هنا يتحول الأمر من إنسانية متفهمة إلى سوء نية مقنع.

  • الوقح الذي يبرر صلافته بأنها “صراحة”.
  • المتسلط الذي يدعي أنه “صارم”.
  • الأناني الذي يسمي نفسه “واقعيًا”.

كلهم يشتركون في أمر واحد: تسويغ ما لا يسوغ، والاحتماء بقدر زائف صنعوه بأنفسهم. هؤلاء لا ينتصرون لأنهم أقوياء، بل لأننا نسمح لهم بذلك. السلطة التي يمارسونها ليست إلا نتيجة صمتنا، وخوفنا، ومحاولتنا التكيّف. كأننا نقول لهم: “نحن نتفهم جراحكم، أذونا كما تشاؤون”. لكن السؤال الجدلي هنا: من المسؤول عن استمرار هذا الوضع؟ المسيء، أم من يبرر له؟ لا يمكن لأحد أن يمارس تسلّطه الأخلاقي دون جمهور متواطئ، وإن كان هذا التواطؤ من باب النية الطيبة.

الواجب الأخلاقي وسوء النية

وسواء كنا على حق أم لا، وسواء كان قرارنا جيدًا أم سيئًا من الناحية الأخلاقية، فإن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن هناك دائمًا هامشًا من المسؤولية في قراراتنا. حتى عندما نتعرض للإكراه أو الابتزاز أو التهديد، يمكننا دائمًا الرفض، ولا تصلح حجة “الظروف القاسية” كعذر مطلق. هذا ما أطلق عليه سارتر “سوء النية”، واعتبره أمرًا يستحق الازدراء.

لكن اتسم في هذا الموقف ببعض التطرف، وانتهى به الأمر إلى توجيه أخلاقياته وفقًا لمبدأ مجرد مثل الواجب الموضوعي. فما الفرق بين “تصرف دائمًا وفق واجبك” و”لا تتصرف أبدًا بسوء نية”؟ أحيانًا تكون الحياة صعبة جدًا بحيث لا يمكننا أن ننظر إليها وجهًا لوجه ونعترف بكل مسؤوليتنا تجاهها.. نحتاج في بعض الأحيان إلى إلقاء اللوم على شيء ما، وإلا ستصبح الحياة صعبة للغاية بحيث لن يمكننا المضي قدمًا..

لذلك، يتعين علينا أم نتسامح مع درجة معينة من سوء النية. هذا لا يعني أنه أمر جيد، ولكنه على الأقل إنساني، وهذا ما يجعله مقبولًا إلى حد ما. ولحسن الحظ، فإن معظم خيارتنا ليست مأساوية بهذا القدر؛ فعند الاختيار بين طريقة مهذبة أو وقحة للتعبير عن خلافنا، فإننا لن نخاطر بحياتنا؛ وعند تفضيل بذل جهد للتعاطف مع الآخر أو التجاهل، فمن النادر أن نواجه خطرًا جسيمًا. وفي مثل هذه الحالات، تكون سوء النية مجرد أداة، أو وسيلة لتقليل تكلفة سلوكنا. باختصار، سواء أحببنا ذلك أم لا، علينا أن نعترف بأننا نلعب لعبة غير نزيهة..

سوء النية كرد فعل على الإحباط

الطبع يغلب التطبع
سوء النية والإحباط

يشير علم الاجتماع إلى أن المجتمعات التي تؤمن بالقدر أو حكم الآلهة تكون أقل حسدًا من تلك التي تؤكد على حرية الفرد في تشكيل مصيره. فإذا كنت تعتقد أنه مقدر لك أن تمتلك سيارة مستعملة، فمن المحتمل أنك لن تكره جارك لامتلاكه سيارة مرسيدس فاخرة؛ عليك ببساطة أن تتقبل الأمر. ولكن إذا كنت تعتقد أنك تستحق سيارة جيدة مثل سيارة جارك، وأن الحصول عليها أمر ممكن، فمن المرجح أن تشعر بالإحباط الشديد. وقد تتخلص من هذا الإحباط من خلال الاعتراف بأن جارك لا يستحقها. هذا هو سوء النية كرد فعل على الإحباط.

يمكن لرجل الأعمال الثري الذي ينظر إلى الفقير أن يهز كتفيه مفكرًا بأن هذه هي الحياة، وليس خطأه أنه وقع في الجانب الفائز. وبالمثل، يمكن لكل واحد منا أن يهز كتفيه بعد أن يهين أو يزعج الآخرين بسلوك غير لائق، قائلًا: “هذه هي الحياة… هكذا أنا… على الآخرين أن يتأقلموا معي”..

الطبع يغلب التطبع والقدرية الزائفة

لكن ما تحاول هذه العبارات التستر عليه تحت قناع القدر، هي أن الأمور أصبحت على هذا النحو لأننا قررنا ذلك.. وأن اختيارًا مختلفًا كان من الممكن أن يؤدي إلى نتيجة مختلفة. لقد استفاد الثري من مجتمع حيث المال وحده هو الذي يدر المزيد من المال، وذلك على حساب الاستحواذ على جزء من عمل الآخرين؛ الغني يعيش على حساب الفقير، وهو غني لأن هناك الكثير من الفقراء. لا يمكنه إنكار هذا التواطؤ، ولا يمكنه أن يختبئ وراء الحظ أو القدر أو مواهبه السامية..

وينطبق الشيء نفسه على أولئك الذين يفسدون حياتنا ويجعلونها مريرة. الوقح، الساخر، المسيء، القاسي.. يفرض هؤلاء أنفسهم على الآخرين بأهوائهم مستغلين سماحهم بذلك. إنهم يعيشون على خوف الآخرين أو خضوعهم. يمارسون السلطة بأبشع معانيها، لأنها سلطة زائفة منسوجة من ضعف الآخرين. هل هم “مجرد هكذا”؟ دعونا نتمرد ضد هذا القدرية الزائفة، لنجبرهم على أن يكونوا غير ذلك..

إن الاعتراف بالظروف وتقبل العوامل التي شكلتنا لا يعفي أحدًا من مسؤوليته تجاه سلوكه. صحيح أن الحياة ليست دائمًا عادلة، وأننا نحمل أعباءً لم نخترها، لكننا نملك – دائمًا – هامشًا من الحرية، ومساحة للاختيار. وما نسميه “طبعًا” قد لا يكون أكثر من عادة مريحة أو خوف من المواجهة.

فلنكن أكثر صدقًا مع أنفسنا: حين نختار أن نؤذي، أن نتجاهل، أن نتعالى، أو أن نُسقط أخطاءنا على الآخرين… فإننا لا نكون “التطبع يغلب التطبع”، بل نكون شركاء فاعلين في لعبة غير نزيهة. وربما حان الوقت لأن ننسحب منها.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!