أصول الماسونية .. حقائق وأساطير وراء حجاب السرية
المنظمة الخفية التي تريد أن تحكم العالم

أصول الماسونية .. حقائق وأساطير وراء حجاب السرية

الماسونية واحدة من أقدم المنظمات الأخوية في العالم، ورغم هذه الفترة الطويلة التي مرت على إنشاءها إلا أنها ظلت محاطة بالغموض والأسرار لمئات السنوات. بالنسبة للعامة من الناس ربما تبدو هذه المنظمة بما تشتمل عليه من رموز ماسونية وممارسات وطقوس تشبه إلى حد كبير العبادة السرية. وتنبع هذه الرؤية من تردد مشاهير الماسونية المتعمد في الحديث عنها. لذا فقد دارت شبهات كثيرة حول أهدافها الخفية، فما هي قصة الماسونية؟ وما هي أهدافها الخفية؟

ما هي الماسونية؟

بالإضافة إلى كونها أقدم منظمة أخوية في العالم، فإن الماسونية هي أيضًا أكبر منظمة في العالم، حيث يبلغ عدد أعضائها في جميع أنحاء العالم حوالي ستة ملايين شخص، طبقاً لما ذكره تقرير صادر عن هيئة الإذاعة البريطانية.

كما يوحي الاسم، فإن المنظمة الأخوية هي منظمة تتكون فقط تقريباً من رجال يجتمعون معاً من أجل المنفعة المتبادلة، وغالباً لأسباب مهنية أو تجارية. ومع ذلك، يمكن للمرأة في الوقت الحاضر أن تصبح ماسونية أيضاً.

يرتبط أعضاء هذه المنظمة معا من خلال طقوس سرية، ويعززون ظاهرياً أخوة الإنسان، وفي الماضي ارتبطوا بمبادئ التنوير في القرن الثامن عشر مثل مناهضة الملكية والحكومة الدستورية.

هذا لا يعني أن الماسونية علمانية بالكامل وخالية من الجوانب الدينية. بل يؤمن أعضائها بكائن أسمى يطلق عليه الماسونيين اسم  “المهندس الأكبر للكون”.

هذا المهندس هو أقرب إلى الخالق الرباني وليس إلهاً شخصياً كما تتصوره المسيحية. إن مفهوم الربوبية، الذي ترجع أصوله إلى عصر التنوير في القرن السابع عشر، يروج لفكرة أن الكائن الأعلى يشبه “صانع الساعات” المطلق. إله خلق الكون ولكنه لا يلعب دوراً نشطاً في حياة إبداعاته.

“اقرأ أيضاً: حقيقة مقتل النبي يحيي ولماذا وُضع رأسه على طبق من فضة؟


تاريخ الماسونية؟

الماسونية
تاريخ الماسونية

إن أصول الماسونية غامضة كأهدافها، والموضوع مليء بالأسرار والأساطير والتكهنات. أحد أكثر الادعاءات الخيالية هو أن الماسونيين ينحدرون من بناة هيكل سليمان في القدس. جادل آخرون بأن الماسونيين بدأوا كفرع من فرسان الهيكل، وهي أحد الحركات العسكرية الكاثوليكية التي يعود إلى العصور الوسطى.

الماسونية في العصور الوسطى

تعود أصول الماسونية إلى نقابات الحجارة في أوروبا في العصور الوسطى. كانت هذه النقابات التي نشطت بشكل خاص خلال القرن الرابع عشر مسؤولة عن بناء بعض من أرقى الهندسة المعمارية في أوروبا. مثل الكاتدرائيات القوطية المزخرفة في نوتردام في باريس ودير وستمنستر في لندن.

مثل العديد من نقابات الحرفيين في ذلك الوقت كان أعضاؤها يحرسون أسرارهم بغيرة وكانوا انتقائيين بشأن من يختارونه كمتدربين. تطلب بدء الأعضاء الجدد فترة طويلة من التدريب. تعلموا خلالها الحرفة وغالباً ما تعلموا الرياضيات والهندسة المعمارية المتقدمة. إن مهاراتهم كانت مطلوبة بشدة لدرجة أن الماسونيين من ذوي الخبرة كانوا يبحثون عنها كثيراً من قبل الملوك أو كبار مسؤولي الكنيسة.

هذه النقابات وفرت للأعضاء ليس فقط حماية الأجور ومراقبة جودة العمل المنجز، ولكن أيضاً روابط اجتماعية مهمة. اجتمع الأعضاء في المحفل، الذي كان بمثابة المقر الرئيسي ونقطة الاتصال الهامة التي يتواصل فيه الماسونيون اجتماعياً. ويشاركون في وجبات الطعام ويتجمعون لمناقشة أحداث وقضايا اليوم.

الرأسمالية

مع صعود الرأسمالية واقتصاد السوق خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر انهار نظام النقابة القديم. لكن المحافل الماسونية نجت من هذا الانهيار، ومن أجل تعزيز العضوية مرة اخرى وجمع الأموال بدأت نقابات الحجارة في تجنيد غير البنائين.
في البداية كان المجندون الجدد غالباً أقارب أعضاء حاليين. لكنهم ضموا بعد ذلك الأفراد الأثرياء والرجال ذوي المكانة الاجتماعية العالية.
كان العديد من هؤلاء الأعضاء الجدد من “السادة المثقفين” الذين كانوا مهتمين بالاتجاهات الفلسفية والفكرية التي كانت تغير المشهد الفكري الأوروبي في ذلك الوقت، مثل العقلانية والمنهج العلمي والفيزياء. كان الرجال مهتمين بنفس القدر بمسائل الأخلاق – لا سيما كيفية بناء الشخصية الأخلاقية. من خلال هذا التركيز الجديد نمت المحافل الماسونية وأصبحت أماكن اجتماع للرجال الذين يؤمنون بالقيم الغربية الليبرالية.

محفل إنجلترا الأعظم

الماسونية كما نعرفها اليوم نشأت من أوائل القرن الثامن عشر في إنجلترا وإسكتلندا. حدثت نقطة تحول رئيسية في تاريخ الماسونيين في عام 1717، عندما اجتمع أعضاء أربعة محافل منفصلة في لندن معاً لتشكيل ما أصبح يُعرف باسم محفل إنجلترا الأعظم.
أصبح هذا المحفل الكبير النقطة المحورية للماسونية البريطانية وساعد في انتشار المنظمة وتعميمها. انتشرت الماسونية بسرعة في جميع أنحاء القارة. وسرعان ما انتشرت المحافل الماسونية في جميع أنحاء أوروبا، من إسبانيا والبرتغال في الغرب إلى روسيا في الشرق. تم تأسيس أيضاً في مستعمرات أمريكا الشمالية خلال النصف الأول من القرن الثامن عشر.

بحلول أواخر القرن الثامن عشر، في ذروة عصر التنوير، حملت الماسونية طابعاً اجتماعياً كبيراً، ومع ذلك لم تكن الماسونية موضع ترحيب دائماً. نظراً لخفايا وأسرار الماسونية. حيث أنه في الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، تم تشكيل حزب سياسي معروف باسم الحزب المناهض للماسونية. كان الحزب السياسي الثالث الأصلي للأمة وكان أعضاؤه مكرسين لمواجهة ما اعتقدوا أنه التأثير السياسي غير المبرر للماسونية. بدأ ويليام سيوارد، الذي أصبح وزير خارجية الرئيس أبراهام لنكولن، حياته السياسية كمرشح مناهض للماسونية.

“اقرأ أيضاً: تعاليم بوذا وأقواله المأثورة


عضوية النساء في المحافل

عضوية النساء في المحافل
كانت عضوية المحافل حكراً على الذكور

كانت عضوية المحافل الماسونية المبكرة حكراً على الذكور، مما يعني أن النساء ممنوعات من العضوية، وهي نقطة تم توضيحها في الاتهامات القديمة التي كانت موجهة للماسونية. حيث تقول القاعدة (لا عبيد، لا نساء، لا رجال فاسقون أو فاضحون ). استمر هذا التقليد، وهو مبدأ يعكس الترتيبات الاجتماعية السائدة في ذلك الوقت، لعقود عديدة، لا سيما في بريطانيا العظمى.

ولكن على مر السنين، بدأت النساء بشكل متزايد في لعب أدوار نشطة في المنظمة، وخاصة في البر الرئيسي الأوروبي. في فرنسا خلال أربعينيات القرن الثامن عشر على سبيل المثال بدأ ظهور ما يسمى بـ “محافل التبني”. كانت هذه المحافل تضم مزيجاً من الرجال والنساء، معظمهم من الزوجات والنساء من أقارب الماسونيين الذكور. لم يكونوا مستقلين تماماً ولكن تمت الموافقة عليهم من قبل وإلحاقهم بمحافل الذكور التقليدية. سرعان ما ظهرت محافل مماثلة للتبني في هولندا وفي النهاية في الولايات المتحدة.

من هذا التقليد تم تشكيل المنظمات الماسونية في نهاية المطاف التي اعترفت كلا من الرجال والنساء كأعضاء كاملي العضوية. في هذه المنظمات يشارك كلا من الرجال والنساء في طقوس الماسونية ويمكن للمرأة أن تشغل مناصب السلطة والقيادة.

“اقرأ أيضاً: حقيقة السحر في القرآن الكريم


مشاهير الماسونية

مشاهير الماسونيين
كنيسة الماسونية في فلادليفيا بالولايات المتحدة

هناك العديد من أسرار الماسونية التي يحملها مشاهيرها. يقال أن العديد من الشخصيات التاريخية البارزة كانوا من الماسونيين، ومن مشاهير الماسونية سيمون بوليفار المعروف باسم “محرر أمريكا الجنوبية”. والفيلسوف الفرنسي فولتير المعروف بكتاباته الفلسفية والسياسية الضخمة. والشاعر والكاتب الألماني الشهير جوته. كما أصبح وولفجانج أماديوس موتسارت الملحن الشهير أحد مشاهير الماسونية عام 1784. حيث تحتوي أوبراه الشهيرة “الفلوت السحري” على عناصر من الماسونية، وهي أنشودة لمعتقداته الماسونية.

في كتابه “الإخوان الثوريون: الماسونية وتحول النظام الاجتماعي الأمريكي” أشار المؤرخ ستيفن بولوك إلى أن العديد من الآباء المؤسسين والثوريين والرؤساء الأمريكيين البارزين كانوا من الماسونيين، بما في ذلك جورج واشنطن وبول ريفير وبنجامين فرانكلين وأندرو جاكسون. كان فرانكلين واحداً من أوائل الماسونيين.

“اقرأ أيضاً: قراءة في حياة ” لازاروس ” الرجل الذي أحياه المسيح


رموز الماسونية

الماسونية
الفرجار والمسطرة أحد أهم رموز الماسونية

يشتمل عالم الماسونية بداخله على عدد من الأسرار الخفية بما فيها رموز الماسونية والعلامات التي تحير معظم غير الماسونيين. ربما تكون المسطرة والفرجار هي أحد الرموز الأكثر شيوعاً وهما رمزان معروفان عالمياً للمنظمة. عادة ما تزين العتبات فوق مداخل المحافل الماسونية، ويمكن العثور عليهما على المآزر التي يرتديها الماسونيون أثناء الطقوس.

هناك أيضاً العديد من الرموز الأخرى المرتبطة بالماسونية بشكل كبير مثل العين التي ترى كل شيء وشجرة الأكاسيا، وغيرها من الرموز. لكن ماذا تعني؟

  1. العين التي ترى كل شيء
    هذا الرمز يمثل عين الاله الذي يراقب كل شيء في الوجود، ويعمل هذا الرمز بمثابة تذكير للماسون بان عين الاله التي لا تغفل تراقب أفعالهم وأفكارهم بصورة دائمة.
  2. الفرجار والمسطرة
    هذا الرمز عبارة عن تعامد الفرجار الهندسي مع المسطرة التي يستخدمها المعماريون في البناء، ويمثل هذا الرمز بالنسبة للماسون العلاقة بين السماء الذي يمثلها مهندس الكون الأعظم وبين الأرض التي يمثلها الماسون.
  3. حرف G
    هذا الرمز أحد أكثر رموز الماسونية المختلف على معناه، حيث تقول إحدى التفسيرات أن هذا الرمز اختصاراً لكلمة إله GOD، وتفسيرات أخرى تقول أن هذا الرمز يعني علم الهندسة
  4. شجرة الأكاسيا
    أحد رموز الماسونية الشهيرة. وشجرة الأكاسيا نوع من أنواع الأشجار التي كانت تمثل قديماً فكرة الخلود، وقد اعتاد اليهود تمييز قبورهم بأغصان هذه الشجرة لتمييزها. وتمثل شجرة الأكاسيا الأرواح الإنسانية الخالدة بالنسبة للماسون.
  5. خلية النحل
    وهذا الرمز يمثل بالنسبة للماسون أهمية كبرى حيث إنه يرمز إلى ضرورة العمل مع بعضهم البعض من أجل الحفاظ على العالم من الانهيار.

هناك العديد من الرموز التي لا تحصى والتي يستخدمها الماسون لكن هذه الرموز التي استعرضناها تعد أشهرها على الإطلاق.

“اقرأ أيضاً: ألبرت أينشتاين .. العالم الذي رفض رئاسة إسرائيل


الماسونية ونظرية المؤامرة

نظراً للستار الكثيف من الغموض المحيط بأهداف الماسونية انتشرت العديد من الأساطير والأقاويل حولها. كما أشار العديد من المعارضين لها إلى أن الهدف الرئيسي من أهداف الماسونية هو السيطرة على العالم، وذلك من خلال السيطرة على الاقتصاد العالمي ووسائل الإعلام.

كما أن ارتباط الماسونية بالكثير من الشخصيات المؤثرة في الأحداث العالمية جعلها محط شكوك في نواياها وأهدافها الحقيقية، حيث ارتبطت العديد من الحركات والأفكار السياسية بهذه المنظمة الغامضة مثل الاشتراكية والشيوعية ومنظمات دعم الشذوذ . كل هذه الأمور مجتمعة جعلت منها منظمة غير مرغوب فيها على المستوى العالمي. نظراً لخفاء أهداف الماسونية الحقيقية.


مازالت الماسونية واحدة من أقدم وأشهر المنظمات السرية في التاريخ، لكنها على العكس من المنظمات الأخرى حيث أحاطت نفسها بهالة من الغموض والأسرار، مما جعلت الكثير من الأساطير والخرافات ونظريات المؤامرة تحوم حولها.

المراجع:

1.    Author: Tom Garlinghouse, (8/13/2020), ​​​​Freemasons: Behind the veil of secrecy, www.livescience.com, Retrieved: 11/12/2020.

2.    Author: The Editors of Encyclopaedia Britannica, (8/30/2019), Freemasonry, secret organization, www.britannica.com, Retrieved: 11/12/2020.

3.    Author: Ian Cobain, (2/4/2018), Freemasonry explained: a guide to the secretive society, www.theguardian.com, Retrieved: 11/12/2020.

 

وائل الشيمي

كاتب وأديب مصري

اترك رد