القول الفصل في مسألة عذاب القبر
حقيقة وجود عذاب القبر ونعيمه

القول الفصل في مسألة عذاب القبر

عذاب القبر مسألة ظلت شاغلة فكر المسلمين منذ البدايات الأولى لرسالة الإسلام، ولطالما آمنت الغالبية العظمى من المسلمين بوجوده. في حين أن عذاب القبر في القرآن لم يذكر صراحةً. أما بالنسبة لمسألة ماذا يحدث بعد الموت، وملائكة الحساب منكر ونكير فهي من الغيبيات التي لا يعلمها إلا الله. في هذا المقال نتناول بالشرح والتحليل لفكرة حقيقة وجود عذاب القبر كاملة، حتى يستنى لنا معرفة حقيقة وجود عذاب القبر.

الفراعنة وبني إسرائيل

عذاب القبر
صورة رمزية لانشقاق البحر لنبي الله موسى

استطاع الإنسان منذ بداية وجوده على هذه الأرض أن يصنع حضارات عظيمة قوية بما أنعم الله عليه من عقل، ومن هذه الحضارات كانت الحضارة الفرعونية القديمة. لنعود إلى البدايات كي نستطيع أن نرى الصورة كاملة وواضحة.

نقلت إلينا البرديات المُكتشفة بعضاً من سمات وخصائص الحضارة المصرية العظيمة. كما أفادتنا بعض الكتابات المرسومة على جدران المعابد بما كان يحدث في ذلك العصر الغابر من الزمان. لكن ما نود التركيز عليه هنا هي تلك الفترة التي تواجد فيها بني إسرائيل تحت حكم تلك الحضارة في عصر نبي الله موسى. فعلى الرغم من معرفتنا الضئيلة نوعاً ما بالحضارة الفرعونية فيما يخص وجود بني إسرائيل من عدمه. إلا أننا لن نستخدم سوى مرجع وحيد هو القرآن الكريم.

عاش بني إسرائيل تحت وطأة فرعون مصر. كانت المعتقدات السائدة في مصر القديمة تقوم على عدة أفكار تختص بماذا يحدث بعد الموت، وكذلك عبادة العديد من الإلهة، وكان المصريون يصنعون تماثيلاً وأصناماً لتلك الآلهة كي توضع في المعابد والأسواق والبيوت. لم يكن الأمر يقتصر على المصريين فحسب، بل كان هذا الأمر دأب شعوب العالم حينها إلا من رحم ربي.

موسى وبني إسرائيل

جاء موسى يطلب من فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل الذين عاشوا فترة طويلة تحت حكم الاستبداد. تلك الفترة ساهمت في تأثر اليهود بالحياة الدينية المصرية القديمة.
رفض فرعون طلب موسى حتى بعد أن رأى الآيات البينات التي منحها الله لنبيه. أمر الله موسى واليهود بالخروج من مصر، ولما تجاوز موسى ببني إسرائيل البحر أغرق الله فرعون وجنوده.
إلى هنا تنتهي قصة الفرعون وقومه، ومن هنا تبدأ قصتنا.
بعد أن تجاوز موسى بهم البحر شاهد بني إسرائيل بعض المصريين العاكفين على إلههم. وهذا الإله كان العجل أبيس المقدس.
يقول الله تعالى في قرآنه الكريم

﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾. الأعراف 138.

وبعد أن تركهم موسى ليذهب إلى لقائه ربه صنع لهم السامري من حليهم عجلاً ليعبدوه. يقول تعالى

﴿ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ﴾. الأعراف 148.

من هذه القصة نجد أن اليهود قد تأثروا بأفكار الحضارة المصرية القديمة، وبخاصةً مسألة ماذا يحدث بعد الموت، ومنها جاءت الخرافات والأساطير التي كانت تؤمن بها الشعوب القديمة، وحفظها اليهود فيما بعد، بل وتناقلوها عبر الأجيال. لكن ما علاقة كل ذلك بموضوع حقيقة وجود عذاب القبر في القرآن. هذا ما سنتعرف عليه بعد ذلك.

“اقرأ أيضاً: حقيقة السحر في القرآن الكريم


أحاديث عذاب القبر

عذاب القبر
عذاب القبر في صحيح البخاري ومسلم

إننا نتحدث عن حقيقة وجود عذاب القبر في القرآن. ولم يذكر القرآن شيئاً بخصوص هذا الأمر. لكن جل ما ذكر بشأن هذا الموضوع كان من خلال الأحاديث التي تمت نسبتها إلى الرسول، ولنستعرض بعضاً منها:

أحاديث النبي عن عذاب القبر

  • حَدَّثَنَا زهَيْر بْن حَرْبٍ وَإِسْحَق بْن إِبْرَاهِيمَ كِلَاهمَا عَنْ جَرِيرٍ قَالَ زهَيْرٌ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْروقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عجزِ يَهودِ الْمَدِينَةِ فَقَالَتَا إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يعَذَّبُونَ فِي قبورِهِمْ قَالَتْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أصَدِّقَهمَا فَخَرَجَتَا وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقلْت لَه يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عجزِ يَهودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقبورِ يعَذَّبونَ فِي قبورِهِمْ فَقَالَ صَدَقَتَا إِنَّهُمْ يعَذَّبونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ قَالَتْ فَمَا رَأَيته بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَفِيهِ قَالَتْ وَمَا صَلَّى صَلَاةً بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا سَمِعْتُهُ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ…. صحيح مُسلم 922 

  • حَدَّثَنَا هَارون بْن سَعِيدٍ وَحَرْمَلَة بْن يَحْيَى قَالَ هَارون حَدَّثَنَا وَقَالَ حَرْمَلَة أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يونسُ بْن يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي عرْوَةُ بْن الزّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ الْيَهودِ وَهِيَ تَقول هَلْ شَعَرْتِ أَنَّكمْ تفْتَنونَ فِي الْقبورِ قَالَتْ فَارْتَاعَ رَسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ إِنَّمَا تفْتَن يَهود قَالَتْ عَائِشَةُ فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ ثمَّ قَالَ رَسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ شَعَرْتِ أَنَّه أوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تفْتنونَ فِي الْقبورِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ…. صحيح مُسلم 920

  • حَدَّثَنَا عثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْروقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجوزَانِ مِنْ عجُزِ يَهودِ الْمَدِينَةِ فَقَالَتَا لِي إِنَّ أَهْلَ الْقبورِ يعَذَّبونَ فِي قبورِهِمْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أنْعِمْ أَنْ أصَدِّقَهمَا فَخَرَجَتَا وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقلْتُ لَهُ يَا رَسولَ اللَّهِ إِنَّ عَجوزَيْنِ وَذَكَرْت لَهُ فَقَالَ صَدَقَتَا إِنَّهُمْ يعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كلُّهَا فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ… صحيح البخاري 5889 

الشرح

هذا غيض من فيض، فالأحاديث التي تتحدث عن حقيقة وجود عذاب القبر كثيرة. لكن ما يسترعنا هنا هو اليهود، فمن الجلي أن اليهود كانوا يعتقدون بمثل هذه الأمور التي تتحدث عن عذاب القبر ولم تسمع بها السيدة عائشة، بل والرسول نفسه. فما كان من الرسول إلا أن تعوذ بالله من عذاب القبر بعد ذكر السيدة اليهودية له. فهل هذا منطقي؟ وهل هذا الأمر يتقبله العقل؟

الأمر الثاني هو كيف يسمع الموتى؟ والله تعالى قال في كتابه الكريم

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. فاطر 22

ويقول أيضاً

﴿ فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾. النمل 80

الأمور الغيبية في السنة

أما بخصوص الحديث التالي الذي ينسب إلى رسول الله والذي يقول:

” حَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ مجَاهِدٍ عَنْ طَاوسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيعَذَّبَانِ وَمَا يعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِر مِنْ الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَر فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ فَغَرَزَ فِي كلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً قَالوا يَا رَسولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ لَعَلَّهُ يخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا وَقَالَ محَمَّدُ بْن الْمثَنَّى وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ مجَاهِدًا مِثْلَهُ يَسْتَتِر مِنْ بَوْلِهِ” صحيح البخاري 311

وبما أن ماذا يحدث بعد الموت يعد من الغيبيات التي يختص بها الله تعالى. فكيف للرسول أن يعلم بها. يستشهد البعض بالآية التي تقول

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. آل عمران 179

أو الآية التي تقول

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. الجن 26/27

نعم الله لا يطلع أحداً على غيبه إلا من ارتضى من رسول، وقد أعلمنا الله بعض الرسل الذي أطلعهم على غيبه. لكن البعض الآخر لم يعلم الغيب. فمَن هم الأنبياء أو الرسل الذي أراد الله اطلاعهم على الغيب؟

الأنبياء والغيب

نجد أن هناك النبي يوسف الذي أطلعه الله على بعض الغيوب من خلال تأويل الأحلام، وكان هذا الأمر من دلائل نبوته. أما النبي الأخر كان عيسى بن مريم، وهذا الأمر كذلك من دلائل نبوته. فهل كان النبي محمد من أولئك الأنبياء الذين اطلعهم الله على بعض غيبه؟ لنرى ما يقوله القرآن بشأن هذا الأمر

﴿ وَلَا أَقولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾. الأنعام 50

كما كان يقول الله تعالى لرسوله حينما تم سؤاله عن الساعة

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾. الأعراف 187

لنرى قول الله فيم أنت من ذكراها. فهو لا يعلمها، وكذلك قوله يسألونك كأنك حفي عنها.

وقد قال الرسول أيضاً

﴿ قلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يؤْمِنُونَ ﴾. الأعراف 188

ولم يكن الرسول بدعاً من الرسل الذين لم يُطلعهم الله على بعض غيبه، بل قالها قبله نوح

﴿ قلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يوحَى إِلَيَّ قلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾. الأنعام 50


منكر ونكير الملائكة المسؤولة عن عذاب القبر

ماذا يحدث بعد الموت
منكر ونكير والثعبان الأقرع

حديث الرسول عن منكر ونكير

أما بخصوص حديث الملاكين منكر ونكير في القبر الذي أخرجه الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: 

“إذَا قبِرَ الْمَيّتُ – أوْ قالَ أَحَدُكُمْ – أتَاهُ مَلَكانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ. يقَالُ لأحَدِهِما الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النّكيرُ. فَيَقولاَنِ: مَا كنْتَ تَقولُ في هذَا الرّجُلِ؟ فَيَقولُ مَا كانَ يَقولُ: هُوَ عَبْد الله وَرَسُوله. أَشْهَد أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَأَنّ محَمّداً عَبْده وَرَسُوله. فَيَقولاَنِ: قَدْ كنّا نَعْلَم أَنّكَ تَقول هذَا. ثمّ يفْسَح لَه في قَبْرِهِ سبْعونَ ذرَاعاً في سَبْعِينَ. ثُمّ ينَورُ لَهُ فِيهِ. ثُمّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ. فَيَقول أَرْجِع إِلَى أَهْلِي فأخْبِرهمْ؟ فَيَقولاَنِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَروس الّذِي لاَ يوقِظه إلا أَحَبّ أَهْلِهِ إلَيْهِ، حَتّى يَبْعَثَه الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِك. وَإِنْ كانَ منَافِقاً قالَ: سَمِعْتُ النّاسَ يَقُولُونَ فَقلْتُ مِثْلَهُ. لاَ أدْرِي. فيَقُولاَنِ: قَدْ كنّا نَعْلَم أنّكَ تَقول ذلِكَ. فيقَالُ لِلأرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ. فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ. فَتَخْتَلِفُ فيها أضْلاَعُهُ. فَلاَ يَزَالُ فِيهَا معَذّباً حتّى يَبْعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلِكَ”. وقد صححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة.

الشرح

لننظر إلى هذا الحديث ونتأمل فيه ملياً. أما الأمر الأول الذي سنتحدث عنه هو تسمية الملاكين ” منكر ونكير”. إن الله سبحانه وتعالى لم يذكر في القرآن أسماء للملائكة سوى جبريل وميكال. فمن أين جاء تسمية الملاكين بمنكر ونكير تلك المسميات المشينة لملائكة الله؟ ولماذا هذه المسميات بالذات إلا إذا كانت من قبيل الإرهاب والتخويف؟

أما الأمر الثاني وهذا هو المهم. ماذا عن البعض الذين لم يعرفوا الإسلام؟ فهل سيصيبهم عذاب القبر الأبدي. ومن ثم يوم الحساب يتجرعون مرارة العذاب مرة أخرى؟ وماذا عن قول الله تعالى في كتابه الكريم 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا همْ يَحْزَنُونَ﴾. البقرة 62


الموت والزمن

عذاب القبر
فكرة الموت والزمن وعلاقتها بعذاب القبر

يحيا الإنسان في هذه الحياة في ظل قوانين الزمان والمكان. تلك القوانين التي من العسير جداً على أي إنسان أن يتخيل غيرها. فلا يستطع التصور مثلاً عدم وجود زمن، والأبدية بالنسبة إليه هي الزمن الممتد. ففكرة عدم وجود الزمان لا يستسيغها عقله القاصر. وماذا يحدث بعد الموت هو خروجه من إطار الزمان والمكان إلى اللازمان، وهنا يتوقف الزمن به.

أمثال من القرآن

هذا الأمر قد أشار القرآن إليه غير ذات مرة حينما قال عن الرجل الذي أماته الله مائة عام ثم أحياه

﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ ننْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَم أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. البقرة 259

إذن هذا الرجل الذي أماته الله مائة عام حينما بُعث من جديد. تم سؤاله عن المدة أو الزمن فقال إنه ما لبث سوى يوماً أو بعض يوم.

وقد حدث ذلك مع أهل الكهف أيضاً فحينما بعثهم الله من موتهم لم يعلموا أنهم كانوا في الكهف قرابة الثلاثة قرون. بل قالوا كذلك لبثنا يوماً أو بعض يوم. هذا بالنسبة لأهل الإيمان، أما بالنسبة لأهل الكفر فقال الله عنهم

﴿ وَيَوْمَ تَقوم السَّاعَة يقْسِم الْمجْرِمونَ مَا لَبِثوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانوا يؤْفَكونَ﴾. الروم 55

من هنا نعلم أن الزمن في هذه الحياة غير ذات الزمن بعد الموت، مع العلم أن ماذا يحدث بعد الموت هي من قضايا الغيبيات.

لننظر للقضية بشكل مغاير. فإذا كان هناك عذاباً في القبر بالفعل، والزمان فيه كزمان الحياة لدينا. لنتصور أن أحد عتاة المجرمين كفرعون الذي أغرقه الله في البحر مازال يعذب في قبره منذ موته وحتى وقتنا الحالي، وأن أحد عتاة المجرمين في عصرنا الحالي قد مات البارحة وهو يعذب في قبره الآن.
لنفترض أن القيامة سوف تقوم غداً، ولننظر فنجد أن الشخصيتين قد ارتكبتا نفس الإثم، ومع ذلك نالت أحدهما عذاباً أطول من الأخرى حيث تعذب فرعون لألاف السنوات. أما الأخر لم يعذب في قبره سوى ليوم واحد. فهل هذا من عدل الله؟

“اقرأ أيضاً: ماذا بعد الموت


عذاب القبر في القرآن

ماذا يحدث بعد الموت
حقيقة عذاب القبر في القرآن

في البداية لابد أن نوضح أن عذاب القبر في القرآن لم يذكر مطلقاً في أية واحدة من آياته. لكن هناك بعض الآيات التي يمكن أن نستنبط منها هذا المفهوم، وهذا ما استخدمه مؤيدي فكرة عذاب القبر ومنكريه. بعيداً عن الاستشهاد بالأحاديث المنسوبة للرسول.

آيات البعث في القرآن

فلننظر سوياً إلى هذه الآية التي تقول

﴿ وَنفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا همْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾. يس 51/52

هنا يصحو الأموات من قبورهم على المفاجأة بأمر القيامة. ليعلموا أن المرسلين قد صدقوهم القول. فلو كان هناك عذاب في القبر لعلموا صدق المرسلين قبل البعث. إذن ليس هناك عذاب القبر في القرآن.

أما بالنسبة للآية التي تقول

﴿ النَّارُ يعْرَضُونَ عَلَيْهَا غدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. غافر 46

ففي هذه الآية وطبقاً لحديثنا عن الموت والزمن، فإنه ينتفي وجود عذاب القبر في القرآن. حيث أن الآية تذكر أن النار يعرضون عليها غدواً وعشياً، وبما أن الغدو والعشي مواقيت فهي تدخل ضمن إطار الحياة الدنيا.

وهذه الآية تختص بقوم فرعون. أما العرض في هذه الآية فمن الواضح أنه ليس العذاب. حيث أن العرض على النار ليس العذاب فيها. كما لم تذكر هذه الآية أي شيء عن القبر، ويحتمل أن يكون العذاب الذي يناله فرعون وجنوده في الحياة ما هو إلا عذاب نفسي، وليس عذاب القبر.

آية الأعراب

وفي الآية التي تقول

﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ منَافِقونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمهمْ نَحْن نَعْلَمهمْ سنعَذِّبهمْ مَرَّتَيْنِ ثمَّ يرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾. التوبة 101

هذه الآية هي الأخرى لا تتعلق بحقيقة وجود عذاب القبر من قريب أو بعيد. بل هي تدل على تنوع العذاب في الدنيا بدليل نهاية الآية ” ثم يردون إلى عذاب عظيم ” وهو عذاب الآخرة. لكن ما هو الدليل أن هذا العذاب هو في الدنيا وليس الآخرة؟

أقول لكم لنتأمل في آية أخرى

﴿ وَلَنذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. السجدة 21

هنا تم ذكر العذاب كذلك. لكن في نهاية الآية يقول الله تعالى ” لعلهم يرجعون”. فمتى يرجعون في الدنيا أم الآخرة؟ لابد أن يكون الرجوع عن أفعالهم في الدنيا. لذا فإن العذاب حادث لا محالة في الدنيا.

“اقرأ أيضاً: قبر


البرزخ في القرآن

ذكرت كلمة البرزخ في القرآن في عدة مواقع لا تعني في جميع مواقعها إلا بمعنى الحاجز. يقول الله

﴿ وَهوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ﴾. الفرقان 53

﴿ مَرَجَ البَحرَينِ يَلتقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾. الرحمن20

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهم الْمَوْت قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْت كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَة هوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يبْعَثُونَ ﴾. المؤمنون 99/100

وتعني البرزخ هنا كذلك الحاجز الفاصل بين الموت والنشور. هذا الحاجز الذي تنعدم فيه قوانين الزمان والمكان. فلو أراد الله أن يكون هناك عذاباً للقبر لقال ومن ورائهم عذاب قبر إلى يوم يبعثون. لذا فهذه الآية ليست لها أية علاقة كذلك بفكرة عذاب القبر في القرآن، وماذا يحدث بعد الموت.


كلمة أخيرة

في نهاية حديثنا نود أن نوضح أن الدين الإسلامي يخلو تمام من ذلك التصور الميثولوجي. كما لم يتحدث مطلقاً بشأن حقيقة وجود عذاب القبر، ولم يذكر ما يحدث في تلك الفترة التي تقع بين الموت والبعث مجدداً، وماذا يحدث بعد الموت هو أن الإنسان يتخلص من إحساسه بالزمان والمكان. أما جسد الإنسان فيُبلى ونفسه تموت كما الجسد بالضبط. حيث يقول الله تعالى ” كل نفس ذائقة الموت” فهي مثل الجسد تفنى. أما الروح فهي نفخة الإله الباقية التي لا تموت.

وإذا كانت مسألة عذاب القبر ونعيمه ليس لها وجود في دين الإسلامي. نجد أن هذا يتوافق مع عدل الله الكلي بل ورحمته الواسعة بالبشر.

حان الآن لنتخلى عن تلك الأفكار الأسطورية التي تمتلئ بها كتب التراث والتي يستخدمها البعض لإثارة الفزع والخوف من أجل السيطرة على عقول المسلمين.

كذلك يجب علينا التخلي عن تلك الأحاديث المنسوبة لرسول الله. تلك الاحاديث المشهورة وليست المتواترة. أما القول بالإجماع فليس هنالك بدعة أشد سوءً من هذا القول. فالقول بالإجماع يكاد يكون مستحيل. كما أنه ليس من العلم في شيء، أو كما قال ابن حنبل ” من ادعى الإجماع فقد كذب”.


إن حقيقة وجود عذاب القبر، وماذا يحدث بعد الموت هي افكار خيالية متصورة، ولقد آن الأوان للمسلمين أن يتخلصوا من أسر الخرافات القائمة على الخوف والترهيب وكراهية الموت. فليس ثمة طريق أمام المسلمين لكي يصبحوا أحراراً إلا أن يقتحموا عقبة تحرير ذواتهم من إصر الماضي وأغلاله ليغدو قيومين على واقعهم بدون وعي مزيف وتناقضات مشينة.

وائل الشيمي

كاتب وأديب مصري

اترك رد