فلسفة توما الأكويني وبراهينه الخمسة على وجود الله

You are currently viewing فلسفة توما الأكويني وبراهينه الخمسة على وجود الله
القديس توما الأكويني

توما الأكويني هو واحد من أعظم الفلاسفة اللاهوتيين في الثقافة الغربية. وقد تبنى هذا الفيلسوف أفكار أرسطو وحاول التوفيق بينها وبين العقيدة المسيحية. في هذا المقال نخوض معاً رحلة شيقة للتعرف على فكر توما الأكويني وحججه الخمسة للبرهان على وجود الله.

نبذة عن حياة توما الأكويني

ولد توما الأكويني عام 1225 في إيطاليا وبالتحديد في بلدة صغيرة تقع بين روما ونابولي. ترعرع الأكويني في ظل عائلة ثرية إلى حد ما. وتلقى تعليمه المبكر في دير البينديكتين، ثم انتقل إلى جامعة نابولي ليبدأ دراسة اللاهوت وفيها درس البلاغة والمنطق والقواعد والحساب والهندسة والفلك والموسيقى، وكانت الفلسفة جزءً من دراسته. وفي تلك الفترة تعرف عل عدد من أعمال أرسطو المترجمة. حيث كانت الكثير من أعماله قد فقدت في أوروبا منذ القرن الثاني عشر. ونتيجة امتزاج الثقافة الأوروبية الغربية مع الثقافة الإسلامية الشرقية في ذلك الوقت استطاع البعض الحصول على بعض أعمال أرسطو التي ترجمها بعض فلاسفة المسلمين من أمثال ابن سينا وابن رشد. ومن هنا تعرف توما الأكويني على مؤلفات أرسطو.

في خضم دراسته الجامعية في نابولي انضم توما إلى جماعة دينية جديدة عرفت باسم رهبنة الواعظين أو الدومينيكان نسبة إلى مؤسسها سانت دومينيك دي جوزمان. وقد ارتكزت أفكار هذه الجماعة على الوعظ والتعليم. ولم يكن والدا توما سعداء بقراره للانضمام إلى هذه الحركة الانجيلية الجديدة. لكن توما وعلى عكس رغبة ابويه استمر في هذه الحركة.

ونظراً لموهبته العظيمة التي ظهرت عليه في وقت مبكر أرسلت الدومينيكان توما للدراسة في جامعة باريس لمدة ثلاث سنوات تحت قيادة القديس ألبرت الكبير. وعندما انتقل ألبرت إلى جامعة كولونيا أخذ معه توما كمساعد شخصي له. وبعد سنوات عاد مجدداً إلى جامعة باريس وفي ذلك الوقت طلب منه العمل في التدريس داخل الجامعة. استمر هناك لمدة ثلاث سنوات ثم عاد إلى إيطاليا ليعمل على كتابه الخلاصة اللاهوتية.

أعمال توما الأكويني

كان توما الأكويني واحد من أغزر الفلاسفة إنتاجاً في حياته القصيرة نسبياً. فلقد قام بتأليف أربعة أعمال لاهوتية موسوعية. هذا بالإضافة إلى العديد من التعليقات والرسائل التي كتبها على جميع رسائل أرسطو وبولس الرسول في العهد الجديد. ولعل من أشهر هذه الأعمال:

  • أسئلة متنازع عليها حول الحقيقة.
  • خلاصة ضد الكفار.
  • الخلاصة اللاهوتية.
  • التعليقات على الأعمال الفلسفية الهامة.

فلسفة توما الأكويني

أشرنا آنفاً إلى أن توما الأكويني تأثر تأثراً شديداً بأفكار أرسطو، بل على وجه الدقة تبناها، وحاول التوفيق بين هذه الأفكار وبين العقيدة المسيحية. وقد استطاع بالفعل أن يصنع التوليفة المثلى بين الإيمان والمعرفة. حيث كان لا يرى تعارض بين ما تقول به الفلسفة أو العقل من جهة وبين ما تقول به العقيدة المسيحية أو الإيمان من جهة أخرى. ففي كثير من الأحيان نرى أن المسيحية تتفق بصورة أو بأخرى مع الفلسفة. لذا ففي مقدرة المرء أن يتوصل إلى الحقيقة عن طريق العقل مثلما يستطيع أن يطالعها في الكتاب المقدس. 

كما ادعى الأكويني أن العقل القائم على المعرفة الحسية يمكن أن يثبت حقائق معينة، مثل فكرة أن الله موجود وأن الروح موجودة، لكن هذا العقل له حدود جعلت الإيمان ضرورياً لتلك الحقائق التي لا تثبت حسياً مثل الإيمان بخلود الروح.

أرسطو وفلسفة توما الأكويني

أشار توما الأكويني إلى أن هناك طريقين نستطيع من خلالهما الوصول إلى الله. أول طريق هو طريق الإيمان والطريق الآخر هو العقل. لذا وعلى الرغم من وجود طريقين إلا أن الحقيقة واحدة. فلو توصل العقل إلى حقيقة معينة فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتعارض هذه الحقيقة مع الكتاب المقدس. لذا فليس هناك أي تعارض بين ما تقول به فلسفة أرسطو وبين ما تقول به العقيدة المسيحية. فأرسطو لم يتوصل إلا لجزء صغير من الحقيقة. حيث لم يكن يعرف المسيحية.  ولتوضيح الأمر نعرض هذا المثال:

إذا قلنا إن القاهرة تقع في أفريقيا. فلا يعد هذا الأمر خطأ، ومع ذلك لا يمكننا اعتبار أن هذه الجملة دقيقة وتعبر بالفعل عن موقعها الحالي. أما إذا قلنا إن القاهرة تقع في مصر وأن مصر تقع في شمال أفريقيا فهذه الحقيقة هي الأدق بكل تأكيد ورغم ذلك لا يمكننا القول بأن المعلومة الأولى كان خاطئة.

إذا طبقنا هذا الأمر على ما يريد توما قوله نجد أن هناك العديد من القضايا التي يتحدث عنها الكتاب المقدس والعقل في ذات الوقت. على سبيل المثال قضية وجود الله، فطبقاً لفلسفة أرسطو نرى أنها تفترض وجود الله أو سبب أول هو محرك كل الظواهر الطبيعية، ولكن أرسطو لا يعطي أي وصف إضافي لهذا المحرك، ومن هنا نلجأ إلى الكتاب المقدس ليخبرنا بالمعلومات الأكثر دقة كما قلنا مسبقاً.  وعلى الرغم من أن قضية وجود الإله من عدمه ليست حقيقة مطلقة إلا أن توما الأكويني في فلسفته استطاع أن يقدم خمسة براهين يثبت من خلالها وجود الله على أساس فلسفة أرسطو ذاتها. وهذا ما ينقلنا إلى الحديث عن هذه البراهين الخمسة.

اقرأ أيضًا: الفلسفة الهيلينية: كيف امتزج الدين بالفلسفة؟

براهين وجود الله عند توما الأكويني

ربما لم يكن توما الأكويني هو أول من صاغ هذه البراهين. فلقد كانت موجودة من قبل ظهوره بزمن طويل. حيث طرح هذه البراهين عدد من الفلاسفة اليهود والمسلمين مثل موسى بن ميمون وابن سينا وابن رشد وغيرهم. وتستند هذه الحجج على ميتافيزيقا أرسطو، وبالتالي تتطلب إرساء بعض الأسس الفلسفية لفهمها.

تصنع الحجج الخمسة لأكويني الاستدلالات على أساس السببية، ولذا فنحن بحاجة إلى فهم نوع السببية الذي يفكر فيه الأكويني عند تقديم هذه الحجج. أحد أنواع السببية هو السببية الزمنية، والتي تتعامل مع حدث ما في الحاضر يحدث نتيجة لحدث ما في الماضي. على سبيل المثال: أجدادنا هم نوع من الأسباب التسلسلية لولادتنا، فبدونهم لم يولد آباؤنا، وبالتالي لم نولد نحن. لكنهم مع ذلك لم يتسببوا بشكل مباشر في ولادتنا بأي شكل من الأشكال. ليس هذا هو نوع السببية الذي استخدمه الأكويني في براهينه، وبدلاً من ذلك، كان يعتقد أن الله سبب داعم، يشبه إلى حد كبير كيف يمكن أن يكون العمود هو السبب الداعم للتمثال الذي يمنعه من الانقلاب. تتمثل إستراتيجية الأكويني، إذن، في انتقاء بعض سمات تجربتنا المشتركة التي يجادل بأنها تتطلب سبباً مستداماً. ولسوف ننتقل مباشرة إلى البراهين الخمسة لبيان هذا الأمر.

البرهان الأول: المحرك غير المتحرك

نلاحظ أن الأشياء في عالمنا تتغير باستمرار وتتحرك. ولكن ماذا يعني أن يتغير شيء ما؟ هذا يعني أن شيئاً ما أصبح الآن كما لم يكن من قبل. فكل ما ينتج عن هذا التغيير لا يمكن أن يأتي من داخل الشيء نفسه قبل تغييره، وإلا فسيكون ذلك الشيء بالفعل ولن يحتاج إلى التغيير من حالة سابقة. لا يمكن لشيء ما أن يحقق إمكاناته الخاصة، وإلا فسيكون بالفعل واقعياً وليس محتملاً. لذا فإن أي شيء ينتج تغييراً ويحقق إمكانات شيء ما يجب أن يكون بالفعل فعلياً وخارجياً عن الشيء الذي يتم تغييره. لكن هذا السبب الخارجي نفسه يخضع للتغيير، وبالتالي يتطلب سبباً خارجياً لتغييره.

إذن ما لديك هنا هو نظام من سلاسل الأسباب ينتج التغيير ويحقق الإمكانات في أشياء أخرى. لكن سلسلة الأسباب لا يمكن أن تعود إلى ما لا نهاية، لأن ذلك سيكون بلا هدف. فكر في صف من قطع الدومينو تتساقط واحدة تلو الأخرى، كل منها سببه قطعة الدومينو التي سبقتها. لا يمكنك الحصول على عدد لانهائي من قطع الدومينو لأنه في مرحلة ما، كان على شخص ما أن يدفع قطعة الدومينو الأولى في السلسلة. لذلك، يرى الأكويني أنه يجب أن يكون هناك سبب أول هو المصدر النهائي لكل التغيير في العالم والذي لا يتغير في حد ذاته، كائن بحقيقة خالصة ولا إمكانات، مغير غير متغير أو محرك غير متأثر. هذا ما نعنيه بالله.

البرهان الثاني: المسبب الأول

في تجربتنا اليومية، نجد أن الأشياء لا تظهر للوجود بدون سبب؛ شيء ما يتسبب دائماً في ظهور الأشياء. ولكن لأي سبب تجده لوجود شيء ما، يمكنك دائمًا أن تسأل، “ما سبب وجود ذلك؟” مرة أخرى، لا يمكن أن يكون لديك سلسلة لا نهائية من الأسباب ويجب أن يتوقف المسئول عن مكان ما. في هذه الحالة، نصل إلى السبب الأصلي الذي لا ينتج عن أي شيء، وهو السبب الأول غير المسبوق.

البرهان الثالث: حجة الوجود

عندما ننظر إلى الأشياء في كوننا، نشعر أن هذه أشياء لا يجب أن توجد؛ وجودهم مشروط. كل شيء نعرفه تقريباً، الصخور والأشجار والطاولات والكراسي، لم يكن من الضروري وجود هذه الأشياء. وإذا لم يكن هناك شيء ما يجب أن يكون موجوداً، فيجب أن يكون هناك تفسير لسبب وجوده في المقام الأول. لكن إذا قمت بشرح وجود شيء طارئ بشيء عرضي آخر، فعليك أن تسأل نفسك لماذا يوجد هذا الشيء بدلاً من عدم وجوده. تماماً كما هو الحال مع أول وسيطين، لا يمكن أن يكون لديك سلسلة لا نهائية من الأشياء الطارئة التي تسبب بعضها البعض، لذلك يجب أن تتوقف السلسلة في مكان ما. الجواب، حسب الأكويني، هو أنه يجب أن يكون هناك شيء موجود بالضرورة ولا يعتمد على أي شيء آخر لوجوده.

البرهان الرابع: حجة الكمال

يلاحظ الأكويني أن هناك درجات من الكمال في الأشياء. على سبيل المثال، الإنسان لديه كمالاً أكثر من الكلب، الذي لديه كمالاً أكثر من السحلية، التي لديها كمالاً أكثر من الصرصور. وقد استشهد توما الأكويني بمثال أرسطو عن الأشياء التي تزداد سخونة كلما اقتربت من النار، وقد جادل الأكويني بأن كل شيء يحصل على كماله من مصدر نهائي للكمال الأقصى، وهو الله.

البرهان الخامس: الحجة الغائية

عندما ينظر الأكويني إلى الطبيعة، فإنه يرى أنه حتى الأشياء التي ليس لها ذكاء تتصرف بطريقة تبدو موجهة نحو الهدف أو تهدف إلى حد ما. على سبيل المثال، تنمو الأشجار، وتتفرع، وتنتج الفاكهة ليأكلها الناس، وتصنع الزهور ليستمتع بها الناس، وتوفر الظل من الحرارة. ومع ذلك، يقول الأكويني، لا يمكن للأشياء الجامدة التحرك نحو الهدف ما لم يتم توجيهها للقيام بذلك من قبل بعض الذكاء الخارجي. لذلك، يجب توجيه كل شيء في الطبيعة للتصرف بالطريقة التي يتصرفون بها لأنهم صمموا بهذه الطريقة من قبل مصمم كبير.

اقرأ أيضًا: السفسطائيون: كيف اكتسبوا هذه السمعة السيئة؟

تقودنا براهين وجود الله عند توما الأكويني معاً إلى محرك غير متأثر وسبب أول غير مسبب موجود بالضرورة، وهو مثالي إلى أقصى حد، ومسؤول عن تصميم الطبيعة. ومن هذا المفهوم الميتافيزيقي للغاية والوجود، يمكننا استنباط نتيجتين إضافيتين. الأول هو أنه من خلال الخلق، فإننا لا نتحدث عن أخذ مادة موجودة مسبقاً وإعادة ترتيبها بالطريقة التي يعمل بها النحات. فالقدرة على الخلق تعني إحضار شيء ما من حالة عدم الوجود، أي، العدم، إلى حالة الوجود، قوة خاصة بالله. الاستنتاج الثاني هو أن الله لا يجعل الكرة تتدحرج ويشاهدها من بعيد. لأن كل الوجود ينبع من كائن واحد، يجب أن تستمر الأشياء في الحفاظ عليها من خلال القوة التي تمنح الحياة لهذا الكائن، وإلا فإنها ستتلاشى على الفور من الوجود. هذا هو عقيدة الحفظ المستمر.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك