علومفن

الرسم بالذكاء الاصطناعي: إبداع حقيقي أم سرقة مقنّعة؟

لا يخفي على أحد أن الذكاء الاصطناعي أصبح موضة هذا العصر، وقد ولد فن جديد من رحم الخوارزميات والتكنولوجيا، إنه الرسم بالذكاء الاصطناعي أو التصميم بالذكاء الاصطناعي. لم تعد هناك أيادي تمسك بالفرشاة لتخرج لنا أبدع اللوحات الفنية، بل تصتف الأكواد والأرقام للألوان فتنساب على لوحات رقمية، تنبض بالحياة بلمسة سحرية. هل هو سحر جديد أم امتداد لحلم قديم؟ هل تظل الروح الفنية حاضرة حين تكون يد الفنان خفية، بينما تصاغ الخطوط والظلال وفق معادلات رياضية دقيقة؟

جئت لألحق بركب الهوس بالذكاء الاصطناعي التوليدي في عصر تتقاطع فيه الموهبة مع الآلة.. ويصبح الإبداع مشتركًا بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، حيث لا يُلغى الفن التقليدي، بل يُعاد تشكيله برؤية حديثة، تثير التساؤلات بقدر ما تفتح الأفق لآفاق غير مسبوقة. لقد قضيت الكثير من الوقت ألعب مع تقنيات الذكاء الاصطناعي وأقرأ عشرات المقالات وأشاهد عشرات الفيديوهات التحليلية حوله. ما ستقرؤونه أدناه هو خلاصة استنتاجاتي ونتائجي.

المسألة الجمالية في الرسم بالذكاء الاصطناعي

عندما يتعلق الأمر بالفن الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي، هناك معضلتان رئيسيتان: إحداهما جمالية والأخرى أخلاقية. يمكن تلخيص الأولى بالسؤال التالي: هل هذا فن؟ هذه مسألة معقدة للغاية لأنها تدفعنا للتشكيك في تعريفنا نفسه لماهية الفن وما لا يعتبر فنًا.

قيل إن أدوات أخرى في الماضي قد تم التقليل من شأنها في البداية – من الكاميرا الفوتوغرافية إلى الفوتوشوب – بحجة أن تدخل الآلة يجعل المنتج أقل “إنسانية” بنسبة 100%، وبالتالي لا يمكن اعتباره فنًا. ومع مرور الوقت، أصبح استخدام هذه الأدوات جزءً مقبولًا من العملية الإبداعية. ويفترض أن يحدث الشيء نفسه مع محركات الذكاء الاصطناعي التي تولد الصور.

لقد خضعت أشكال أخرى من الإبداع البشري للتشكيك عبر التاريخ. ولكن حتى اليوم، هناك من يجادل بأن هذا ليس فنًا، بل مجرد “تصوير توضيحي”. يقال إن الفن لا يجب أن يكون مجرد صور جميلة، بل يجب أن يسعى أيضًا للتعبير عن شيء ما، وأن يكون له خلفية نظرية وجمالية.

الإبداع بين الإنسان والآلة

الإنسان والآلة
الإبداع بين الإنسان والآلة

يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينتج رسومات جميلة، لا شك في ذلك. وفي هذه المرحلة، أصبحت بجودة عالية جدًا. صحيح أن الذكاء الاصطناعي لا يزال يرتكب بعض الأخطاء التي يمكن ملاحظتها، لكن قريبًا سيصبح من المستحيل التمييز بين العمل الاصطناعي والعمل البشري.

علاوة على ذلك، ليس كل الفنانين يدينون الذكاء الاصطناعي بالكامل. يرى البعض أنه قد يكون أداة مفيدة في عملهم. يمكنهم استخدامه لإنشاء بعض الصور ثم تعديلها، مستخدمين معارفهم ومهاراتهم الفنية لإنجاز شيء فريد وشخصي بالفعل. قيل لي إنه لا ينبغي الخوف من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الفنانين، بل ينبغي عليهم تعلم كيفية استخدامه.

إحدى النقاط التي يبدو أن كثيرًا من الناس لا يفهمونها هي كيفية عمل الذكاء الاصطناعي في توليد الصور، والإعلام لا يساعد في ذلك. نرى عناوين مثل: “هكذا يتخيل الذكاء الاصطناعي أميرات ديزني لو كنّ أشرار”.. ويتصور البعض أن شخصًا ما ببساطة قال لجهاز كمبيوتر: “مرحبًا، اصنع لي أميرات ديزني كأنهن أشرار في عالم مارفل”، فتم الأمر فورًا. لكن الحقيقة أن المستخدم يكتب سلسلة من التعليمات (المعروفة باسم الموجه أو prompt) التي يجب أن تكون مفصلة جدًا ودقيقة حتى يتمكن المحرك المعني (وهناك العديد من المحركات التي تعمل بطرق مختلفة) من إنتاج شيء قريب مما كان في ذهن المستخدم. وحتى مع ذلك، غالبًا ما يتعين على المستخدم إعادة المحاولة مرارًا وتكرارًا حتى يحصل على نتيجة مرضية.

توليد الصور بالذكاء الاصطناعي

الرسم بالذكاء الاصطناعي
توليد الصور بالذكاء الاصطناعي

عندما بدأت أجرب مولدات الصور، ظننت أن الأمر سيكون بهذه السهولة: “اصنع لي ماموث أبيض”. قيل لي إن الأمر يتطلب أكثر من ذلك، فضحكت، لكنهم كانوا على حق، وكنت مخطئًا. كتابة أوامر جيدة تتطلب معرفة، وخبرة، والكثير من التجربة والخطأ. هناك عمل فكري حقيقي في عملية توليد الصور، وغالبًا ما يتطلب ذلك استثمارًا هائلًا من “ساعات الجلوس” للوصول إلى النتيجة المرجوة.

ومع ذلك، فإن الغالبية العظمى من الصور التي تُنتَج بالذكاء الاصطناعي هي أشياء سطحية وعديمة القيمة الفنية، وليس بسبب التقنية نفسها، بل بسبب طريقة استخدامها. أعني تلك السلاسل من الصور من نوع “كيف سيكون رشدي أباظة في الوقت الحالي”. إنها مجرد صور فكاهية صنعت بروح الدعابة. الصور التي يولدها الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تكون نمطية جدًا؛ فأنماط التكوين والإضاءة متكررة إلى حد كبير. ناهيك عن أن معظم المستخدمين يوظفونها لإنتاج نفس النوع من الصور الرائجة..

لن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي بمفردها قادرة على ابتكار شيء جديد. ربما يمكن الرسم بالذكاء الاصطناعي صورة بأسلوب بابلو بيكاسو، ولكن لو لم يكن بيكاسو موجودًا أصلًا، لما تمكن الذكاء الاصطناعي من اختراع التكعيبية. أعتقد أن الأعمال المنتَجة بمساعدة الذكاء الاصطناعي لن تكتسب قيمة حقيقية إلا عندما تستخدم من قبل أشخاص لا يعرفون فقط كيف يكتبون أوامر جيدة للمحركات، بل لديهم أيضًا معرفة بنظرية الفن وتاريخه، وأفكار إبداعية جديدة. ويستخدمون الذكاء الاصطناعي كأداة ضمن عملية إبداعية متعددة المراحل.. تتضمن التحرير والتعديل والتصحيح، بنفس الطريقة التي لا تجعل التعامل مع الكاميرا أي شخص مخرجًا، فلن يجعل الرسم بالذكاء الاصطناعي أي شخص فنانًا. وينطبق الأمر ذاته على مولدات النصوص والموسيقى. علاوة على ذلك، لدي انطباع بأن معظم المدافعين المتحمسين عن فن الذكاء الاصطناعي هم أفراد متوسطو المستوى، لا يعرفون شيئًا عن الفن.

المسألة الأخلاقية في الرسم بالذكاء الاصطناعي

فلسفة الأخلاق والفن
أخلاقيات الرسم بالذكاء الاصطناعي

الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن مبرمجي هذه المحركات استخدموا أعمال مئات أو آلاف الفنانين دون إذن منهم لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم. كثيرًا ما طلبت أثناء اللعب بهذه الأدوات أن تحاكي أسلوب فنان معين لا يزال على قيد الحياة، وكانت النتيجة مذهلة. هذا، في رأيي، سرقة فنية.

حاول بعض الأشخاص مقارنة هذا النوع من السرقة بتجربة التأثر الفني التي يمر بها البشر. فإذا كان بإمكان فنان مبتدئ أن يعجب بأسلوب فنان آخر ويبذل جهدًا لإتقانه دون أن يعتبر ذلك سرقة، فلماذا يعتبر ما يفعله الذكاء الاصطناعي سرقة؟ هذا الطرح إما ساذج جدًا أو غير نزيه تمامًا.

عندما يتأثر فنان بعمل فنان آخر، يكون ذلك من خلال ذاتية الإنسان، حيث يفسر الفن من خلال تجاربه وشخصيته. شيء ما في أسلوب الفنان الملهم أيقظ مشاعره كفرد، وجعله يقول: “أنا أعشق هذا، وأتمنى أن أخلق شيئًا مماثلًا”. وعندما يستلهم الفنان المبتدئ من هذا الفن، فإنه يبدع من خلال فرديته الخاصة، مما يجعل عمله فريدًا، لأنه إنسان فريد.

أما الذكاء الاصطناعي، فلا “يتأثر”، بل يتعلم التعرف على الأنماط وإعادة إنتاجها بطريقة ميكانيكية. صحيح أن العملية أكثر تعقيدًا من مجرد قص ولصق، لكنها أقرب إلى ذلك من كونها عملية إبداعية بشرية. لا يمتلك الذكاء الاصطناعي ذاتية، ولا تفضيلات، ولا شخصية، بل ليس حتى واعيًا بما يفعله. وفوق ذلك، فإن هذا التبرير مراوغ لأنه يعتمد على ازدواجية المعايير. عندما يريد مؤيدو الذكاء الاصطناعي أن يُعترفون به كفن، يزعمون أن الذكاء الاصطناعي مجرد أداة. ولكن عندما يريدون تبرير استيلائه على أعمال الآخرين، يقولون إن الذكاء الاصطناعي يتعلم ويتأثر مثل أي فنان آخر. يا له من هراء!

ديمقراطية الفن أم وهم آخر؟

ديمقراطية الفن
ماذا عن ديمقراطية الفن؟

هناك أيضًا الحجة القائلة بأن الذكاء الاصطناعي يجعل الفن ديمقراطيًا، لكنها تعتمد على نفس الازدواجية. هل هو شيء يستطيع أي شخص القيام به، أم أنه مهارة تحتاج إلى إتقان ويجب أن تُدفع مقابلها؟ الآن تُقدم دورات متخصصة في إنشاء الصور باستخدام الذكاء الاصطناعي. حيث يتم تدريب محترفين يمكنهم جني المال من ذلك. ومرة أخرى، يتم بناء الحواجز بين الاستخدام الاحترافي والاستخدام العادي. وهو أمر طبيعي في أي نشاط بشري، لكنه يتناقض مع فكرة “ديمقراطية الفن”.

قرأت تعليقًا في مكان ما يقول: “الديمقراطية الحقيقية للفن تعني أن يحصل الجميع على فرصة الوصول إلى التعليم والأدوات والوقت اللازم لتعلمه وممارسته، وليس أن تصبح هذه الأشياء غير ضرورية”. ولكن هذا أمر يكاد يكون مستحيلًا في ظل النموذج الاقتصادي الحالي.

الحاجة إلى تنظيم عاجل

هذا المجال بحاجة ماسة إلى تنظيم، وبسرعة. أول خطوة إيجابية هي منع تسجيل حقوق الملكية الفكرية للصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، لأن ذلك قد يردع الشركات الكبرى عن استغلالها. وربما يجب أن يتم السماح بتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي فقط على الأعمال الموجودة في المجال العام أو تلك التي دفعوا لأصحابها مقابل استخدامها، ولكن تطبيق هذا الإجراء يبدو صعبًا للغاية.

العمل التعاوني والأرباح الخاصة

الرسم بالذكاء الاصطناعي
التربح من الرسم بالذكاء الاصطناعي

لا أعتقد أن كل استخدام الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي غير مشروع. أنا أنتمي إلى جيل نشأ على فكرة أن كل ما هو موجود على الإنترنت متاح ليستخدمه أي شخص كجزء من حوار جماعي مفتوح. أعني، لا نرى عادةً مشكلة في أخذ صورة أنشأها شخص آخر (حتى لو كانت صورة فوتوغرافية لمشاهير) واستخدامها كخلفية لشاشاتنا، أو كصورة ملف شخصي على وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى لتوضيح مقال في مدونة. هناك أيضًا كميات هائلة من الفن المأخوذ من شخصيات خاضعة للملكية الفكرية، ومع ذلك لا يعتبر ذلك سرقة في العادة.

ما يعد خطأً أخلاقيًا هو استغلال هذه الصور لتحقيق ربح بطريقة ما. على سبيل المثال، لدي مجلد ضخم مليء بصور اللوحات الفنية قمت بتنزيلها من جوجل، وليس هناك أي خطأ في ذلك، ولكن سيكون غير أخلاقي لو قمت بطباعتها وبيعها على شكل ملصقات لأنني بذلك أحقق ربحًا من عمل شخص آخر.

ما الفرق بين الاستخدام العادي والاستخدام غير الأخلاقي؟

الفرق الرئيسي هو أن محركات الذكاء الاصطناعي هذه ليست مملوكة لمجتمع من الأفراد الذين ينتجون المحتوى ويتشاركونه بحرية، بل تملكها شركات احتكارية ضخمة. إنها كيانات محدودة هي التي تحقق الأرباح الكبرى من هذا التقدم التكنولوجي، وليس المجتمع ككل. والأسوأ من ذلك، أن هذه الشركات تعتمد على استغلال آلاف العمال ذوي الأجور المتدنية كما تم توثيقه في عدة مصادر.

لذلك، لا أجد مشكلة في أن الناس تستخدم الذكاء الاصطناعي للتجربة واللعب. ولكن ما أعتبره غير أخلاقي هو محاولة تحقيق الربح منه بما في ذلك الفوز بالمسابقات الفنية باستخدامه. وبنفس المنطق، أرى أنه غير أخلاقي أن تطلب الشركات رسومًا لاستخدام محركات الذكاء الاصطناعي، لأنها في النهاية تبني أرباحها على أعمال الفنانين وعلى استغلال المهندسين والتقنيين. لو تم إتاحة هذه التقنية بحرية لخدمة الجميع، لكان الوضع مختلفًا تمامًا.

مشكلة أزلية: الربح على حساب الإنسان

هذه المسألة ليست جديدة؛ فهي اللعنة الأزلية التي رافقت كل تقدم تكنولوجي منذ الثورة الصناعية الأولى. كان من المفترض أن تساعد الآلات البشر، أن تزيد من قدراتنا، أن تحررنا من المهام الشاقة والمجهدة. ولكن ما حدث بدلاً من ذلك هو أن فوائد هذه التكنولوجيا لم توزع على المجتمع، بل استأثر بها أصحاب رأس المال، بل والأدهى، بدلاً من تخفيف أعباء البشر، تم استعبادهم لجعل الآلات تعمل!

في الوقت الحالي، لا أعتقد أن الذكاء الاصطناعي وصل إلى مرحلة الاستغناء عن العامل البشري، سواء كان فنانًا أو كاتبًا أو سائقًا أو تقنيًا أو مدرسًا. ولكن الشركات التكنولوجية تحاول بيع الوهم الرأسمالي بأن ذلك ممكن. هم يروجون لفكرة أنه باشتراك شهري بسيط، يمكن لأي شركة التخلص من موظفيها في قسم معين وتوفير التكاليف. والمشكلة أن كثيرًا من “رجال الأعمال” الحمقى سيقعون في هذا الفخ.. وسيسرعون إلى تسريح الموظفين الحقيقيين ثم إنتاج محتوى رديء الجودة.

بعد قراءة ومشاهدة وسماع الكثير عن هذه المواضيع، أعتقد أن الخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي يكمن في الطريقة التي تروج بها الشركات له. في الواقع، لا ينبغي حتى أن نطلق عليه اسم “ذكاء اصطناعي”، لأنه بعيد كل البعد عن العمل كذكاء حقيقي؛ تمامًا كما أن الكمبيوتر الذي يلعب الشطرنج بعيد عن أن يكون إنسانًا كاملًا مثل غاري كاسباروف. في النهاية، هي مجرد خوارزميات معقدة للغاية.

وهم الوعي الحقيقي

أخطاء التكنولوجيا
مخاطر التكنولوجيا

تبيع شركات التكنولوجيا فكرة أن الآلات على وشك اكتساب وعي حقيقي.. والمليونيرات الذين وقعوا على الرسالة الشهيرة لـ”إيقاف” أبحاث الذكاء الاصطناعي يفترضون أننا على وشك مواجهة “سكاي نت”. لكن كل ذلك ليس سوى جزء من حملتهم التسويقية. الخطر الحقيقي ليس أن تتحول أجهزة الكمبيوتر إلى كيانات خارقة وشريرة، بل في المبالغة في تقدير إمكانياتها والترويج لفكرتها كأمر حتمي.

من الوعود بسيارات ذاتية القيادة، إلى تطبيقات العلاج النفسي التي يزعم أنها يمكن أن تحل محل المتخصصين في الصحة العقلية، مرورًا بفكرة الموضوعية والمعرفة المطلقة لـChatGPT، فإن هذه التقنيات مليئة بالأخطاء، مما يؤدي إلى الحوادث والمعلومات المضللة. كما أن قيام الشركات بطرد الفرق المسؤولة عن مراقبة القضايا الأخلاقية في تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي ليس مؤشرًا جيدًا.

كذلك، فإن الخطاب الذي يصور هذه التطورات التكنولوجية على أنها حتمية وجزء من التقدم البشري الطبيعي هو خطاب مضلل وخبيث. فخلف كل تطور علمي هناك أشخاص يقررون كيف سيتم استثمار الوقت والموارد.. وفي هذه الحالة، هم مجموعة من الأثرياء البيض في وادي السيليكون، الذين قرروا لسبب ما أن ما يحتاجه العالم هو محاكاة رديئة لأفكار مستوحاة من الخيال العلمي. والأسوأ أنهم حتى لم يفهموا الخيال العلمي بشكل صحيح. فهم يسعون فقط لتحويل بعض الأدوات التي تعجبهم إلى حقيقة، دون الالتفات إلى الأبعاد الأخلاقية والفلسفية والاجتماعية التي تناولتها تلك الأعمال. لماذا، في ظل كل الاحتياجات الإنسانية التي لم تُلبَّ بعد، يقررون اختراع شيء يهدف إلى إلغاء بعض الأنشطة الإبداعية التي نستمتع بها والتي تمنح حياتنا معنى؟

مشاكل الرسم الذكاء الاصطناعي

الرسم بالذكاء الاصطناعي
مشكلات الذكاء الاصطناعي

بعد الكثير من التجارب، تعلمت الكثير عن الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مدى اعتماده على القوالب النمطية. إحدى المشكلات الواضحة هي أنه يحمل تحيزات عنصرية وجندرية وأورومركزية. إذا طلبت منه صورة لامرأة، فسيعطيك بشكل افتراضي شابة بيضاء ذات قوام نموذجي؛ لست بحاجة حتى لذكر حجم معين للصدر أو الوركين، لأن هذه هي النتيجة الافتراضية. وإذا طلبت شخصية عربية أو هندية، فسيعطيك شخصًا يرتدي الملابس التقليدية، ولكن بلون بشرة فاتح؛ يجب عليك تحديد “بشرة داكنة” للحصول على تمثيل دقيق. ناهيك عن الصعوبات في توليد مبانٍ أو مناظر طبيعية أو تحف من ثقافات غير أوروبية. إذا طلبت معبدًا يونانيًا قديمًا أو كاتدرائية قوطية، فسيؤدي المهمة بسهولة. لكن إن طلبت منه زقورة سومرية، فسيصاب بالارتباك تمامًا.

ينطبق الأمر نفسه على النصوص التي يولدها ChatGPT، والتي تتبع جميعها نفس البنية والأسلوب إلى حد كبير. صحيح أن لديه آليات أمان لمنع إنتاج نصوص تحريضية أو تمييزية (وهو ما جعل البعض يتهمه بأنه “واعي زائفًا” أو منحاز سياسيًا).. وهذا أفضل من الإصدارات السابقة التي كانت تكرر الدعاية العنصرية بلا تصفية. على سبيل المثال، طلبت منه كتابة مقال ينكر تغير المناخ، لكنه رفض. ومع ذلك، لا يعني هذا أنه لا يحمل تحيزات أخرى أو أنه لا ينشر معلومات غير دقيقة بسهولة. وهذا هو الخطر في اعتباره نوعًا من “الذكاء الخارق” القادر على تقديم معلومات موضوعية تمامًا أو آراء تتجاوز حدود الخطأ البشري.

أرى أن هناك إمكانات كبيرة في الذكاء الاصطناعي، لكن نجاحه سيظل يعتمد، كما هو الحال دائمًا، على الموهبة البشرية والعمل والإبداع.

وائل الشيمي

كاتب وأديب بدأ مسيرته الأكاديمية في مجال الصحافة، حيث حصل على بكالريوس في هذا المجال، وقاده شغفه بالإنسانية إلى دراسة علم النفس والفلسفة، وقد ساعدته دراسته وقراءاته في فهم أبعاد الشخصية البشرية وتعقيداتها. في روايته "الأجنحة السوداء" صور قضايا الوجود والتحديات النفسية التي يواجهها الإنسان في رحلة بحثه عن الإله، في سياق سردي مشوق يحمل في طياته تأملات فلسفية حول الحياة والموت، الحرية والقيود. كما أطلق في مجموعته القصصية "علامات لا تُمحى" مجموعة من القصص التي تتناول الجوانب المظلمة من التجربة البشرية، تاركاً آثارًا لا تُمحى في ذهن القارئ. إلى جانب أعماله الروائية والقصصية، ساهم الكاتب بالعديد من المقالات النقدية والحوارات الفكرية في الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية، حيث شكلت كتاباته مساحة للتفكير والتحليل حول قضايا ثقافية واجتماعية معاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى

دعمك يهمنا ❤️

نحن نعمل بجد لتقديم محتوى مجاني ومفيد لك. هل يمكننا الاعتماد على دعمك بتعطيل مانع الإعلانات؟ شكرًا مقدمًا!