أوقات الفراغ: انتكاسات الوقت الضائع
تأتي الإجازات كاستراحة محارب، تتهادى إلينا محملة بنسائم الراحة بعد أيام وشهور من الركض خلف المسؤوليات. إنها فسحة الزمن التي تحررنا من قيود الجداول والمواعيد، وتمنحنا فرصة لنعيش الحياة بروية، بعيدًا عن صخب الالتزامات. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف نقضي أوقات الفراغ؟ ولماذا تتحول أوقات الفراغ إلى أعباء ثقيلة؟
بريق الإجازات
نقضي أيام عملنا نحلم براحة الإجازات، بالوقت الذي يمكننا اعتباره ملكنا حقًا، متحررين من الالتزامات والواجبات. نتشبث بتلك التوقعات كأرض موعودة، مستحضرين تفاصيل المتعة التي ستجلبها لنا أيام الإجازات: مشاهدة فيلم على التلفاز، اللقاء مع صديق، قضاء الوقت مع أطفالنا، القراءة أو السفر…
يمضي التقويم بقانونه الروتيني، وعندما يأتي أخيرًا وقت وداع الزملاء، تملأ الأجواء الضحكات وأماني الراحة والاستجمام والرغبات المتحمسة. وبينما نغادر مكان العمل، نشعر كأننا نتخلص من سلسلة من الأعباء، التي تتركنا خفيفي الروح وتدفعنا نحو نسيم من الوعود. إنها اللحظة السعيدة الحقيقية للإجازات، حين يبدو أن كل شيء يجب القيام به، وكل شيء ممكن..
ومع ذلك، كلما تعمقنا في الأمر، تبين لنا أن هذا الوقت أقل بريقًا وأقل روعة مما تصورنا. لا يوجد في ذلك شيء غريب، فجميع الرغبات تلمع في الخيال بشكل أكثر سطوعًا مما كانت عليه عندما تتحقق. لكن في حالة وقت الفراغ، تضاف لها معوقات الحرية، وهي ليست بالأمر الهين.
أوقات الفراغ والفردوس الموعود

يصل يوم الإجازة الذي طال انتظاره محمَّلًا بالكسل والكآبة.. يقضي ليلة سيئة من النوم المضطرب، والذهاب المتكرر إلى الحمام، ونظرات متلاحقة إلى الساعة، وآمال مترددة في أن يبدأ نور الصباح بالتسلل عبر النوافذ..
ينهض أخيرًا لتبدأ طقوس الإفطار، يحاول القراءة لكنه لا يستطيع التركيز. كان يبحث عن جسر من الراحة يربطه بين أسبوع وآخر، لكنه يكتشف أن ما يسير عليه ليس سوى ممرّ هش، فيشتاق إلى أرضية العمل الصلبة. لم يجد أي سبب للامتنان لهذا اليوم..
ما سرّ تلك الأحزان المفاجئة التي تقتحم، كصباح غائم أو فجر موحش، لحظات يُفترض أن تكون للسلام، فتغمر العالم بالعبث والغربة؟ في أي أماكن خفية يتم إعدادها، ومن أي آبار مستترة تنبع؟ يمضي المرء في الحياة، محتفظًا بتماسكه بدرجات متفاوتة، مُستظلاً بقدسية الروتين، غارقًا في شؤون الحياة اليومية التافهة، وكأن كل شيء قد كُتب بالفعل، وكأن ذلك التوازن قادر على تحمل تتابع الأيام. تبدو الحياة وكأنها تستطيع المضي قدمًا في الرتابة، سهلة ومرهقة في آن. هكذا يمر الأسبوع بصخبه السخيف..
يصل المرء أخيرًا إلى الإجازة الموعودة بعد الكثير من العناء والانتظار.. ذلك الفردوس المؤقت من الحرية، الذي يُفترض فيه أن ينام وينأى عن واجباته الثقيلة القمعية والمرهقة.. الوقت الذي لا يحمل أعباءً، حيث لا شيء مطلوب أو منتظر. ثم ينظر إلى نفسه في المرآة، فلا يرى شيئًا، أو ربما الأسوأ، يرى شخصًا كئيبًا يسأله من أنت؟ ولماذا أنت هنا؟ وماذا سنفعل الآن؟ فجأة، يكتشف أن الحرية ليست ما كان يأمله..
أوقات الفراغ والحرية
كان سارتر محقًا: الحرية تأتي بمهمة معقدة. التفكير ليس دائمًا ممتعًا، واتخاذ القرار أقل متعة. إن أكثر أعمال الإنسان إرهاقًا ليس أداء الواجب، إذ إن ذلك لا يتطلب سوى الإذعان. لكن الحرية تتعلق بالوجود، والوجود هو فراغ يتوجب على الإنسان أن يملأه بنفسه. تصبح الحياة مأساة، شيئًا ينبغي اختراعه بما هو متاح: بالرغبات والإحباطات، بالأفراح والآلام، بالآمال والمخاوف، بمتطلبات الآخرين المُلّحة. كل شيء ينتظر أن يُنجز، واتساع هذا “الكل” يُثقل كاهلنا..
حزن صباح يوم الإجازة هذا هو حصيلة إرهاق الأسبوع مقرونًا بالفراغ الذي يتركه. يتحدث علماء النفس عن “الوقت غير المجدول”، وهو الوقت الذي يجذبنا ويرعبنا في آن واحد، لأنه يفتقر إلى دليل التعليمات، مساحة من عدم اليقين. وعدم اليقين هذا ليس جيدًا ما لم نجد رغباتٍ نواجهه بها. وليس هناك نقص في الرغبات، لكن المشكلة أنها تبدو تافهة، لا تقنعنا بما يكفي لاختيار أحدها، وحين نتأملها، لا نشعر أنها ملكنا تمامًا..
إن رفع أولويات الحياة اليومية يتركنا تحت رحمة التزامات جديدة مؤجلة دائماً: إصلاح صنبور الماء الذي يُسرّب، طلاء غرفة الطفل، ترتيب الأوراق التي تراكمت في زحمة أيام العمل… وحتى إن تمكنا من تجنب تلك المتطلبات، بتأجيلها لفرصة أخرى، تبرز مخاوف لم نكن نلاحظها من قبل لكنها الآن، فجأة، تصبح ذات أهمية: الحديث المؤجل، الاستياء الذي نسيناه، الوعد القديم الذي لم يعد لدينا عذر للتخلي عن الوفاء به.
مستنقع بلا دعائم

ما تم تأجيله باستمرار يستعيد إلحاحه الذي أفرغه روتين الحياة اليومية، والآن يمكن أن يغمرنا بدراما لا يحمينا منها عوامل خارجية، وقد تتحطم سفينة المزاج الوسواسي أو الاكتئابي في هذه الموجة العارمة، ويمكن أن يجد الشخص المعتاد على النشاط المحموم نفسه منهمكًا في تلك الموجة الجديدة من الأشغال بسبب العادة الخالصة. والأسوأ من ذلك أن هناك من يحتاج إلى هذا الانشغال، ليتجنب الهلع من الفراغ المرعب الذي ينتج عن اتساع أوقات الفراغ. قد لا يكون ذلك مشكلة إذا كانت طريقتهم في التسلية؛ لكن إذا غرقوا فيه بشكل قسري وغير مرغوب فيه، فربما يصبح هذا سبباً لتعاستهم في الإجازة المنشودة.
لكن هذا ليس حتى أكبر تحديات وقت الفراغ. الشخص المشغول بحماس لا يرتاح، لكنه يعيش محمياً من تهديدين: الملل والحاجة إلى الاختيار؛ على الأقل، هناك هيكل لوقته. ليس بإمكان الجميع تحمل ساعات غير محددة بعمل أو التزامات.. ويمكن أن يبدو المنزل الذي شلته بوصلة الالتزام وكأنه معبد غامض أو قبو كئيب إذا لم نكن نعرف كيف نوجه أنفسنا في طرقه الهادئة؛ قد تثقلنا الأسرة في هدوئها الممل؛ وربما تحاصرنا الوحدة في مستنقع بلا دعائم.
كيف نقضي أوقات الفراغ؟
وللخروج من هذه المستنقعات، لابد من الانشغال بشيء ما، وهنا نواجه الحرية المزعجة ومهمة الاختيار. إن صناعة الترفيه، بعروضها التي لا نهاية لها تربكنا إلى حد ما. هناك العديد من الخيارات المغرية، والوقت محدود: سيكلفنا الاختيار الكثير من التضحيات، ولن يتضح لنا أبدًا ما إذا اخترنا الأفضل. في الإجازات، تصبح الراحة والاستمتاع واجبًا، ومهما فعلنا، قد نشعر بالفشل. فلا عجب أن العودة إلى العمل، رغم ما فيها من إزعاج، غالبًا ما تجلب بعض الراحة.
فما العمل إذًا؟ أن يستجمع ما تبقى من رغبة، وإن لم يبقَ شيء، يستخرجها من الصخر.. مواجهة عدم اليقين بتواضع من لا يعرف، ولكنه لا يُلزم نفسه بإجابة فورية. أن يسمح لنفسه بإضاعة الوقت، حتى وإن سمع أصواتًا تلح عليه بأن يكون منتجًا.. وأن يضحك على أفراحه ويشعر بقوة مخاوفه… أن يواجه تفاهة خوائه، وهي ذاتها تفاهة رغباته.. وأن يحرر نفسه من الواجبات، ولو ليوم واحد فقط، وينغمس في الكسل الحلو والمر؛ أو في عمل متأنٍ لا يخص أحد سواه، عمل يقربه من كينونته.. مثل كتابة هذا المقال الذي لا يؤدي إلى أي مكان…













