مراجعة فيلم A Late Quartet: نوع آخر من السينما، بعيداً عن الأفلام الرائجة

You are currently viewing مراجعة فيلم A Late Quartet: نوع آخر من السينما، بعيداً عن الأفلام الرائجة
الرباعية المتأخرة

فيلم A Late Quartet هو دراما موسيقية رباعية ممتازة، مع طاقم من الممثلين يمثل الفخامة الخالصة. ورغم بساطة الفيلم في المظهر إلا إنه معقد فيما يريد أن يرويه. في هذا المقال نخوض معاً رحلة إلى موسيقى بيتهوفن الرائعة من خلال مراجعة فيلم A Late Quartet.

قصة فيلم A Late Quartet

تدور أحداث الفيلم حول أربعة من الموسيقيين الذين شكلوا رباعياً على مدى عقود من الزمن. وهم الآن أشهر موسيقيي العالم. تتكون الفرقة الرباعية المشهورة من بيتر – الذي قام بدوره كريستوفر والكن – عازف التشيللو وأكبر أعضاء المجموعة في ذات الوقت. ودانيال عازف الكمان الأول – قام بدوره مارك إيفانير – وروبرت عازف الكمان الثاني – قام بدوره فيليب سيمور هوفمان – وزوجته جولييت – التي قامت بدورها كاثرين كينر – عازفة الفيولا. تستعد هذه المجموعة الرائعة للاحتفال السنوي للموسم الجديد. وفيه سيتم عزف رباعية بيتهوفن الشهيرة مصنف 131. لكن خلال الاحتفال بالعيد الخامس والعشرين على تأسيس مجموعتهم تنقلب الأمور رأساً على عقب.

ذروة الحبكة في فيلم A Late Quartet

يشعر بيتر أن هناك بارتعاش يده خلال التدريب. فيذهب إلى طبيبته لتخبره بأنه يعاني من المراحل الأولى لمرض باركنسون[1] – الشلل الارتعاشي – لذا يخبر بيتر باقي أعضاء الفريق برغبته في التقاعد. ولسوف يبحث عن بديل له لتستمر المجموعة في عملها. لكن هذا الأمر يصيب المجموعة كلها بالحزن والآسي. ورغم هذه المأساة يرى روبرت أنها فرصة عظيمة لتبادل الأدوار مع دانيال. حيث يرغب في أن يكون عازف الكمان الأول. هذه الرغبة الأنانية تدفع الفرقة إلى التشرذم والتفرق. فنجد أن جولييت زوجة روبرت لا تدعمه في هذا الأمر، فيغضب منها. وبعد مشاجرة معها ينطلق ليمارس الجنس مع إحدى طالباته. وعندما تكتشف جولييت خيانة زوجها تنفصل عنه إلا أنها رغم الانفصال تبقى على العلاقة بينهما من أجل استمرار المجموعة الموسيقي التي ستؤدي حفلها في القريب.

على الجانب الآخر نجد أن ألكسندرا – قامت بدورها ايموجين بوتس – وهي ابنة كلا من جولييت وروبرت تحاول أن تقيم علاقة مع دانيال صديق والدها الذي يعلمها العزف، فيعرف الوالدين بشأن هذه العلاقة مما يزيد من التوتر بين الأصدقاء، لتنقسم المجموعة أكثر فأكثر. لكن رغم ذلك يحاول بيتر أن يجمع شتات المجموعة مرة أخرى من أجل أداء الحفل الأخير الذي يعتبر أنه حفل تقاعده.

في يوم الحفل يجتمع الأربعة ليشرعوا في العزف، لكن في المنتصف يتوقف بيتر عن العزف لينهض من مكانه ويخبر الجمهور الكبير الذي يستمع إليهم أنه قرر الاعتزال، وإنه لم يستطع مجاراة المجموعة في العزف، ثم يقدم لهم واحدة من أشهر العازفات لتحل مكانه في المجموعة. ثم يبدأ الجميع بالعزف.

اقرأ أيضًا: أفضل الأفلام الموسيقية في كل العصور

 مراجعة فيلم A Late Quartet

يعد فيلم A Late Quartet أحد روائع السينما التي تقدم الموسيقى على الشاشة أو على وجه التحديد حياة الموسيقيين، فعلى الرغم من أن الموسيقى هي المظهر الخارجي إلا أن هذا الفيلم يتناول الكثير من مشاعر هؤلاء المستترة. حيث يتناول الغيرة والحسد والمخاوف، هذه المشاعر التي تهدد بتدمير العلاقات التي أقيمت على مدى عقود، وهو تداخل بين الموسيقى والفن والحياة الخاصة لهؤلاء. إنها دراما عما تعنيه الشيخوخة والوحدة والخوف والمرض. فهو فيلم بسيط في مظهره إلا أنه يحمل في طياته الكثير مما يريد قوله.  

خاصة وأن السيناريو مبني جيداً ويعرف كيف ينقلنا من شخصية إلى أخرى، على الرغم من أن هوفمان في الواقع له وزن أكبر من البقية، ولكن هذا لأنه – كونه عازف الكمان الثاني – فهو الشخص الذي يوحد الجميع. إنه الجسر بين الكمان الأول والآخرين. كذلك زواجه من شخصية كاثرين كينر، وصداقته مع والكن، ومواجهته مع مارك إيفانير، وعلاقته مع ابنته. إنه جوهر الفيلم لأنه يربط الجميع بعضهم ببعض. على الرغم من وجود قصص موازية أخرى، مثل قصة والكن ومرضه، والتي تصل إلى القلب بسبب حيوية الشخصية. وقصة العلاقة بين إيفانير وألكسندرا برغم أنها القصة الأضعف والأقل تماسكاً داخل فيلم A Late Quartet.

عالم بشري وعالم سامي

يشير فيلم A Late Quartet إلى مواقف نموذجية لحالة الإنسان، أولاً وقبل كل شيء التقاعد والمواجهة، ليس فقط مع الشيخوخة ولكن مع ما يترتب على ذلك: المرض والتدهور الجسدي؛ ومن ناحية أخرى، فشل العلاقة الزوجية المستقرة والناضجة ظاهرياً والتي يجب أن تواجه قضية الخيانة الزوجية، بالإضافة إلى التهجير الشخصي، وصعوبة قبول العلاقات الجنسية التي تقيمها ابنة الزوجين مع نجم المجموعة. بينما تقودنا الموسيقى الكلاسيكية إلى عالم سامي منفصل عن الواقع، فإن أولئك الذين يؤدون هذه الموسيقي هم بشر، ويعانون من مشكلات الحياة اليومية للبشر العاديين.

إن هذا السيناريو الذي شارك في كتابته المخرج يارون زيلبرمان ومساعده سيث غروسمان يرتكز على ركيزتين أساسيتين: تقلبات العالم الحقيقي، وهي التي تعطي القصة التوتر اللازم، والركيزة الثانية هي عالم الموسيقى السامي. حيث تسعى الرباعية الوترية الديناميكية إلى تحقيق هدف تأليف الموسيقى، لكنها تشكل في الوقت نفسه نافذة على العلاقات والفضائل الإنسانية والغرور وطموحات أعضائها.

يتمتع فيلم A Late Quartet بالبساطة، وهذه البساطة تعمل لصالح الفيلم. فبمجرد أن يعلن بيتر عن نيته في التقاعد، يتلاشى في الخلفية ليشاهد المجموعة التي يحبها وهي تمزق نفسها. فكل من الأعضاء الثلاثة الآخرين يحمل قصته الخاصة. وهذا الأمر هو ما يجعل متابعة الفيلم أسهل بصورة كبيرة عما إذا كان يحمل تعقيدات كبيرة خاصة وأن الكثير من المشاهدين لا يفهمون الموسيقى الكلاسيكية. كما يمنح طاقم العمل مساحة صغيرة للتنفس وتطوير شخصياتهم.

اقرأ أيضًا: تحليل فيلم The Father: تحفة مفجعة تلمسك من الداخل

الشخصيات في فيلم A Late Quartet

يؤسس الكاتب / المخرج يارون زيلبرمان بضع موضوعات مثيرة للاهتمام ومتداخلة في وقت مبكر. فهناك الخوف من التغيير مقابل حتميته المطلقة؛ هناك أيضاً كيف يمكن أن تكون الموسيقى شيئاً حياً، وكيف يمكن للناس أن يكونوا متشابهين إلى حد كبير؟ وقد لعب الممثلون أدوراهم في الفيلم بصورة رائعة.

كريستوفر والكن

ربما يمثل دور كريستوفر والكن الحكمة في فيلم A Late Quartet، باعتباره صخرة الفرقة التي تحول دون تفرقها. وعلى الرغم من قلة الوقت الممنوح لهذه الشخصية إلا أنها كانت لها حضور عظيم، فهو شخصية محترفة تمتلك الحكمة. كما يظهر كقاص ممتاز في فصله الدراسي وعلى المسرح. إنه رائع جداً حتى في اللحظات التي لا يقول فيها أي شيء.

مارك إيفانير

يعد دور مارك إيفانير في فيلم A Late Quartet هو الدور الأكثر إثارة للاهتمام، فهو بمثابة قائد المجموعة العبقري، الواثق بنفسه المستمع بعمله. تتصف هذه الشخصية بالموضوعية والحساسية، لذا فإن علاقته بألكسندر على الرغم من عدم تماسكها، إلا أنه ساهم في منحها مذاقاً رائعاً، ربما يعد هذا الدور هو الأروع على الإطلاق.

فيليب سيمور هوفمان

الدور الأخر الذي قام به فيليب سيمور هوفمان، بصفته عازف الكمان الثاني في الرباعية، كان الأداء فيه رائعاً. فهو يعاني من المركز الثاني في المجموعة. ليس ذلك فحسب بل أيضاً يعاني من حصوله على المركز الثاني في زواجه من عازفة الفيولا في المجموعة، لذلك فإن شخصيته تعاني من الألم المستمر وخيبة الأمل والإحباط. وذلك لعدم تمكنه من تحقيق حلمه في أن يكون عازف الكمان الأول.

كاثرين كينر

أما شخصية جولييت (كاثرين كينر)، التي تؤدي دور عازفة الفيولا في الفرقة، فهي تعيش في منطقة راحة داخل المجموعة. لكن تفانيها المفرط في العمل عطل علاقتها بزوجها وولد صراعاً مع ابنتها التي تلومها على عدم وجودها معها باستمرار. لقد كانت أماً جيدة. لكن تعطي أحياناً انطباعاً بأنها شريرة عمداً. ومع ذلك فإن دورها كان رائعاً كذلك.

في النهاية، وبعد مراجعة فيلم A Late Quartet فإن هذا الفيلم الرائع هو قصة عن الروابط التي توحدنا. قصة منسوجة ومبنية بشكل جيد للغاية. رغم أن بعض القضايا مثل الخيانة الزوجية والمرض والخوف من الفشل … لم تكن بالشيء الجديد، إلا أن الممثلين … هؤلاء الممثلين يرفعون الفيلم بأكمله. نظراً لأن لديهم قصة، جيدة البناء ومثيرة للاهتمام، مما يجعل هذه الدراما رهاناً جيداً لأولئك الذين يستمتعون بنوع آخر من السينما، بعيداً عن الأفلام الرائجة.

اقرأ أيضًا: مراجعة فيلم Léon: The Professional: تجربة مشاهدة لن تنساها

هوامش

[1] مرض باركنسون هو اضطراب يصيب الجهاز العصبي للإنسان، وله تأثير واضح على الحركة. بينما المراحل الأولى لهذا المرض فتبدأ بارتعاش الأطراف وبطء الحركة، ومع تطور المرض يشعر المريض بوجود مشكلات كبيرة في السلوك والتفكير كذلك. كما يمكن أن يتسبب في إصابة المريض به بالخرف.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك