كابوس الثانوية العامة

كابوس الثانوية العامة

كالعادة موعدنا كل عام في ذات التوقيت، مع أحد الكوابيس التي تؤرق مضاجع جميع الأسر في مصر، إنه كابوس الثانوية العامة، في مثل هذا الوقت ننتظر نتائج امتحانات الثانوية العامة بصبر فارغ وقلق وتوتر، وما أن تظهر نتائج الامتحانات حتى تعلو الأصوات بالصراخ، ويكثر النواح والحزن، بل ويمرض العديد من الطلاب الذين لم يتسن لهم الحصول على الدرجات التي كانوا يتمونها يوماً ما والتي سعوا بقدر استطاعتهم على تحقيقها، بل وصل الأمر بالبعض إلى حد الانتحار بكل أسف، وعلى الجانب الآخر طلاب يمرحون فرحاً وتيهاً لحصولهم على أعلى الدرجات التي ستمكنهم من الوصول إلى كليات القمة التي يرغب بها جميع الناس.

كان لي فيما مضى تجربة خاصة بالثانوية العامة كمعظم أبناء هذا الوطن، لقد مرت سنوات طويلة على ذلك الحلم الذي كان يراودني وأنا صغير ولم أحققه أبداً، كنت كالغالبية العظمى من الطلاب، تراودني الأحلام الوردية التي نرى فيها المستقبل المشرق المليء بالورود، وكان ذلك يتماشى مع الصورة الشائعة التي رسمها لنا المجتمع بأجمل صورة، كنا نقف على حافة تلك النافذة التي نطل منها على ذلك الغد وما يحمله لنا المستقبل، نظرتنا للمستقبل كان تتلخص في جملة واحدة ألا وهي أن تعليمنا ودراستنا إذا لم تخرج لنا طبيباً أو مهندساً فلا فائدة تُرتجى منها، وإذا حاولت التفكير خارج الصندوق وقررت دراسة ما تحبه  جاءتك الصفعة القوية القاسية التي تخبرك بأن اختيار مجال دراستك أو بالأصح كلياتك ليست على قدر رغباتك وأمانيك بل هي على قدر رغبة الناس ونظرتهم إليك.

كليات الطب والهندسة

نظرة الناس في المجتمع أصبحت غريبة جداً، فللأسف الشديد نجد أن أفراد المجتمع لا تنظر بعين الاحترام والتبجيل سوى للطبيب أو المهندس، هذا بكل تأكيد بعيداً كل البعد عن نظرة التفاخر التي يكنها الناس في المجتمع لكليات الشرطة والحربية وملحقاتهما، على الرغم من أن مثل هذه الكليات لا تحتاج إلى كثير من الجهد أو الدراسة للالتحاق بها، بل تتطلب الكثير من الأموال والوساطة اللازمة، وحتى لا نغفل بالذكر طبعاً لابد من أن يكون الذي يريد الالتحاق بها من طبقة اجتماعية معينة، فأبناء الشعب ليس لهم نصيب منها، وعلى أية حال نعود إلى موضوعنا الأساسي تجنباً للتشتيت.

كليات الطب والهندسة تلك الكليات مكمن الاحترام والتفاخر بين جميع أفراد المجتمع المهووسين بهاتين الكلمتين، وما تحمله من معان هو ما جعلني افكر في الالتحاق بأياً منهما، وبالفعل نجحت تلك النظرة في جعلي مهووساً بذلك الحلم الجميل، وذلك ما دعاني إلى العمل على تحقيقه، وبالرغم من ذلك فكلما كنت أفكر أن من الممكن أن يحرمني التنسيق من تحقيق هذا الحلم كانت تصيبني نوبة من الهلع والخوف.

وحش التنسيق المرعب

لكن لم يتحقق حلمي الذي وضعته نظرة الناس لي، وهذا ما جعلني أفكر جدياً في حلم جديد بعد أن خذلني وحش التنسيق المرعب، وشرعت في التفكير في دراسة ما أحبه لعلني أبرع فيه، وبالفعل جاء اختياري لما أحبه كطوق نجاة، وكنت شديد السعادة والبهجة بتحقيق حلمي الذي اخترته لنفسي، على الرغم من حزن العائلة والأسرة الذي دام لشهور، وفي تلك الفترة من حياتي بدأت في التفكير في موضوع الطب والهندسة مجدداً، وكيف أن هاتين الكليتين مجرد كوابيس تُطارد الطالب المصري لما تحتويه على سنوات طويلة جداً للدراسة، ولم يتوقف الأمر على الدراسة في الكلية فحسب، بل على الطالب بعد أن يُنهي دراسته أن يتقدم للحصول على درجة الدكتوراه أو على أقل تقدير درجة الماجستير، وهذا يُضيف سنوات طويلة أخرى إلى سنوات الدراسة السابقة، مما يعني إن طالب الطب أو الهندسة سيتخرج فعلياً بعد إن يكون عمره قد تجاوز الثلاثين.

لن يتوقف الأمر على ذلك، فبعد التخرج قد يعاني في الحصول على وظيفة براتب مُجزي يساعده على استكمال حياته بصورة كريمة، وإذا تسنى له الحصول على تلك الوظيفة يبدأ في التفكير والترتيب لزواجه وتكوين عائلة. عند ذلك الوقت يجد أنه قد أضاع ربيع العمر المتمثل في مرحلة الشباب في الركض خلف أوهام خلقها المجتمع من خلال تلك النظرة السطحية للتعليم.

مشكلات التعليم .. من أين يأتي الخلل؟

نظرة خاطفة على التعليم في مصر والدول العربية بصفة عامة تُخبرك بكل بساطة أننا على شفا جرف هار، ولن نستطع أن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، وإلا سقطنا في تلك الهاوية السحيقة، كل ذلك طالما ظل أسلوب التعليم وتقنياته لا تتغير ولا تواكب تطورات الحياة في العالم.

قضية التعليم واحدة من أهم وأخطر القضايا في أي مجتمع على وجه الأرض، فالتعليم هو ما يساعد الأمم على النهوض والتقدم، واذا نظرنا نظرة واحدة متمعنة إلى دول الغرب بما فيها من تقدم نجد أن كل ما حققته من رخاء يتمثل في الاهتمام بتلك القضية العظيمة، وكيف استطاعت الدول الغربية أن تخلق من خلال التعليم الجيد أجيالاً قادرة على التفكير البنّاء والقدرة على العمل واستخدام العقل في الإبداع، تلك الأجيال التي تخرج لنا من خلال التعليم الجيد نراها عالمة بحقوقها وواجباتها، نراها أجيال حرة قوية تحمل البلاد على كواهلها لتلتحق بركب الحضارات العظيمة.

إن نظم التعليم في الدول الغربية تقوم على الابتكار والتفكير الإبداعي، والتحليل والدراسة والتأمل، وقدرة الطالب على البحث عن المعلومات وفهمها جيداً، كما نرى كيفية ربط المناهج التعليمية بالتطور العلمي والتقني، وكذلك وجود حبل تواصل بين النظرية والتطبيق العلمي لتلك المناهج. وأهم تلك المميزات التي تتصف بها مناهج الدراسة هناك هي المرونة، فتلك المناهج من الممكن أن تتغير في أية لحظة كي تواكب التطورات الجديدة في العلوم والتكنولوجيا، ومن الممكن الإضافة إلى المناهج أو الحذف منها مع ما يتواكب من تطورات علمية. أما في عالمنا العربي فإن نظم التعليم لا تقوم سوى على الحفظ والتلقين، ومناهجنا كما هي منذ مئات السنوات لم يتغير فيها شيء، وكأننا قد اكتفينا من التطور ومواكبة التطورات العلمية بما لدينا في هذه المناهج، لذا نجد أن الطالب منفصل بصورة كاملة عما يحدث حوله من تطورات، وكأنه أصبح من أهل الكهف مازال نائماً وإذا ما استيقظ وجد نفسه غريباً عما يدور حوله، لا يشغل باله بالبحث عن المعلومات والاستفادة منها، بل كل ما يهمه هو حفظ ما في طيات تلك الكتب التي عفا عليها الزمن ليلفظها في النهاية على ورقة الامتحان، كل ذلك من أجل الحصول على شهادة ليحصل من خلالها على وظيفة، هذا إن حدث.

دور المعلم

نأتي هنا إلى أهم الأدوار التي تسببت في هذا المآل الذي وصلت إليه قضية التعليم في بلادنا، ألا وهو دور المعلم، فهذا الأمر يحتاج إلى نظرة أخرى، فليس دور المعلم الركض لجمع الأموال من خلال الدروس الخصوصية، وليس دوره رفض العمل في المدرسة كي يتفرغ لهذه الدروس، لكن دور المعلم هو تأسيس الطالب على أسس علمية سليمة تناسب العصر الذي نحيا فيه، دوره هو التجديد والابتكار ومساعدة الطلاب على التفكير الإبداعي، وهذا لن يتحقق بكل تأكيد طالما ظل شاغل المعلم الشاغل هو الحصول على الأموال التي تكفل له حياة كريمة، ومن هنا نجد أن المسؤول عن هذا الوضع هو النظام الإداري للدولة، ذلك النظام الذي جعل أجور المعلمين متدنية بصورة بشعة، لا تكفي حتى لسد الرمق، انظر معي عزيزي القارئ إلى ما قاله إمبراطور اليابان حينما سُئل عن أهم أسباب تقدم الدولة، فقال: أعطينا المعلم حصانة دبلوماسية وراتب وزير.

رسالة إلى الطالب

حياتك ومستقبلك هي مسؤوليتك، لا تترك أحداً يتحكم بك ويقرر لك ما تفعله، عليك التخلي عن جميع النظرات والأفكار المسبقة التي صنعها الناس في المجتمع، لا تقف ساكناً جامداً كجمود الموت، عليك أن تبث النبض إلى حياتك مرة أخرى، العالم لن يتوقف إذا لم تلتحق بإحدى كليات القمة كما يقولون عنها، وكذلك أنت لم تُخلق لجمع المال فحسب، لا تركض وراء أوهام وتصنع حياة لتكتشف في النهاية أنها لا تمت إليك بصلة، إنها حياتك أنت، ومصيرك أنت واختيارك أنت، لذا عليك أن تقرر وتختار ذلك الاختيار الذي ترغب به وتستطيع أن تُبدع فيه، هنا فقط ستجد الأبواب المغلقة قد تفتحت أمامك على مصرعيها في حياتك العملية.

جيل مختلف

لقد حان الوقت الآن لتقرر الأجيال الجديدة مصيرها وتختاره بأياديها، لن نحقق أحلام أناس أخرين فشلوا في تحقيقها، لقد اكتفى مجتمعنا من تلك الأجيال المتشابه العادية التي تريد نفس الشيء بلا أدنى تفكير أو قرار لتحديد المصير.

لذا فإن على الأجيال الجديدة أن تتمتع بالشجاعة وروح المغامرة لتركض وراء ميولهم الحقيقية لنرى الابتكار والتجديد ولنحاول جاهدين أن نلتحق بسبق الحضارة من جديد.

إن بلادنا تريد أجيالاً جديدة، أجيالاً مختلفة في التفكير والتنفيذ، فتلك الأمة التي سقطت من ركب الحضارة تحتاج لمثل هؤلاء الذين في مقدورهم أن يجتازوا جميع العقبات ويتخطوا جميع العوائق، لنعود من جديد كي نصرخ بأعلى صوتنا قائلين للعالم من حولنا الزموا حدودكم، فلقد كنا فخر الحضارة من قبل وسنعود مجدداً.

 

وائل الشيمي

كاتب وأديب مصري

اترك تعليقاً