الواجبات المدرسية: ضرورة تعليمية أم عبء إضافي؟

في أعماق كل منزل، يُسمع همس الأقلام على الأوراق، وتتعالى أنفاس الأطفال الغرقى بين دفاتر الواجبات، حيث تتحول ساعات ما بعد المدرسة إلى مشهد مألوف من صراع بين الحروف والأرقام. لكن، خلف هذه الصورة اليومية، تتوارى تساؤلات جريئة: هل الواجبات المدرسية حقًا أداة تعليمية أم عبء ثقيل على أكتاف الطفولة؟ في هذه السطور، نغوص في أعماق هذه القضية، نستلهم صوت الآباء ونرقب تأثير الواجبات على نفوس الصغار، باحثين عن التوازن المفقود بين التعليم والحياة.
الوجبات المدرسية والنجاح الأكاديمي
وجدت مراجعة لأكثر من 180 دراسة بحثية أجريت في عام 2006 في جامعة ديوك أنه لا يبدو أن هناك علاقة بين الواجبات المنزلية والنجاح الأكاديمي للأطفال من المدرسة الابتدائية حتى الثانوية.. والعلاقة الوحيدة الملحوظة هي أن الطلاب الذين يؤدون واجباتهم المدرسية يحصلون على درجات أفضل من معلميهم. لكن لا يوجد دليل يؤكد أن الواجبات المنزلية تساعد في مواجهة التحديات التعليمية طويلة المدى، مثل تكوين أفراد مهتمين بالتعلم، ومبدعين، وقادرين على التفكير التحليلي[1].
تسرق الواجبات المنزلية الوقت الذي يمكن قضاؤه في القيام بشيء يساهم بشكل أفضل في صحة الطفل ورفاهيته ونموه الفكري بشكل عام. على سبيل المثال، يحتاج الأطفال الصغار، وحتى المراهقون، إلى الكثير من وقت الفراغ للعب. هذه هي طريقتهم في إعطاء معنى للعالم من حولهم والمكانة التي يشغلونها فيه. كما أن الواجبات المنزلية أحد أسباب انخفاض متعة القراءة في سن الثامنة، والقراءة هي أهم نشاط فكري على الإطلاق كما يتفق على ذلك جميع التربويين. هذه هي الطريقة التي يتعلم بها الطلاب الكتابة والتحليل والتهجئة.. وهي ذات الطريقة التي تتراكم بها المعرفة التي تساعدهم على تطوير التفكير النقدي.
الواجبات المدرسية وكفاءة المعلم
تعد المناقشات التعليمية الأكثر مرارة هي تلك المتعلقة بمدى جدوى الواجبات المدرسية في تطوير المستوى الأكاديمي والشخصي للأطفال. يمكن القول أن عدد الساعات التي يقضيها الطلاب في إنجاز الواجبات المدرسية تتناسب طردياً مع درجة عدم كفاءة المعلم. فإذا لم يكن التلميذ يمارس خلال الساعات التي يقضيها في الفصل أنشطة تعليمية وتطبيقية، فما الذي يتم فعله داخل الفصل؟
يعتبر بعض المعلمين أن فرض الكثير من الفروض المدرسية على الطلاب هو مرادف لكونهم معلمين جيدين أو صارمين.. بينما إذا تأملنا قليلاً، نجد أن العكس هو الصحيح. لا تطلب الأمهات من المعلمين أن يطعموا أطفالهن، أو يشتروا لهم الملابس، أو يأخذوهم في عطلات؛ فهل يمكن أن يطلب المعلمون منهن قضاء أمسياتهن مع أطفالهن في أداء مهام تخص البيئة المدرسية؟
سلطة التعليم
هناك حجج تدعم الواجبات الدراسية خارج الفصل.. أبرزها أن مشاركة الآباء لأطفالهم في الواجبات المدرسية تمكنهم من معرفة المحتوى الذي يتم تدريسه في المدرسة بشكل مباشر.. ولكن يمكن الحصول على هذا الفهم من خلال الحديث مع الطفل أثناء تناول الطعام أو تخصيص بضع دقائق في المساء لمراجعة دفاتره.
تشير الدراسات[2] إلى أن زيادة عدد الساعات المخصصة للواجبات خارج الفصل ترتبط بتحقيق نتائج أكاديمية أفضل، لكن لا يجب أن نخطئ في التفسير؛ فدرجات الامتحانات لا تعكس بالضرورة مستوى الكفاءة الحقيقي للطالب. ويبدو أن تقرير البرنامج الدولي للطلاب PISA يشير إلى أن زيادة ساعات العمل خارج المدرسة لا تعني بالضرورة درجة أعلى من الكفاءة الأكاديمية. هناك أدلة كافية للتشكيك في جدوى إثقال كاهل الأطفال بالواجبات المنزلية، ولكن هذه الأدلة تتعارض مع المفهوم التقليدي للسلطة التعليمية، الذي لا يعتمد على الحوار المفتوح مع الأسر مما يتيح تحسين الأداء، بل يقوم على التصلب والتمسك بأساليب تربوية عفا عليها الزمن.
الواجبات المدرسية.. مهمة أم عقوبة؟
لا يمكن القول أن الواجبات المدرسية هي شر مطلق.. لكنها تصبح عبئًا غير ضروري على الأطفال وأسرهم عندما لا يتم تنظيمها ضمن النظام بشكل عقلاني. يستطيع أي موظف أن يستمتع بوقته بعد انتهاء يوم عمله.. أو يمارس أنشطة تثري شخصيته، مثل تنمية هواية أو ممارسة رياضة. ومع ذلك، فإن ما نعتبره ذا قيمة لدى الكبار نحرم منه الأطفال الذين هم في مرحلة بناء الذات.
ليست الواجبات الدراسية خارج الفصل في حد ذاتها سيئة، إلا أن قيمتها تعتمد على الوقت والمعنى المرتبطين بها. على سبيل المثال، يمكن للمعلم أن يؤدي التمارين أو المهام الدراسية المتعلقة بمادته مع الطلاب في الفصل. وبهذه الطريقة، يتمكن من حل مشكلات تتعلق بالمفردات، ومراجعة دفاترهم، والتحدث معهم أثناء الكتابة، أو إعداد لوحة، أو القيام بأي نشاط آخر. وإذا لم ينجز أحد الطلاب المهمة في الفصل لأنه يتحدث، أو تشتت انتباهه، أو يفعل شيئًا يخص مادة أخرى، يخبره بأنه سيضطر لإنجاز المهمة في المنزل.
نعم، الواجبات هنا أشبه بعقوبة.. إذا لم تعمل في الفصل، سيتعين عليك إنجاز العمل خارجه. وبطبيعة الحال، سيبذل الأغلبية جهدهم في العمل داخل الفصل لأنهم يقدرون عدم وجود واجبات منزلية تخص المادة. كما يمكن تكليف الطلاب الذين يسعون إلى تحسين درجاتهم بمهام خارج الفصل.. إذا حصل أحدهم على درجة النجاح ولكنه يريد الحصول على تقدير جيد، فمن المنطقي أن يطلب منه عملاً إضافيًا خارج الفصل.. ولكن ليس كالتزام، بل كخيار شخصي. لذلك، يمكن للواجبات أن تحمل قيمة تربوية عندما تكون غير إلزامية أو تُفرض بشكل متقطع.. ولكن عندما تصبح قاعدة، فإنها تتحول إلى أمر مرهق، غير مفيد، ودليل على غياب الحس والمسؤولية التربوية لدى المعلم.
التعليم المتساوي
يمكن العثور على العديد من الحجج ضد الواجبات المنزلية على الإنترنت.. ومن أبرزها تلك التي تنتقد الواجبات لأنها تعمق الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية بين الطلاب بدلاً من تقليلها. في الواقع، إذا حصل الطالب على دعم من والدين ذوي مستوى تعليمي عالٍ في المنزل، فسيكون من السهل عليه تلقي المساعدة في إنجاز واجباته.. في حين لن تتمكن الأمهات اللواتي يفتقرن إلى التعليم أو الوقت بسبب ساعات العمل الطويلة من تقديم الدعم اللازم لأطفالهن.. وهو دعم يصبح أحيانًا ضروريًا للنجاح في بعض المواد. أما الكارثة الحقيقية فهي عندما لا يتمكن الوالدان من مساعدة أطفالهم في الواجبات المنزلية.. ولا يمتلكون الموارد المالية لدفع تكاليف مراكز تعليمية أو مدرسين خصوصيين لتقديم هذا الدعم. يؤثر المستوى الاقتصادي للأسر في نظامنا التعليمي الحالي بشكل واضح على درجات الطلاب وتقدمهم الأكاديمي، دون أن يتم اتخاذ أي إجراء لمعالجة هذا الوضع. يكشف ذلك أن فكرة التعليم المتساوي والجيد لا تزال مجرد حلم بعيد المنال في هذه البلاد..
هل يمكن تغيير الوضع؟
حكى لي صديق قبل بضع سنوات أنه كان يقوم بالتدريس في إحدى المدارس.. وكانت هناك طالبة منعها والداها من تخصيص أكثر من ساعة للواجبات المنزلية. لذا كانت تقضي فترة بعد الظهر بأكملها في أنشطة مختلفة.. تصنع الفخار، أو تمارس الرياضة، أو تخرج للتسلية مع أصدقائها. كانت منتبهة في الفصل وتنجح في الامتحانات.. إلا أن درجاتها تأثرت بالسلب بسبب الخصومات المرتبطة بعدم إكمال جميع الواجبات المدرسية. كان ذلك بالنسبة لي مثالًا على كيف يمكن للمبادرات الفردية أن تغيّر الأمور بالفعل. فماذا سيحدث لو اتخذ جميع الآباء موقفًا مشابهًا بشكل منظم ومدروس؟ لا شك أن الطلاب سيتحررون من الواجبات المدرسية غير الضرورية.. وسيستمتعون بطفولتهم ومراهقتهم.. وسيُجبر المعلمون على إعادة التأهيل واعتماد أساليب تعليمية أكثر فاعلية وأقل راحة من مجرد فرض واجبات منزلية منهجية..
لكن لا يكفي العمل الفردي لتغيير هذا الوضع.. ومن الضروري أن ينظم الآباء أنفسهم داخل جمعيات أولياء الأمور ومجالس المدارس للإبلاغ عن عبء الواجبات المنزلية الزائد الذي يُفرض على أبنائهم. أنا أؤمن بالجهد والعمل الجاد.. لكن ليس مثل أولئك الذين يبررون، بوقاحة، إثقال كاهل الطلاب بالواجبات المدرسية تحت شعار “ثقافة الجهد”. من يؤمن حقًا بـ”ثقافة الجهد”، يجب أن يطبقها أولاً على نفسه قبل طلابه. جهدك كمعلم يتمثل في الابتكار والعمل لضمان أن يكتسب الطلاب، خلال اليوم الدراسي، ما هو مطلوب من محتوى تعليمي، بدلاً من إيجاد أعذار تخفي عدم كفاءتك. وفي النهاية، المعلم غير الكفء هو ذلك الذي لا يضمن خلال ساعات عمله أن يتعلم طلابه ما هو مقرر عليهم.. ويترك مسؤوليته في أيدي الآباء أو المدرسين الخصوصيين.
وفي نهاية الرحلة، تبرز الحقيقة واضحة كضوء شمسٍ في يومٍ صافٍ: التعليم ليس مجرد دفاتر تُملأ وكلمات تُحفظ، بل هو حياة تُصنع. إن نظامًا يعجز عن تحقيق المساواة داخل الفصول الدراسية ويعتمد على جهود الأسر خارجها، يترك الكثير من الطفولة عالقة في زحام الأوراق. آن الأوان أن تتحول المدارس إلى ميادين للإبداع والتعلم الحقيقي.. حيث تنتهي الدروس عند أبوابها، وتبدأ الحياة بكل ألوانها وبهجتها في منازل الصغار.
المراجع
[1] Does Homework Improve Academic Achievement? A Synthesis of Research, 1987–2003.
[2] Relationship Between Students’ Prior Academic Achievement and Homework Behavioral Engagement: The Mediating/Moderating Role of Learning Motivation.