قصة هزلية قصيرة: الموتى يطلبون القهوة أيضًا
قصة هزلية قصيرة تكشف بأسلوب ساخر مواقف إنسانية طريفة تحمل بين سطورها معاني عميقة عن الواقع والحياة. في هذه القصة الساخرة نرى كيف يمكن للفكاهة أن تتحول إلى مرآة تعكس تصرفات البشر، وتكشف التناقض بين ما نقوله وما نفعله، في قالب بسيط وممتع يلامس القارئ.
تندرج هذه الحكاية ضمن القصص القصيرة الساخرة التي تستخدم الكوميديا لتقديم نقد خفيف للواقع، حيث تمتزج المفارقة بالبساطة لتصنع ابتسامة تحمل خلفها معنى. ورغم طابعها الكوميدي، تحمل هذه القصة القصيرة الساخرة رسالة خفية عن سلوك الإنسان حين يواجه مواقف غير متوقعة.
تدب الرطوبة في جدران الفندق المتهالك، تزحف بين الشقوق، وتتنفس مع أنين الخشب القديم. تتراقص أضواء المصابيح كأنها تحتضر، وتصدر الأبواب صريرها الأبدي كأنها تشكو مللاً لا يحتمل. تهمس الرياح عبر النوافذ المتهالكة بقصص لا يريد أحد سماعها، وتضحك في وجه الليل الذي يزداد ثقلاً كلما مر به عابر جديد.
تتقدم الأحداث بخطوات وئيدة نحو العبث، وتستعد الحكاية لأن تفلت من المنطق. تبدأ قصة هزلية قصيرة، تطل برأسها من بين الغبار والعتمة لتروي مأساة شاب لم يجد عملاً، فوجد الرعب بدلاً منه. يسير سامر في شوارع المدينة الجائعة للغرباء، يبحث عن فتات حياة، ويجد نفسه نزيلاً في فندق تسكنه الوجوه الغامضة والضحكات المقطوعة. تتحرك الأقدار كدمية في يد سيدة سمينة تتقن المزاح مع الموت، وتدور الحكاية في حلقة من الجنون، حيث تمتزج القهوة بالسمّ، والمجنون بالحفر، والرحمة بالقتل الرحيم. يبتسم الليل وهو يراقب الجميع، كأنه يعرف النهاية ويستمتع بالمشهد.
البحث عن بارقة عمل
لم تكن مجرد موقف عابر، بل قصة هزلية قصيرة تكشف كيف تتحول أبسط التفاصيل اليومية إلى مفارقات مضحكة. في تلك الليلة، غمر السكون أرجاء المدينة، وتمدد الظلام على الوجوه والأبواب والطرقات، حتى غدت التفاصيل همسًا في صدر الكون.
كان سامر يمضي على الرصيف بخطوات متعثرة، تائه الفكر، يطارد بارقة عمل تعيد إليه معنى البقاء. أنهكه البحث، وتبددت قواه بين الأبواب التي توصدت في وجهه بلا رحمة. تراكم عليه التعب، واشتدت عليه الرغبة في مأوى يستريح فيه، غير أن فكرة العودة إلى غرفته كانت عبئًا آخر، فالفندق الذي يسكنه يحمل في أروقته وجه السيدة البدينة، صاحبة النظرات الحادة، التي تنتظره كل مساء مطالبة بما عجز عن دفعه من إيجار مضى عليه زمن.
اتخذ مقعدًا حجريًا عند زاوية الطريق، وأسند ظهره إلى الجدار، يحدق في الفراغ بعينين غائرتين. كانت أفكاره تدور حول عجزه الذي تمدد كظل طويل في حياته. حرك يده بعصبية، فتناثر رماد سيجارته على الأرض، ثم أسقطها وداسها بحنق، كأنه يحاول سحق ما تراكم في صدره من ضيق. حاول أن يستجمع ما تبقى من طاقته الذهنية، عسى أن تومض فكرة تخرجه من دوامة العجز التي ابتلعته منذ زمن غابر.
استسلم للصمت لحظة، وراح يمد يده نحو علبة السجائر. تفاجأ بفراغها، فقلبها بين أصابعه في يأس. فتش جيوبه، فوجد بضع قطع معدنية لا تفي بثمن علبة جديدة. زفر ببطء، ثم نهض متثاقلاً، كأن جسده يحمل أعباء الأيام كلها، وسار باتجاه مقهى قريب، عله يجد في دخانه ودفئه بعض السلوى أو بداية خيط يرشده إلى الغد.
مبلغ صغير من المال

جلس سامر على مقعد خشبي في زاوية المقهى، وطلب كوبًا من الشاي وشيشة. جاءه النادل بعد لحظات يحمل ما طلب، فاشتعل الفحم وبدأ صوت الفقاعات يتصاعد بين قدميه، كأن المكان يستعيد أنفاسه معه. التصق المبسم بشفتيه، وتراخت أطرافه شيئًا فشيئًا، حتى أحس بخفة تسري في رأسه ودفء ينساب إلى صدره. تناول رشفة من الشاي، فبلل بها حلقه، ثم عاد إلى سحب الدخان بنهم يشبه محاولة الهروب من واقع يضيق عليه.
كانت الفكرة واضحة أمامه كمعادلة بسيطة، تحتاج فقط إلى جواب واحد: المال. مبلغ صغير يعيد ترتيب فوضى حياته، يسد به جزءً من الدين المتراكم، ويدفع إيجار الغرفة التي صارت مأواه القلق، ويحتفظ بالباقي لقوت يومه ورحلات بحثه المستمرة عن عمل يقيمه من عثرته. فقد سُدّت أبواب الفندق في وجهه حين توقفت السيدة البدينة عن منحه الطعام، تاركة له جوعًا يعضّ روحه قبل جسده.
اشتدّ عليه الصداع من فرط التفكير، فمال برأسه إلى الوراء وأغمض عينيه، محاولًا أن يبدد زحام الأفكار بشيء من السكون. تمنى أن يشرد في أي خاطر آخر، أي ذكرى أو وهم، المهم أن يبتعد عن حسابات الدين والجوع والإيجار. رفع معصمه ليرى الوقت، كانت الساعة تقترب من العاشرة. في العادة لا يعود إلى الفندق قبل منتصف الليل، حين ينام الجميع ويأمن مواجهة صاحبة المكان. لكن الإرهاق اليوم أثقل عليه أكثر من الخوف، فنهض ببطء، دفع ثمن الشاي، ثم خرج إلى الشارع وقد قرر العودة إلى غرفته، تاركًا للقدر أن يرتب ما قد يأتي بعد ذلك.
كابوس خلف الأبواب المغلقة
ترك سامر العملات المعدنية على الطاولة وغادر المقهى بخطوات متثاقلة، يحمله الجوع أكثر مما يحمله التعب. كان الليل قد ازداد عمقًا، والبرد يمر على وجهه كيد باردة تذكره بفراغ معدته. لم يكن في جيوبه ما يغريه بأمل وجبة، وكل ما يملكه رغبة عميقة في لقمة تسكن الصخب الذي ينهش أحشاءه. ومع كل خطوة نحو الفندق، كانت صورة السيدة ماري تتسلل إلى ذهنه. ملامح وجهها الجاد تتبدل في خياله بين طيبة دفينة وغموض يثير القلق. امرأة تجمع في نظراتها بين اللين والصرامة، بين الحنان الغامض والخوف الذي يبعثه حضورها المفاجئ.
وقف أمام باب الفندق، ورفع رأسه نحو نافذتها المضيئة. الضوء الأصفر يتسرب من الستارة، ما يعني أنها ما تزال مستيقظة. أحس قلبه يخفق بتوجس، وأخذ يخطو بحذر كمن يسير في بيت غريب، يتحسس موضع قدميه، محاولًا ألا يصدر عنه أي صوت. تسلل عبر الممر بخفة، وعيناه تترقبان أي حركة خلف الأبواب المغلقة.
وقبل أن يضع يده على مقبض الدرج، باغته الجوع من جديد، كأنه مخلوق جائع في جوفه يستيقظ صارخًا. تردد لحظة، ثم غير وجهته نحو المطبخ لعله يجد ما يسد رمقه. فتح الباب ببطء، والظلمة في الداخل كانت خانقة. تحسس طريقه نحو خزانة الطعام، فتحها بيد مرتجفة، فاندفع إلى أنفه عبير عطن غريب. مد رأسه قليلاً إلى الداخل، فتجمد في مكانه. اتسعت عيناه، وتعثرت أنفاسه في صدره. أمامه جسد ساكن، وجه شاحب غارق في السكون الأبدي. بقي سامر واقفًا بلا حركة، توقف الزمن عند تلك اللحظة، وأصبح الهواء من حوله أثقل من أن يُستنشق. عقله يترنح بين الإنكار والذهول، لا يعرف أهو في يقظة أم في كابوس لم يفق منه بعد.
ذلك المجنون يقتل الناس..

تراجع سامر خطوة بعد أن أطبق باب الخزانة بعنف، واندفع خارج المطبخ بخطوات مضطربة. كان قلبه يخبط في صدره كطبول حرب خفية، وصوته يعلو في أرجاء المكان يستدعي السيدة ماري. ظهرت عند أعلى الدرج، تهبط ببطء كأنها خارجة من حلم ثقيل، ملامحها متوترة وعيناها تبحثان عن معنى لصراخه المفاجئ. توقفت أمامه، وسألته بصوت متردد عما حدث.
قال وهو يلهث، والهلع يسيطر على نبرته: “أتذكرين ذلك الرجل الغريب الذي يسكن الفندق؟ تحدثتُ معكِ عنه من قبل، عليكِ أن تُرسليه إلى المصحة العقلية فورًا، قبل أن يقع ما هو أسوأ!”
نظرت إليه بثبات غامض، ثم قالت ببرود يثير الريبة: “نعم، حدثتني عنه، المسكين لن يذهب إلى أي مكان… سيبقى هنا حتى يحين موعدي مع الموت“..
اتسعت عينا سامر وصرخ: “ماذا تقولين؟ هذا جنون! يجب أن يرحل الآن، حالًا! أين هو؟!”
أجابته بهدوء مخيف: “في القبو، منهمك في حفر حفرة عميقة، يلعب بترابه كما يفعل من فقدوا عقولهم”..
صمت سامر لحظة، وانجرف فكره في دوامة مظلمة، يتخيل الرجل هناك في الأعماق، يحفر بأصابعه بين التراب ليخفي ما لا يراه أحد. صورة الجثة التي رآها قبل قليل انغرست في ذهنه كطعنة باردة. رفع نظره إليها وقال بصوت متردد لكنه حازم: “أخشى أن لدي ما يُفزعك يا ماري… لقد ارتكب ذلك المجنون جريمة، لقد قتل رجلًا”..
عندها اتسع وجهها دهشة، وتراجع ظل الابتسامة من شفتيها، وبقي الهواء بينهما ساكنًا، كأن جدران الفندق نفسها تنصت لما سيأتي بعد تلك الجملة. بدت الأحداث وكأنها موقف هزلي بسيط، لكنه كشف الكثير من التناقضات التي نعيشها دون أن ننتبه.
قدح القهوة الأخير
تجمد سامر في مكانه، يحدق في ملامحها مترقبًا انهيارًا وشيكًا، لكنه لم ير سوى تلك الابتسامة الساكنة التي ارتسمت على وجهها كقناع لا حياة فيه. تمتمت بصوت خافت، تكسوه سخرية خفيفة: “هذا هراء يا سامر”..
اشتعل الغضب في صوته وهو يشير بيده نحو المطبخ: “رأيت الجثة بعينيّ، في الخزانة هناك! رجل ميت، لا يمكن إنكار ذلك!”
قالت بهدوء غريب، وكأنها تتحدث عن شيء عابر: “أعلم، يا عزيزي… أعلم تمامًا ما رأيته”..
تراجع خطوة، وعيناه تبرقان بالدهشة: “أنتِ… تعلمين؟!”
هزّت رأسها ببطء، وقالت: “ذلك المجنون بريء مما تفكر فيه. الأفضل أن تنسى كل ما رأيته الليلة، تنسى الخزانة، والجثة، وكل ما دار في رأسك الآن”..
ازدادت دهشته، وأخذ صوته يعلو: “أنسى؟! كيف يمكن ذلك؟!”
تغيرت ملامحها فجأة، وبدا الغضب في نبرتها: “لم أتوقع منك أن تختلس النظر، كان ينبغي أن تبقى بعيدًا عن المطبخ”..
تراجع مذهولًا، وقال: “ما الذي تقولينه؟ لمن هذه الجثة؟!”
نظرت إليه بثبات بارد وأجابت: “إنه السيد فرحان… لا أكثر”..
رمقها بدهشة ممزوجة بالريبة: “فقط؟! وما الذي جاء به إلى خزانة طعامك؟ ماذا حدث له؟”..
قالت في جفاف يبعث القشعريرة: ” لقد مات”..
ارتفع صوته محتجًا: “أعلم أنه مات، لكن الموت لا يُدخل المرء إلى خزانة!”
ابتسمت بخفة وقالت: “لم يمت هناك، يا عزيزي، لقد مات أولاً”..
تجمدت الكلمات على لسانه، ثم خرج صوته متقطعًا: “وكيف… مات؟”
ردت ببرود يشبه الحكايات القديمة التي تُروى دون انفعال: “شرب قهوته الأخيرة، وكان بها القليل من السم”..
ظل يحدق فيها بعينين متسعتين، كأن عقله يرفض المعنى الذي يسمعه. تمتم في ذهول: “السم؟ في القهوة؟!”
قالت بهدوء لافت وكأنها تشرح وصفة طعام: “القهوة خيار أفضل، لا رائحة له. الشاي قد يفضح الأمر”..
أوشك صوته على الانكسار وهو يتمتم: “أتعنين أنّك… وضعتِ السم بنفسك؟!”
ابتسمت ابتسامة خفيفة تفيض غرابة وقالت: “نعم، ثم استدعيت ذلك المسكين ليحمل الجثة إلى خزانة الطعام مؤقتًا، كنت حينها بانتظار ضيف، ولم أشأ أن يفسد وجودها استقبالي له”..
ساد الصمت بينهما، وامتزج الهواء في المكان برائحة خفية من الخوف، كأن الجدران أدركت أن الفندق لم يعد بيتًا للنوم، بل مسرحًا لسر ثقيل لم يُروَ بعد.
بداية لشيء أكبر..

دق جرس الباب فاخترق سكون اللحظة كصفعة مباغتة، فتجمد سامر في مكانه، وعيناه تتبعان خطوات السيدة ماري وهي تتجه نحو المدخل بخطوات ثابتة، كأن شيئًا لم يكن. فتحَت الباب، فإذا برجل مسن يقف أمامها بابتسامة وادعة، يرفع قبعته بتحية خفيفة وقال: “لقد تأخرنا يا ماري، السينما لن تنتظرنا، وهذه المرة اختارت لنا فيلمًا خفيفًا بعيدًا عن قصص الرعب المعتادة”..
بادلته ابتسامة هادئة وقالت بصوت هادئ كنسمة باردة: “صحيح، لا ينبغي لهم أن يصنعوا أفلامًا تزرع الخوف في القلوب، يكفي الناس ما في حياتهم من خوف”..
كان سامر يراقب المشهد مأخوذًا، لا يصدق الهدوء الذي يلفّ السيدة التي اعترفت قبل لحظات بجريمة كاملة. تململ في مكانه، وكأن الأرض تميد تحت قدميه، ثم انقض على الحوار بحدة لم يتمالكها قائلاً: “ألا تدركين ما يحدث؟ أريد أن أعرف ماذا سنفعل الآن!”
ساد صمت قصير، والتفت الشيخ العجوز نحوه بدهشة مشوبة بالريبة، فيما ظلت ماري تبتسم كأن شيئًا في كلامه لا يعنيها. اقترب سامر منها ببطء، وخفَض صوته قائلاً برجاء مكبوت: “أحتاج أن أتحدث معكِ… على انفراد”..
التقت عيناه بعينيها، فوجد فيهما بريقًا غامضًا، لا هو بالبراءة ولا بالدهاء، بل مزيج يوحي بأن ما يعرفه ليس سوى بداية لشيء أعمق، شيء لم يكتمل بعد.
هكذا جرت العادة..
طلبت من صديقها البقاء في قاعة الاستقبال، بينما توجهت إلى المطبخ مع المجنون. أغلقت الباب خلفهما، وصدر صراخ سامر حادًّا داخل الغرفة. نادى بصوت يكاد يقطع نبرة المساء: جثة في الخزانة، وأنتِ تستعدين للذهاب إلى السينما.
التقطت ماري الكلمات بهدوء بارد، نظرتها ثابتة، وردت بعبارة مقتضبة تكاد تحمل ثقل اعتراف: نعم.. إنها جثة السيد فرحان. تحركت أفكار سامر في اضطراب، فحاول أن يفرض واقعًا مختلفًا، وسأل عن ضرورة إبلاغ الشرطة وترتيب الأمور بشكل آخر، صوته يئن من الصدمة والضغط.
تنفست ماري بصوت كمن يصف خطة، ثم شرحت برفق قاسي: الأمر مضبوط على نحو مرتب. المجنون يحفر في القبو قبرًا عميقًا، والعمل يسير وفق ذلك الترتيب الذي اتبعته في قضايا سابقة. رنة كلماتها وقساوتها صارت واقعة لا مهرب منها: الجثة تُدفن في القبو، هكذا جرت العادة مع من رحلوا من قبل.
الوصفة السحرية

تصلبت الكلمات في حلق سامر، تجمد لوهلة، وقد انطفأت ملامحه تحت وطأة الدهشة والذهول. كان صمت المطبخ كثيفًا، يقطّعه ارتجاف أنفاسه المتلاحقة. وبعد ثوان كأنها دهر، تجرع جرعة من الشجاعة وقال بصوت خافت متقطّع: “آخرين؟ حين قلتِ آخرين… أتعنين أن هناك غيره؟!”
أمالت رأسها قليلاً، وراحت تفكر كمن يسترجع أرقام حساب قديم، ثم قالت بنبرة وادعة تثير الرعب أكثر مما تهدئه: “دعني أرى… هذا هو التاسع على ما أظن. كنت أظن السيد فرحان هو العاشر، لكن يبدو أنني أخطأت العدّ قليلاً، فالأسماء تختلط عليّ أحيانًا”..
شحب وجه سامر، وخرج صوته كأنه زفرة من بئر عميق: “التاسع؟! ومن كان الأول؟”
تألق في عينيها بريق غامض وهي تجيب: “السيد حسن… رجل مسن عاش وحيدًا بعد أن رحل عنه الجميع. شعرت نحوه بالأسف حين جاءت نوبته الأخيرة، كانت سريعة وهادئة، وجهه بدا مطمئنًا كأنه ينام في حضن الرحمة. عندها أدركت أن من واجبي أن أمنح غيره السلام ذاته. لم أتحمل أن يذبلوا في وحدتهم كما ذبل هو، فدفنته بعناية تليق براحته الأخيرة”..
ظل سامر صامتًا، فاسترسلت في حديثها كمن يروي شيئًا عاديًّا تمامًا: “ثم قررت أن أساعد أولئك الذين يعانون الوحدة، أن أمنحهم ذات الطمأنينة. في البداية كنت أظن أن الأمر سيتوقف عند واحد، لكنهم كثروا، والسكينة غدت أجمل حين تتكرر”..
تمتم سامر بصوت خافت: “ولكن… لم يموتوا جميعًا طبيعيًا، أليس كذلك؟”
تلك كلمة قاسية
نظرت إليه نظرة خفيفة وقالت بنبرة خالية من أي شعور: “وجدت في مختبر جدي القديم برطمانات من السم، بقايا من أيام دراسته للكيمياء. كانت محفوظة بإحكام على الرفوف طوال تلك السنوات. وأنا… أجيد المزج جيدًا. جالون من القهوة، ملعقة صغيرة من الزرنيخ، وأخرى من السيانيد، والوصفة جاهزة. طعمها متقن إلى حد لا يمكن أن يُكتشف”..
ارتفع حاجباه بدهشة ممزوجة بسخرية مريرة وقال: “لابد أنه خليط فعّال للغاية”..
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة وهي تهمس: “بل رائع. أحدهم تذوقه وقال قبل أن يغمض عينيه… ما ألذه!”
صاح سامر وقد تبددت بقايا هدوئه: “لقد قتلتِ أشخاصًا يا ماري!”
نظرت إليه بعينين تبرقان بصفاء غريب وقالت بنبرة يقين هادئة: “قتلت؟ يا عزيزي، تلك كلمة قاسية. لم أقتل أحدًا، بل منحتهم راحة لم يمنحها العالم لهم. ما فعلته لم يكن جريمة، بل إحسانًا، عملًا من أعمال الرحمة التي لا يقدّرها الناس إلا بعد فوات الأوان”..
مكان تحرسه الأشباح والسموم
غادرت ماري المطبخ بخطوات واثقة، كأن شيئًا لم يقال، وخرجت لتلحق بصديقها العجوز الذي ما زال ينتظرها في قاعة الاستقبال. ارتدت معطفها، وعدلت وشاحها حول عنقها، ثم التفتت إلى سامر وقالت بابتسامة عابرة: “لن أتأخر، السينما قريبة”. اتجهت نحو الباب، لكن سامر تقدم نحو الرجل العجوز، أمسك بذراعه وهمس بلهفة مرتجفة: “لا تذهب معها، أرجوك، هناك أمر لا تفهمه”..
غير أن ماري وقفت بينهما، نظرتها صارت حادة كالنصل، ثم أمسكت بذراع رفيقها وسحبته بهدوء نحو الخارج، مغلقة الباب خلفها في سكون تام، تاركة سامر غارقًا في عجز مطبق.
ظل واقفًا للحظات، يسمع وقع خطواتهما يبتعد في الممر، ثم اتجه إلى المطبخ كأن قوة خفية تدفعه. فتح الخزانة ببطء، والتفتت أنظاره نحو الجثة الراقدة في العتمة. الوجه ذاته، الشاحب كرماد بارد، والعينان نصف مفتوحتين كمن يحاول التحديق في الفراغ. شعر بقشعريرة تسري في جسده، وشيء غامض يتململ في داخله، مزيج من الرعب والشفقة، كأنه يرى انعكاسه في ميت يشاركه مصيره. أغلق الباب بعنف، ثم اندفع إلى الخارج، يلهث كمن يهرب من نفسه.
جلس على مقعد عند طرف الطريق، يراقب المارة بصمت مشوب بالحيرة. الليل يزداد عمقًا، والريح تداعب أطراف معطفه البالي. كان يفكر في مصيره، في الجثة، في تلك السيدة الغريبة التي خرجت إلى السينما بعد أن اعترفت بقتل صريح. إذا أخبر الشرطة، ستُعتقل، وسيغلق الفندق، وسيجد نفسه مجددًا بلا مأوى ولا طعام. وإن سكت، فسيبقى أسيرًا لمكان تحرسه الأشباح والسموم. ترددت الأسئلة في رأسه كصدى لا ينتهي: ماذا يفعل؟ إلى أين يذهب؟
خطوات تقترب في الظلام

استمر الصراع في داخله حتى أنهكه التفكير. مع اقتراب منتصف الليل، قرر العودة إلى غرفته. كان صعود الدرج يشبه مرورًا في دهليز بارد، ينبض الخوف في كل درجة يطؤها. دخل الغرفة، ضغط على مفتاح الإنارة، فغمرها ضوء خافت. جلس على المقعد، محاولًا استعادة أنفاسه. السكون يلف المكان، لا يُسمع سوى نقيق الضفادع القادم من البركة القريبة.
ألقى بجسده على السرير، يحاول طرد الصور من رأسه، لكن الجفون رفضت الإذعان للنوم. فجأة انطفأ الضوء، وغرق المكان في ظلام مطبق. تحسس طريقه نحو الطاولة، بحث عن شمعة وأشعلها بيد مرتجفة. ارتعشت الشعلة الصغيرة، ثم أضاءت وجهه الشاحب… غير أنها لم تلبث أن كشفت ملامح أخرى خلفه، وجهًا يطل من العتمة ببرود الموت، الوجه نفسه الذي رآه في الخزانة.
ارتفع الدم في رأسه كصوت يصم الأذنين، وسقطت الشمعة من بين أصابعه، واندفع الظلام من جديد، كثيفًا، خانقًا، بينما تجمد في مكانه، لا صوت، لا حركة، سوى صدى أنفاس متقطعة، تتلاشى ببطء في ليل بلا نهاية.
تجمد في مكانه، يحاول انتزاع أنفاسه من بين طيات الرعب. كانت يداه ترتعشان وهما تبحثان عن الشمعة، حتى وجدها أخيرًا بين الحطام الصغير المتناثر على الأرض. أشعلها بصعوبة، فارتجفت ألسنة اللهب كأنها تخاف النور ذاته. ومع كل اهتزاز للضوء، كانت الجدران تقترب منه أكثر، تصدر صريرًا خافتًا، وأصواتًا مبهمة تخترق أذنيه. أنين قادم من عمق مجهول، همسات تهمس باسمه، وصدى خطوات تقترب في الظلام.
حتى الرمق الأخير
تصلب جسده في مكانه، يحس بأن الأرض تحته لم تعد صلبة، وأن الهواء صار أثقل من أن يُستنشق. أراد أن يهرب، أن يفتح الباب ويفر من هذا الكابوس، فمد يده نحو المقبض، غير أن قوة غامضة جذبته إلى الوراء، كأن شيئًا خفيًا يُصرّ على احتجازه. ارتطمت الشمعة بالأرض وتراقص اللهب على أطراف السجادة، بينما تسارعت ضربات قلبه حتى خُيّل إليه أن صدره سينفجر من شدتها.
صرخ، ومد يده مرة أخرى نحو الباب، يقاتل قوة لا تُرى، يقاوم حتى الرمق الأخير، حتى انفتح الباب فجأة واندفع إلى الخارج مترنحًا، سقط على ركبتيه، والهواء البارد يصفع وجهه كصفعة نجاة من موت محقق. نهض مسرعًا، ركض نحو نهاية الممر، ثم توقف للحظة والتفت خلفه، كأن شيئًا في داخله يأمره بالعودة.
عاد نحو الخزانة، جذب بابها بعنف وقد تملكه الهلع، لكن المكان كان خاليًا. الجسد اختفى، وكأن شيئًا لم يكن هناك. خُيّل إليه للحظة أن الموت لم يعد حبيس الخشب، وأنه تحرر وراح يتجول في أروقة الفندق بحثًا عن ضحيته التالية. شعر بقشعريرة باردة تسري في عروقه، ثم انطلق مهرولاً إلى الخارج، يركض بلا اتجاه، تتقاذفه خطواته وسط العتمة، حتى قادته قدماه إلى محطة القطار. جلس على المقعد المعدني ينتظر أول قطار يغادر البلدة، لا يريد التفكير، لا يريد النظر خلفه.
عندما تحرك القطار، ظل يحدق من النافذة إلى الأفق المظلم، والعزيمة تشتعل في صدره ألا تطأ قدماه تلك البلدة مرة أخرى، وأن يترك الفندق ومن فيه خلفه إلى الأبد.
دعابة ثقيلة
وبعد ثلاثة أيام، كانت السيدة صاحبة الفندق تجلس في الساحة مع السيد فرحان، يحتسيان القهوة ويغالبان الضحك الذي يتفجر بينهما بين حين وآخر. تذكرا وجهه المرتبك حين سمع اعترافها المزعوم، وارتعاش يديه عندما تحدثت عن الجثث والسموم. قالت وهي تمسح دمعة ضحك علقت على وجنتها: لم أظنه سيصدق الأمر كله بهذه السهولة.
أجاب فرحان وهو يبتسم في مكر هادئ: كان يستحق درسه… سنة كاملة وهو يسكن الفندق دون أن يدفع قرشًا واحدًا.
ثم ارتشف رشفة أخرى من قهوته وأضاف: الآن ربما وجد مكانًا يؤمن فيه بأن الأشباح لا تسكن الجدران، بل العقول.
تغادر الضحكة أصداءها في أرجاء الفندق، وتتمدّد الجثث في الذاكرة كأنها لم تكن سوى دعابة ثقيلة. تفتح السيدة ماري النافذة لتدع نسمة باردة تعبر المكان، وتدندن لحنًا لا يسمعه سواها. تضع كوب القهوة أمامها، ثم ترفع رأسها نحو فرحان الجالس في المقابل، يبادلها الابتسامة نفسها التي يملكها الأموات عندما يتظاهرون بالحياة.
تواصل الحديث معه عن ذلك الساكن المسكين الذي فرّ ليلًا وهو يرتجف، وتضحك بملء فمها حتى تتساقط دموعها. يضحك فرحان أيضًا، بصوت خافت كأنه يخرج من قاع الأرض. يمتد الضحك في القاعة الفارغة، ثم يخفت شيئًا فشيئًا حتى يذوب في الصمت. وهكذا تبقى هذه قصة هزلية قصيرة تذكرنا بأن الحياة رغم جديتها مليئة بالمواقف التي تستحق أن نبتسم لها.
تطوي القصة الهزلية القصيرة صفحتها، وتغلق الستار على فندق يقال إن نزلاءه لا يغادرونه أبدًا، بل يتحولون بمرور الوقت إلى جزء من أثاثه، أو ضحكة مجهولة تأتي من القبو كلما هبّت الرياح.
يمكنك أيضًا قراءة:













