فلسفة

فلسفة توماس هوبز: النظرة القاتمة للطبيعة البشرية

توماس هوبز هو واحد من أعمدة الفلسفة السياسية الحديثة، إذ أحدثت أفكاره حول السلطة، والطبيعة البشرية، والنظام السياسي، ثورة في طريقة التفكير في الدولة والمجتمع. وقد ولدت فلسفته في زمن مضطرب، حيث شهدت أوروبا حروبًا أهلية وصراعات دينية حادة، مما دفعه إلى التساؤل الجوهري: كيف يمكن للبشر أن يعيشوا في سلام ويتجنبوا الفوضى والدمار؟ في هذا النص، نستعرض أبرز أفكار توماس هوبز الأخلاقية والسياسية، بدءًا من نظرته للطبيعة البشرية، وصولًا إلى تصوره للنظام السياسي الأمثل.

الحالة الطبيعية للإنسان

يتميز الفكر السياسي لتوماس هوبز ونظرته للعالم بالأصالة المدهشة، ولا تزال تحتفظ بأهميتها في السياسة المعاصرة. كان شغله الشاغل هو مسألة النظام الاجتماعي والسياسي: كيف يمكن للبشر أن يعيشوا معًا في سلام ويتجنبوا خطر الحرب الأهلية؟

اقترح هوبز حلًا يتمثل في أن نمنح طاعتنا لسلطة عليا غير خاضعة للمساءلة (سواء كانت فردًا أو مجموعة مخولة باتخاذ القرارات في كل شأن اجتماعي وسياسي). وإلا، فإن ما ينتظرنا هو “الحالة الطبيعة للإنسان”، التي تشبه إلى حد كبير الحرب الأهلية.. وهي وضع من انعدام الأمن الشامل، حيث يخشى الجميع على حياتهم، ويكاد يكون التعاون البشري مستحيلًا.

هيمنت جدلية معينة على تفسير أعمال هوبز: هل يرى البشر كائنات أنانية بالكامل؟ هناك عدة مقاطع في كتاباته تدعم هذا الفهم، مما دفع بعضهم إلى الاعتقاد بأن استنتاجاته السياسية يمكن تجنبها إذا ما تبنينا تصورًا أكثر واقعية للطبيعة البشرية. ومع ذلك، فإن غالبية الباحثين اليوم يتفقون على أن توماس هوبز نفسه كان يمتلك رؤية أكثر تعقيدًا للدوافع الإنسانية. وسيكون أحد المواضيع المحورية لاحقًا هو: لماذا لا يمكن تجاوز المشكلات التي يطرحها هوبز بمجرد تبني نظرة أقل “أنانية” للطبيعة البشرية؟

الفلسفة السياسية الحديثة

الفلسفة السياسية
موقع توماس هوبز في الفلسفة السياسية الحديثة

يعتبر توماس هوبز الأب المؤسس للفلسفة السياسية الحديثة – بشكل مباشر أو غير مباشر – لقد وضع الإطار العام للنقاش حول أسس الحياة السياسية في عصرنا. قلة هم من قبلوا أطروحته التي تقضي بأن تُدار الحياة السياسية تحت سلطة مطلقة غير خاضعة للمحاسبة. ومع ذلك، ما زلنا نعيش في عالم تعد فيه السلطة البشرية شيئًا يحتاج إلى تبرير. ولا تُقبل بشكل تلقائي إلا من قِبل القلة.. عالم تبدو فيه اللامساواة الاجتماعية والسياسية أيضًا أمرًا قابلاً للطعن؛ وعالم تواجه فيه السلطة الدينية تحديات كبيرة.

يمكننا طرح السؤال في ضوء الاهتمام بالمساواة والحقوق الذي أعلن عنه فكر هوبز: نحن نعيش في عالم يفترض فيه أن كل البشر يمتلكون حقوقًا، أي مطالب أخلاقية تحمي مصالحهم الأساسية. لكن، من الذي يحدد ماهية هذه الحقوق؟ ومن الذي سيعمل على فرضها؟ بكلمات أخرى: من الذي سيمارس السلطات السياسية الأهم، عندما تكون الفرضية الأساسية هي أن الجميع يمتلك الحقوق نفسها؟

موقع توماس هوبز في تطور الفكر السياسي

Niccolo Machiavelli
نيكولو مكيافيلي

يمكننا فهم أهمية توماس هوبز بشكل أوضح إذا ما قارناه سريعًا ببعض المفكرين السياسيين الأكثر شهرة قبله وبعده. قبل قرن من زمن هوبز، كان نيكولو مكيافيلي قد شدد على حقائق السلطة القاسية، وأعاد التذكير بالتجارب الرومانية القديمة في الحرية السياسية. يظهر مكيافيلي كمفكر سياسي حديث أول، لأنه، مثل هوبز، لم يعد مستعدًا للحديث عن السياسة وفقًا للمعايير التي حددها الإيمان الديني (بل كان أكثر إساءة من هوبز في نظر كثير من المؤمنين الأرثوذكس)، إذ طرح السياسة كعلم دنيوي منفصل عن اللاهوت. لكن، وعلى عكس هوبز، لا يقدم مكيافيلي فلسفة شاملة: علينا أن نعيد بناء آرائه حول أهمية وطبيعة الحرية. كما أنه لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت المبادئ التي يعتمد عليها نابعة من مدحه الظاهري للسياسة المبنية على القوة اللاأخلاقية.

أما جون لوك، الذي كتب بعد هوبز بسنوات قليلة، فقد قبل بشكل نهائي الإطار الذي حدده هوبز للنقاش: كيف يمكن للبشر أن يعيشوا معًا عندما لم تعد المبررات الدينية أو التقليدية للسلطة فعالة أو مقنعة؟ كيف يتم تبرير السلطة السياسية، وما حدود هذه السلطة؟ على وجه الخصوص: هل يجب أن تكون سلطات الحكام السياسيين غير محدودة كما اقترح هوبز؟ وإن لم تكن كذلك، فما النظام السياسي الذي سيضمن عدم تجاوزهم الحدود، أو عدم انتهاكهم لحقوق رعاياهم؟

وعليه، فعند تقييم الفلسفة السياسية لهوبز، يمكننا أن نطرح الأسئلة التالية كدليل: ما الذي كتبه توماس هوبز وكان ذا أهمية كبرى؟ وكيف استطاع أن يؤسس طريقة في التفكير حول السياسة والسلطة لا تزال حاسمة حتى بعد مرور ما يقرب من أربعة قرون؟

الأخلاق والطبيعة البشرية في فلسفة توماس هوبز

من الصعب فصل الفكر الأخلاقي لتوماس هوبز عن فكره السياسي. ففي رأيه، ما ينبغي علينا فعله يعتمد إلى حد كبير على الوضع الذي نجد أنفسنا فيه. ففي غياب السلطة السياسية (كما هو الحال في الحالة الطبيعية الشهيرة التي وصفها للطبيعة البشرية)، يبدو أن حقنا الأساسي هو الحفاظ على حياتنا، بأي وسيلة نراها مناسبة. أما عندما تكون هناك سلطة سياسية، فإن واجبنا يبدو واضحًا إلى حد بعيد: طاعة من هم في السلطة.

ومع ذلك، يمكننا أن نفصل بين الأخلاق والسياسة بشكل مفيد إذا ما اتبعنا التقسيم الذي وضعه هوبز بنفسه. فبالنسبة له، تشير الأخلاق إلى الطبيعة البشرية، في حين تتناول الفلسفة السياسية ما يحدث عندما يتفاعل البشر بعضهم مع بعض. فما هي إذًا وجهة نظر توماس هوبز حول الطبيعة البشرية؟

المادية مقابل المعرفة الذاتية

أعمال توماس هوبز
تحليل كتاب اللفياثان لتوماس هوبز

قراءة الفصول الأولى من كتاب “اللفياثان” أمر محير. والسبب في ذلك يتضح بالفعل في المقدمة القصيرة جدًا التي كتبها هوبز. حيث يبدأ فيها بإخبارنا أن الجسم البشري يشبه الآلة، وأن التنظيم السياسي (المجتمع) يشبه كائنًا بشريًا صناعيًا. وينهي المقدمة بالقول إن صدق أفكاره لا يمكن التأكد منه إلا من خلال فحص الذات.. أي من خلال تأملنا في أنفسنا وتحليل أفكارنا ومشاعرنا، والتي تشكل أساس كل سلوك إنساني. لكن ما العلاقة بين هذين التصريحين المختلفين تمامًا؟ فعندما ننظر إلى داخل أنفسنا، من الواضح أننا لا نرى دَفْعًا أو جذبًا ميكانيكيًا.

هذا اللغز لا يحل بسهولة من خلال المنهج الذي يتبعه هوبز في الفصول الأولى. إذ يواصل الحديث عن مختلف الظواهر النفسية – من المشاعر إلى الأفكار إلى سلاسل كاملة من التفكير – بوصفها ناتجة عن تفاعلات ميكانيكية. (أما فيما يتعلق بما سيقوله لاحقًا عن التنظيم السياسي الناجح، فإن التشابه بين الدولة والمخلوق الحي الفاعل يكاد يكون معدومًا. النقطة الحقيقية الوحيدة التي يصر عليها هوبز هي أنه لا بد من وجود «رأس» يتخذ القرارات بشأن معظم الأمور المهمة التي يقوم بها «الجسم»).

الإنسان كآلة في أفكار توماس هوبز

ويتفق معظم المعلقين مع حجة طرحها الفيلسوف السياسي ليو شتراوس في ستينيات القرن العشرين. حيث يرى أن توماس هوبز بنى تصوره للطبيعة البشرية على فكرته عن العلم الميكانيكي، الذي يعمل بطريقة استنتاجية انطلاقًا من مبادئ أولية. وقد زوّده هذا التصور العلمي بمنهج مميز وبعض الاستعارات والتشبيهات اللافتة. لكنه لم يمنحه ــ ولا يمكن أن يمنحه، بالنظر إلى الحالة البدائية للفيزيولوجيا (علم وظائف الأعضاء) وعلم النفس في عصر هوبز ــ أفكارًا حاسمة أو جوهرية حول ما هي عليه الطبيعة البشرية في الواقع. قد تكون تلك الأفكار قد جاءت، كما يدعي هوبز أيضًا، من التأمل الذاتي. ولكن من المرجح أنها استُمدّت من تأمله في الأحداث المعاصرة وقراءته لروائع التاريخ السياسي مثل كتابات ثوسيديديس.

هذا لا يعني أنه ينبغي علينا تجاهل أفكار هوبز حول الطبيعة البشرية. لكنه يعني أننا لا ينبغي أن ننخدع بالصور العلمية المأخوذة من علم لم يكن موجودًا فعليًا (وأيضًا، إلى حد ما، من ميتافيزيقا غير مؤكدة ولا مثبتة). وهذه النقطة مهمة خاصةً عندما نتناول مسألة تفسيرية محورية في فكر هوبز: هل كان يرى البشر كائنات ميكانيكية مبرمجة للسعي وراء مصالحها الخاصة؟ لقد اقترح بعضهم أن رؤية هوبز الميكانيكية للعالم لا تترك مجالًا لتأثير الأفكار الأخلاقية. وأنه يعتقد أن التأثير الفعال الوحيد في سلوكنا هو الحافز الناتج عن اللذة والألم. ومع أن هوبز يصرح أحيانًا بمثل هذه الأفكار، فعلينا أن ندرك أنها تناسب الإطار المجازي فقط.

ما يهمنا يعتمد على الإطار الزمني الذي نعتمده، وعلى مدى فعاليتنا في تحقيق هذا الهدف. كما أنه يعتمد على إدراكنا لما يضرّنا أو ينفعنا. وإذا أردنا أن نعرف ما الذي يدفع البشر، فعلينا أن نقرأ بعناية كل ما قاله في هذا الشأن، وكذلك ما يحتاج إلى افتراضه كي يتماسك باقي تفكيره. إن الاستعارة الميكانيكية ليست سوى «طُعم زائف».. وفي النهاية ربما تكون أقل نفعًا من منطلقه الآخر في الليفياثان، ألا وهو الشعار الدلفي القديم: “اعرف نفسك”..

نقص الحكم البشري

توماس هوبز نظرية العقد الاجتماعي
الطبيعة البشرية في فكر هوبز

هناك جانبين رئيسيين في تصور توماس هوبز للطبيعة البشرية. كما رأينا وسنواصل استكشافه لاحقًا، فإن ما يدفع البشر إلى التصرف هو أمر بالغ الأهمية بالنسبة لهوبز. أما الجانب الآخر، فيتعلق بقدرات البشر على الحكم والتفكير، والتي يبدي هوبز تجاهها قدرًا كبيرًا من الشك. وكغيره من الفلاسفة الذين سبقوه، يسعى هوبز إلى تقديم تفسير أكثر ثباتًا وأمانًا للأخلاق البشرية من ذلك الموجود في المعتقدات اليومية. فكما ميز أفلاطون بين المعرفة والرأي، يميز هوبز بين العلم وكل أشكال الاعتقاد الأخرى الأقل موثوقية، بدءًا من الاستدلال الاحتمالي القائم على التجربة، وصولًا إلى “السخافات، التي لا تخضع لها أي مخلوقات حيّة سوى الإنسان”..

لدى هوبز عدة أسباب للاعتقاد بأن الحكم البشري غير موثوق به. وأنه بحاجة إلى التوجيه من قبل العلم. فغالبًا ما تكون أحكامنا مشوهة بسبب المصلحة الذاتية أو بفعل اللذة والألم اللحظيين. قد نشترك جميعًا في نفس الانفعالات الأساسية، لكن الأشياء المختلفة في العالم تؤثر علينا جميعًا بطرق متباينة. كما أننا ميالون إلى استخدام مشاعرنا كمقاييس نطبّقها على الآخرين. ويصبح الإنسان دوغمائيًا بدافع من الغرور أو الأخلاق، كما هو الحال مع «الرجال المتعلقين بشدة بآرائهم الجديدة… والمتمسكين بها بعناد». وعندما نستخدم كلمات لا تشير إلى أشياء حقيقية، أو لا نفهم تمامًا معاني الكلمات التي نستعملها، فإن الخطر لا يكمن فقط في أن أفكارنا ستكون عديمة المعنى، بل كذلك في أننا قد ننزلق إلى نزاعات عنيفة.

الحاجة إلى العلم

كما أننا نكون معتقدات حول كيانات خارقة للطبيعة، كالجن والأرواح وغيرها. ويتبع الخوف تلك المعتقدات، مما يزيد من تشويه حكمنا. ويمكن أن يتأثر الحكم أيضًا بالبلاغة.. أي بالكلام المقنع و«الملون» الذي يستخدمه الآخرون، الذين قد يتعمدون خداعنا، وربما تكون لهم أهداف تتعارض مع الخير العام أو حتى مع مصلحتنا الخاصة. والأسوأ من ذلك أن كثيرًا من أحكامنا تتعلق بما ينبغي فعله في الحاضر بناءً على ما قد يحدث في المستقبل، “والحال أن المستقبل ليس إلا خيالًا للعقل”، وبالتالي لا يمكن معرفته معرفة موثوقة.

بالنسبة لهوبز، فإن العلم وحده، هو الذي يوفر معرفة موثوقة بالمستقبل. ويعد السبيل لتجاوز ضعف الحكم البشري. ولكن للأسف، فإن تصوره للعلم، الذي يستند إلى مقدمات ميكانيكية بدائية ويبنى من خلال استدلالات استنتاجية، ليس مقنعًا حتى في مجال العلوم الطبيعية. وعندما يتعلق الأمر بتعقيدات السلوك البشري، فإن نموذج هوبز للعلم يصبح أقل إقناعًا بكثير. لا شك أن هوبز معلق حاد وذكي على الشؤون السياسية.. ويمكننا الإشادة بصرامته في توصيفه لواقع السلوك البشري، وبعزيمته في بناء سلاسل منطقية متماسكة. لكن هذا لا يعني أن هوبز كان قادرًا على بلوغ درجة من اليقين «العلمي» في أحكامه لم تصل إليها التأملات الأخلاقية والسياسية السابقة عليه.

الدافع الإنساني في فلسفة توماس هوبز

الطبيعة البشرية
الدافع الإنساني والأخلاق

الجانب الأهم في تصور هوبز للطبيعة البشرية يتمحور حول أفكاره بشأن الدافع الإنساني. وهذا ما جعله في قلب كثير من النقاشات حول كيفية فهم فلسفة توماس هوبز. فقد صور العديد من المفسرين الفاعل الهوبزي بوصفه شخصًا أنانيًا، يحسب أفعاله بشكل عقلاني (وقد لعبت هذه الفكرة دورًا كبيرًا في الفلسفة السياسية الحديثة والفكر الاقتصادي، وخصوصًا في نظريات الاختيار العقلاني. ومن الصحيح أن بعض المشكلات التي يواجهها هذا النوع من الأشخاص الذين يصفهم الفلاسفة بـ«الأنانيين العقلانيين تشبه إلى حد بعيد المشكلات التي يسعى هوبز إلى حلها من خلال فلسفته السياسية. كما أن من الشائع جدًا أن يحصل القارئ الأول لأعمال هوبز على انطباع مفاده أن هوبز يرى أن البشر جميعًا أنانيون في جوهرهم.

وهناك أسباب قوية جعلت المفسرين السابقين والقراء الجدد على حد سواء يميلون إلى هذا الفهم.. فهوبز يحب إطلاق تصريحات جريئة وصادمة لإبراز وجهة نظره. يقول مثلًا: «لقد توصلت إلى مبدأين يقينيين حول الطبيعة البشرية: الأول هو مبدأ الجشع البشري الذي يدفع كل إنسان إلى التمسك بالاستخدام الخاص للملكية العامة، والثاني هو مبدأ العقل الطبيعي الذي يسعى لتجنب الموت العنيف». ما الذي يمكن أن يكون أوضح من ذلك؟ – نحن نرغب في كل ما يمكننا الحصول عليه، ونرغب قطعًا في تجنب الموت.

ما الذي يحرك الإنسان؟

لكن هناك مشكلتين في اعتبار هذا هو الرأي النهائي لهوبز. أولًا، ببساطة، هذا تمثيل خاطئ للطبيعة البشرية. فالناس يفعلون أشياء كثيرة بدافع الإيثار، حتى لو تعارضت مع مصلحتهم الشخصية. كما أنهم يرتكبون أفعالًا قاسية وغير ضرورية تتعارض مع الأنانية (فكر في مدى التدمير الذاتي الذي قد تبلغه أفعال الانتقام). لذا، سيكون من غير المنصف أن نفسر هوبز بهذه الطريقة، ما دمنا قادرين على العثور على تفسير أكثر معقولية في أعماله. ثانيًا، في كثير من المواضع، يستند هوبز إلى فهم أكثر تعقيدًا للطبيعة البشرية. فهو يصف – بل أحيانًا يعتمد على – دوافع تتجاوز المصلحة الذاتية أو تعارضها، مثل التعاطف، والإحساس بالشرف، والشجاعة، وغيرها. كما يؤكد مرارًا على أننا نواجه صعوبة في تقييم أو حتى إدراك مصالحنا الحقيقية.

النتيجة هي أن هوبز لا يعتقد بأننا أنانيون على نحو موثوق. كما أنه لا يعتقد أننا عقلانيون بصورة أساسية أو موثوقة حين يتعلق الأمر بتحديد ما هو في مصلحتنا. ونادرًا ما يندهش حين يرى البشر يقومون بأفعال تتعارض مع مصلحتهم. بل إن العديد من المشكلات التي تواجه البشر، حسب رأيه، تنبع من كونهم مرتبطين بشكل مفرط بمصالحهم الخاصة. وكثيرًا ما يرى أن اهتمامنا المفرط بنظرة الآخرين لنا، أو تأثرنا بالدين، أو انجرافنا خلف كلمات تحريضية، هو ما يدفعنا إلى التصرف بشكل غير عقلاني. وقد دفعت هذه النظرة بعضًا إلى الاعتقاد بأن هوبز يروج لنظرية تعرف باسم الأنانية الأخلاقية. وهي الرأي القائل بأن الأخلاق يجب أن تبنى على المصلحة الذاتية، وأنه ينبغي علينا أن نفعل ما يحقق لنا أكبر منفعة. لكننا سنرى أن هذه الرؤية تبسط النتائج التي يستخلصها هوبز من تحليله للطبيعة البشرية.

خلاصة فلسفة توماس هوبز بين التشاؤم والبراجماتية

فلسفة توماس هوبز
خلاصة فلسفة توماس هوبز

هذا هو تصور هوبز للطبيعة البشرية: نحن كائنات محتاجة وهشة. نضل الطريق بسهولة في محاولاتنا لفهم العالم من حولنا. وقدرتنا على التفكير لا تقل هشاشة عن قدرتنا على المعرفة؛ فهي تستند إلى اللغة، مما يجعلها عرضة للأخطاء وللتأثيرات غير المشروعة. وعندما نتصرف، فقد نفعل ذلك بدافع الأنانية، أو باندفاع، أو بجهل، مستندين إلى تفكير معيب، أو لاهوت فاسد، أو خطاب عاطفي من الآخرين.

ما هو المصير السياسي لهذا الكائن البائس – أي نحن؟ بلا شك، يعتقد هوبز أن قليلًا من السعادة يمكن أن يُرتجى من حياتنا. فأفضل ما يمكن أن نأمله هو حياة يسودها السلام في ظل حاكم مستبد. أما الأسوأ، بحسب وصف هوبز، فهو ما يسميه «الحالة الطبيعية للبشرية»، وهي حالة من العنف، وانعدام الأمن، والتهديد المستمر. وعلى وجه العموم، فإن حُجة هوبز تقول إن البديل عن وجود حكومة هو وضع لا يمكن لأي إنسان عاقل أن يرغب فيه، وأن أي محاولة لجعل الحكومة خاضعة لمساءلة الشعب لا بد أن تُضعفها، مما يؤدي إلى تهديد الوضع الحكومي ذاته، وهو ما يجب علينا جميعًا أن نتجنبه. ولذلك، فإن خيارنا العقلاني الوحيد هو سلطة سيادية لا يمكن محاسبتها من قبل رعاياها بأي شكل من الأشكال.

تُظهر فلسفة هوبز السياسية والأخلاقية نظرة قاتمة للطبيعة البشرية، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى تقديم حل عملي وواقعي لضمان الاستقرار والسلام. لقد أدرك هوبز هشاشة الإنسان، وحاول أن يضع أسسًا لنظام سياسي يمكن أن يتعامل مع هذه الهشاشة بفعالية. وعلى الرغم من أن أطروحاته لا تخلو من الجدل، فإن تأثيره العميق لا يزال قائمًا في الفكر السياسي الحديث، خصوصًا في النقاشات المتعلقة بالسلطة، والدولة، وحقوق الإنسان. إن قراءة هوبز اليوم ليست فقط عودة إلى الماضي، بل دعوة للتفكر في حاضرنا ومستقبلنا السياسي.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!