العلاقات العاطفية: لماذا تنجذب النساء إلى الأوغاد؟
لماذا تميل بعض النساء إلى الانجذاب نحو الرجال السيئين والمغامرين، بينما يشتكين في نفس الوقت من غياب الرجال الطيبين المسؤولين؟ هل هي مجرد نزعة ثقافية، أم أن هناك جذورًا بيولوجية أعمق تفسر هذا السلوك؟ بين الواقع والخيال، وبين الدراما التلفزيونية والتفسيرات العلمية، يأخذنا هذا المقال في رحلة عبر علم النفس التطوري لاستكشاف تلك الديناميكيات المعقدة في العلاقات العاطفية.
اختيارات النساء
إذا كنتم تتذكرون مسلسلFriends ، فستعلمون أن مونيكا (الجذابة، المثالية، ذات الشخصية القيادية التي تعاني من الوسواس القهري) تزوجت من تشاندلر (الذكي، والمضحك، والحساس، والمبدع، والأخرق). ربما تتذكرون أيضًا أنه في إحدى الحلقات، تم الكشف عن أن الليلة التي قضتها مونيكا مع تشاندلر لأول مرة، كانت في الواقع تبحث عن جوي، لأنها أرادت ممارسة الحب معه لتحسين مزاجها. لكنها لم تجد جوي (الساحر، زير نساء، غير المسؤول، المغامر)، بل وجدت تشاندلر، فنامت معه.. وهكذا بدأت واحد من أكثر العلاقات العاطفية الرومانسية طرافةً في تاريخ الكوميديا التلفزيونية.
في نفس الحلقة التي أتحدث عنها، ينفجر تشاندلر غاضبًا في نوبة من الغيرة تجاه مونيكا، لأنه اعتبر أنه من المهين لرجولته أن تكون قد اختارته بالصدفة. بينما الشخص الذي أرادته حقًا، والذي كانت تنجذب إليه، هو جوي. وتنتهي الأمور بحلّ عندما يتحدث جوي مع تشاندلر ويجعله يرى الحقيقة:
لقد اختارتني لقضاء ليلة واحدة، لكنها اختارتك لقضاء بقية حياتها معك..
والآن، يبدو أن هناك قانونًا غير مكتوب: الفتيات يعجبن عادةً بالأوغاد الساحرين، بينما يشتكي الشباب الطيبون الحساسون من ذلك كثيرًا. لكن من الصحيح أيضًا أن النساء، عندما ينجذبن إلى شخصيات مثل جوي، يكون ذلك في الغالب عندما يكنّ صغيرات السن ويرغبن في خوض المغامرات.. أما عندما يحين الوقت للاستقرار وبناء علاقات عاطفية طويلة الأمد، فإنهن يخترن حينها الرجال الطيبين..
الطيب والمغامر في العلاقات العاطفية.. أيهما الأنسب؟

بالطبع، هذا مجرد تعميم وفكرة مبتذلة. لكن هناك بعض الدراسات التي تشير إلى أن هذه النزعة حقيقية جدًا. تشير دراسة إلى هذا الأمر. حيث تم تقديم مجموعة من النساء الشابات إلى نماذج لرجال (مأخوذة من شخصيات أدبية).. انتمى بعضها إلى نموذج الرجل السيئ المغامر الخطير الجذاب، بينما انتمى البعض الآخر إلى نموذج الرجل الطيب المسؤول الحساس المؤهل ليكون زوجًا وأبًا جيدًا. طرحت عليهن عدة أسئلة حول ذلك.. وكما كان متوقعًا، اختارت النساء، بشكل عام، الرجل السيئ لمواقف مثل “ممارسة الحب لليلة واحدة”.. أو “الذهاب في عطلة لبضعة أسابيع”.. بينما فضلن الرجل الطيب عندما تعلق الأمر بـ “الزواج وتكوين أسرة”..
لماذا يحدث هذا؟ لماذا لا تختار النساء الرجل الطيب للجنس العابر أو الرجل السيئ للزواج؟ قد يعزى ذلك إلى العوامل الثقافية، لكن هذه الظاهرة تم رصدها في ثقافات مختلفة وعبر العصور (كما يتضح من الأدب في مختلف الشعوب والفترات الزمنية). إذن، كيف يمكن تفسير هذا الأمر؟
السلوك البشري.. العقل والغريزة

يقدم علم النفس التطوري إجابة محتملة. يرى هذا المجال أن السلوك البشري لا يُفسَّر فقط من خلال التاريخ والتجارب الشخصية (علم النفس)، ولا من خلال العوامل الاجتماعية والثقافية (علم الاجتماع)، بل يجب إضافة العامل البيولوجي إلى المعادلة. بمعنى آخر، يجب أن نتذكر أننا حيوانات، وتحديدًا من الرئيسيات، وأن الكثير من سلوكياتنا يمكن تفسيرها كنتيجة لتكيّفات تطوّرنا في ظلها، وهي تكيّفات ساعدتنا على البقاء والتكاثر.
إذن، وفقًا لعلم النفس التطوري، تميل الإناث إلى الانجذاب إلى الذكور الجديرين بالثقة والمسؤولين، لأن ذلك يضمن أن نسلها سيحظى بالرعاية، والتغذية، والحماية، وبالتالي سيكون لديهم فرصة أكبر للبقاء على قيد الحياة والاستمرار في نشر جيناته. وبالمثل، فإن الذكور الذين يستثمرون المزيد من الجهد في رعاية وتربية أطفالهم سيحظون بنسل أكثر وأوفر حظًا في النجاح. هذا منطقي تمامًا، لكن انتبهوا: الأمر لا يعني أن الإناث أو الذكور كانوا دائمًا واعين بهذه المسألة، بل إن هذه نزعة تطورت بمرور الزمن، بحيث أصبحنا على هذا النحو.
بالمناسبة، ماذا عن الفكرة الشائعة بأن الرجال يهتمون أكثر بالمظهر الجسدي، بينما تهتم النساء أكثر بالشخصية؟ وفقًا لهذا المنظور، يبدو أن هذا صحيح. لذا، عزيزاتي النساء، تحملنّا قليلًا، فالتطور جعلنا أشبه بأكياس متنقلة من المادة الوراثية لا أكثر!
لكن ماذا عن الإستراتيجية التطورية للرجل اللعوب أو المغامر؟ في هذه الحالة، بدلاً من التركيز على تربية الأطفال (الجودة)، فإنه يراهن على إنجاب أكبر عدد ممكن من الأبناء (الكمية) مع أكبر عدد ممكن من الإناث. مما يمنح نسله تنوعًا جينيًا دون الحاجة إلى استثمار الوقت أو الجهد أو الموارد في تربيتهم.
لكن يبقى السؤال: لماذا، إذن، قد تنجذب الإناث جنسيًا إلى هؤلاء الأوغاد؟ يبدو أن المخاطرة كبيرة جدًا. فرغم وجود وسائل منع الحمل اليوم، فإنها لم تكن متاحة لآلاف السنين. وكانت الأنثى تواجه خطرًا كبيرًا إذا حملت من رجل لا فائدة منه، لن يساعدها في تربية ورعاية الطفل. فلماذا تستمر هذه الظاهرة؟
فرضية الابن الجذاب
يطرح علم النفس التطوري ما يعرف بـ “فرضية الابن الجذاب”. وفقًا لهذه الفرضية، فإن النساء اللواتي يحملن من رجال أوغاد يتمتعن بميزة تطورية. كيف ذلك؟ ببساطة، إذا أنجبن ذكورًا، فهؤلاء الأبناء سيرثون سمات آبائهم: الجرأة، المغامرة، التمرد، السيطرة، التحدي، والجاذبية للإناث. ونتيجة لذلك، سينجب هؤلاء الأبناء الكثير من الأطفال، مما يضمن بقاء وانتشار جينات أمهاتهم.
أما إذا أنجبن إناثًا، فستكون لديهن نفس ميل أمهاتهن للانجذاب إلى الرجال المستهترين، مما يؤدي أيضًا إلى نسلٍ وفير عبر أحفادهن الذكور. في الواقع، تشير بعض الدراسات إلى أن الأطفال الذين نشأوا بدون آباء – سواء كانوا ذكورًا أم إناثًا – يميلون إلى أن يكونوا أكثر انخراطًا في العلاقات غير الشرعية..
مرة أخرى، هذه الاختيارات لا تتم بوعي؛ فالأمر ليس أن النساء يفكرن بشكل منطقي:
سأحمل من هذا الوغد حتى أنجب ابنًا يشبهه وينجب لي الكثير من الأحفاد.
بل إن الأمر ببساطة يتعلق بنزعة موروثة، ترسخت عبر الأجيال منذ العصر الحجري القديم، تميل بعض النساء إلى الانجذاب الجنسي إلى الأوغاد والمغامرين.
ازدواجية الاستراتيجيات في العلاقات العاطفية

أما على مستوى الثقافة الشعبية، فيمكن ملاحظة هذا الاتجاه في رغبة النساء في العثور على رجل قوي، وخطير، سيئ الطباع، لكنه مثير. ثم جعله يقع في حبها ويقرر أن يصبح الزوج المثالي من أجلها. هذه الحبكة تتكرر في جميع الأفلام الرومانسية والمسلسلات تقريبًا. وبالطبع، بعض النساء يحاولن إصلاح الرجل السيئ وجعله زوجًا جيدًا، لكن في معظم الحالات، تنتهي هذه المحاولات بالفشل.
الآن، نقطة مثيرة للاهتمام في هذه الفرضية هي أنها تأخذ بعين الاعتبار أن الشخص الواحد، سواء كان رجلًا أو امرأة، قد يجمع بين استراتيجيتين تكاثريتين متناقضتين.. الأولى هي تكوين أسرة ورعاية الأبناء.. والثانية هي الانخراط في علاقات جنسية متعددة لزيادة عدد الأبناء وتعزيز التنوع الجيني. وهذا يفسر سبب انجذاب الأشخاص المرتبطين بسعادة وإخلاص إلى آخرين خارج علاقتهم.. ولماذا قد تراودهم خيالات جنسية أو حتى يدخلون في علاقات عابرة دون نية فعلية لتدمير استقرارهم العاطفي.
هذا السلوك أكثر شيوعًا بين الرجال مقارنةً بالنساء، لأن المرأة تتحمل مخاطر أكبر إذا حملت من رجل ليس شريكها الأساسي.. في حين أن الذكور يمكنهم غالبًا التملّص من المسؤولية والخروج من الموقف دون عواقب. يضاف إلى ذلك القيود المجتمعية والوصم الاجتماعي، مما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا بالنسبة للنساء.
منظور علم النفس التطوري في العلاقات العاطفية
كل هذا يبدو منطقيًا، لكن هنا تأتي تحذيرات مهمة عند التعامل مع علم النفس التطوري.. فلا يزال علمًا ناشئًا، مليئًا بالمقترحات التي لا تزال محل جدل ونقد. ويهدف فقط إلى تفسير الاتجاهات العامة لدى نوعنا البشري. لكنه لا يأخذ في الحسبان الفروقات الفردية أو تأثيرات الثقافة والمجتمع. وحتى لو بدت بعض فرضياته منطقية، إلا أن إثباتها تجريبيًا أمر بالغ الصعوبة. حيث يعتمد معظمها على الإحصائيات والمقارنات مع سلوك أقرب أقربائنا التطوريين القردة العليا (كالشمبانزي والبونوبو)، مما يترك هوامش تفسير واسعة وضعيفة.
وقبل أن نقبل التفسير المطروح هنا، يجب التحقق مما يلي: هل انجذاب النساء إلى الرجال السيئين هو سمة وراثية حقيقية، أم أنه مجرد نتيجة للعوامل النفسية والاجتماعية؟ وإذا كان وراثيًا، فهل هو تكيف تطوري مفيد، أم مجرد أثر جانبي لنزعات أخرى؟
بعد كل شيء، الدراسة التي استندت إليها هذه الفرضية محدودة للغاية ولا تأخذ في الاعتبار العديد من العوامل المهمة. وأخيرًا، يجب الحذر من أن هذه الفرضية قد تبدو جذابة للرجال الطيبين الذين يشعرون بالمرارة والرفض، فيرونها كطريقة لتبرير تفضيل النساء للرجال السيئين، بدلًا من مواجهة عيوبهم الشخصية وتطوير أنفسهم. من السهل أن يتبنى شخص محطم هذه الفكرة ليقول: “أنا لست المشكلة، بل هي غرائز النساء البدائية!”.
قد تبدو فرضيات علم النفس التطوري مغرية في تفسير العلاقات العاطفية والسلوك البشري، لكنها تظل مجرد جزء من الصورة الكاملة. فبينما قد تعطي هذه الفرضيات إجابات عن بعض النزعات العاطفية والجنسانية، تظل الفروقات الفردية والتأثيرات الثقافية والاجتماعية عوامل حاسمة في تحديد اختياراتنا العاطفية والشخصية. قبل أن نتبنى تلك النظريات كحقائق مطلقة، ينبغي أن نأخذ خطوة إلى الوراء، وأن نتأمل في مدى تعقيد النفس البشرية وتداخل العوامل التي تشكلها.













