سخرية الأقدار – الجزء الأول

سخرية الأقدار – الجزء الأول

قصص واقعية مؤثرة: سخرية الأقدار – الجزء الأول

القدر

انتهى دوام عمله حوالي الثالثة بعد ظهر اليوم. بينما خرج إلى الشارع يلتفت يميناً ويساراً وهو شارد الذهن يفكر في غداء اليوم. وقع اختياره على أحد مطاعم المدينة. سار إلى هناك، ونظر إلى المطعم في الجهة المقابلة من الطريق. عند عبور الطريق كادت سيارة أن تصطدمه. سقط على الأرض من الصدمة. في حين ترجل صاحب السيارة منها واقترب منه يسأله: هل أنت بخير ؟

أجابه بلا مبالاة: نعم بخير!
تنفس صاحب السيارة الصعداء وقال له: حمداً لله على سلامتك. كان القدر رحيماً بنا.
ابتسم في سخرية وقال له: القدر!
ثم أردف: معذرة، أنا فقط لم أحذر عند عبوري الطريق.

نهض من مكانه بمساعدة صاحب السيارة، بينما نفض عن ثيابه الغبار ثم ذهب إلى وجهته. جلس يتناول طعام الغداء، وما إن انتهى حتى طلب من النادل فنجاناً من القهوة. شرع يحتسيه وهو مُنهمك في قراءة رواية تحمل اسم ” سخرية الأقدار “.

المجهول لا يعرف المزاح

كانت ترمقه بنظرات حادة تلك المرأة التي تجلس بمفردها على المائدة المقابلة له. قالت بصوت هادئ: لطالما أُعجبت بهذه الرواية….
نظر تجاه الصوت وابتسم. ثم قال لها: نعم إنها جيدة…

أشارت إليه أن تُشاركه جلسته فسمح لها بذلك. لم يعتد على هذه الجرأة من قبل. بينما بدأت حديثها معه ببعض مقتبسات من الرواية التي تحفظها عن ظهر قلب قائلة: “مِن مُنساق إلى ما أنت لاق”، “المجهول لا يعرف المزاح”….

ابتسم لها وقال ساخراً: القضاء، القدر، المكتوب، وحرية الإنسان…. أليس لي حق تقرير المصير؟!
– بالطبع لك كل الحق في اختيار مصيرك، لكن لا يسع المرء أن يُغيّر قدره.
– نحن القدر والمقدور، وما يحدث لنا هو اختياراتنا. هل أطلب لك فنجانا من القهوة؟
أجابته: لا، أشكرك… أريد أن أعود إلى المنزل قبل حلول المساء، والوقت قد تأخر بالفعل.
– أين تقطنين ؟
– في المدينة المجاورة، عدة أميال بالحافلة.

تعجب ودعاه الفضول إلى أن يسألها عن سبب مجيئها إلى هنا. فأخبرته أنها كانت تزور إحدى صديقاتها، ثم همت بالانصراف، ولكن قبل أن ترحل أمسكت بالقلم، وسجلت رقم منزلها على كتابه.

بعد مغادرتها، غادر هو الآخر المقهى. كانت الشمس تميل إلى الغروب. توقف يتأمل خيوط الشمس وهي ذابلة. سار في الطريق إلى منزله يتفكر في الحوادث التي واجهته اليوم. من حادثة السيارة ومقابلة تلك الفتاة الرائعة، وتساءل حينها عن أفعال القدر.

اقرأ أيضاً: موسم الشجن


فتاة لعوب

وصل منزله بعد حلول الليل. أحضر كأساً من الخمر ليحتسيه، وشرع يدور في أروقة المنزل جيئة وذهاباً. لا يجد ما يفعله. وقعت عيناه على الهاتف. تفكر للحظات ثم عقد العزم على الاتصال بإحدى بنات الهوى التي يعرفها، ليختلس معها لحظات من المتعة الزائفة. لكنها كانت غير متاحة هذه الليلة. أدار زر التلفاز، وقلّب في قنواته ثم ضجر فأطفأه.

جلس على أريكته، وأمسك بروايته ليُكمل قراءتها، فوقعت عيناه على رقم هاتف الفتاة التي قابلها في المطعم. أدار هاتفه بالرقم، وجاءه صوتها على الجانب الآخر: مَن المتصل؟

أجابها: إنه أنا مراد، لقد قابلتكِ في المطعم عصر هذا اليوم.
– آه، لقد تذكرت، هذا لطف منك أن تتصل بي. قل لي هل تستطيع أنت تأتيني الليلة؟

انتابته دهشة شديدة أطاحت بتلابيب عقله. ارتعش جسده من تلك الجرأة. نظر إلى الساعة فوجدها تدق الحادية عشر قبل منتصف الليل. عاد إلى هاتفه وهو يقول: الليلة!، تقصدين غداً؟!
– الآن، إنني بمفردي في المنزل، وقد فر النوم هارباً.
تلعثم وزاد ارتباكه، ثم قال سريعاً: اعطني العنوان.

اقرأ أيضاً: رسائل الغياب .. الجزء الأول ” إلى أين ذهبتِ؟”


ليلة حمراء

بعد أن منحته العنوان، شرع يتجهز ويُمنى نفسه بليلة حمراء مع هذه الفتاة اللعوب الجريئة. ارتدى ثيابه، هرع إلى محطة الحافلات. دلف إلى الحافلة وجلس على مقعده يتأمل الأشياء التي تمر عليه من النافذة. شرد بذهنه بعيداً وغاط في خيالات سعيدة مع تلك الفتاة، فلم يشعر بمرور الوقت. كان يجلس بجانبه شخص مريب. يتحرك كثيراً على مقعده، لكنه لم يعره اهتماماً حتى توقفت الحافلة عند بلدة الفتاة.

كانت تسكن في حي من الأحياء الفقيرة، وكانت بنات الهوى تنتشر كالجراد على طرقات الحي. أمام منزلها دق جرس الباب، لم يجبه أحد. عاود المحاولة تارة أخرى، ولا مجيب كذلك. تفكر قليلاً وهو مُسنداً مرفقيه على الباب فكاد أن يسقط على الأرض. لقد كان باب المنزل مفتوحاً. دار في خلده أنها ربما تركته مفتوحاً وهي بانتظاره في الداخل.

صعد إلى المنزل. جال ببصره في أنحائه. منزل متواضع. تفقد المكان في هدوء حتى وصل إلى غرفة النوم، دلفها فوجدها مُستلقية على فراشها. ظن أن النعاس قد غلبها وهي تنتظره. اقترب من الفراش أكثر في محاولة لإيقاظها بلطف، لكنها لم تستيقظ. هز جسدها بقوة أكثر، فلم تُجبه. شرع ينادي عليها، ولمّا لم يجد استجابة، رفع عنها الغطاء فلاحت له الدماء في كل مكان. جحظت عيناه من هول ما يرى، وتسمرت قدماه فلا استطاع حراكاً.


يمكنك قراءة الجزء الثاني من هنا: سخرية الأقدار – قصة قصيرة – الجزء الثاني

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك