ملخص رواية الفقراء لدوستويفسكي: الإنسان الفقير أقبح من خرقة بالية

You are currently viewing ملخص رواية الفقراء لدوستويفسكي: الإنسان الفقير أقبح من خرقة بالية
قراءة في رواية الفقراء لديستوفسكي

رواية الفقراء لدوستويفسكي هي واحدة من الروايات الرسائلية. حيث تُسرد القصة من خلال المراسلات بين شخصيتين؛ أحدهما موظف في خريف العمر والأخرى شابة في مقتبل العمر. وهي تعد باكورة أعمال الكاتب الروسي العظيم التي يعيد فيها اكتشاف معاناة الطبقة الفقيرة من الشعب الروسي؛ كما تستكشف موضوعات عديدة مثل الحب والوحدة واليأس والرحمة والعطف. في هذا المقال نتناول ملخص رواية الفقراء؛ ومن ثم مراجعة هذه التحفة الأدبية الرائعة.

ملخص رواية الفقراء

تُروى القصة على شكل سلسلة من الرسائل بين شخصيتين؛ أولهما ماكار دييفوشكين يعمل في وظيفة كاتب حكومي في أدنى درجات الخدمة المدنية. يعيش في نزل بائس يتقاسمه مع ستة مستأجرين آخرين مع عائلاتهم. يتقاضى ماكار أجراً هزيلاً وهو شديد القلق باستمرار حول ثيابه البالية وحالته المتردية. كما إنه مدين بصورة مستمرة. أما ثانيهما فهي فارفارا أليكسييفنا التي لديها صلة قرابة بعيدة بماكار والتي تعمل كخياطة. وتعيش مع مدبرة منزلها في وضع بائس مماثل على الجانب الآخر من الشارع. تحكي القصة عن الحب والصداقة بين هاتين الشخصيتين وكفاحهما من أجل البقاء على قيد الحياة. ونظراً لكونهما فقراء فهما يواجهان شتى أنواع الإذلال اليومي الذي يضعه المجتمع على الفقراء. فهؤلاء الفقراء مجرد أناس لا يحترمهم أحد.

رسائل متبادلة

تبدأ الرواية عندما ينتقل دييفوشكين لتوه إلى شقة جديدة – تلك التي تواجه فارفارا – أو ربما الوصف الأفضل لها أنها “غرفة” حيث يقطن معه في النزل العديد من الشخصيات الأخرى التي يربط بينهما شظف العيش والمعاناة من الفقر. يقضى ماكار وقته في العمل ومن ثم العودة إلى شقته ليشرع في كتابة الرسائل لفافارا ليقص عليها أحداث يومه. وقد ابتكرت فارفارا فكرة ماكرة عن طريق استخدام ستائر حجرتها؛ فعندما تعلقها يعرف ماكار أنها تفكر فيه، وعندما تسدلها يعرف أنه قد حان وقت النوم.

من المؤكد أن ماكار شخصية حالمة وغريبة أكثر من فارفارا. حيث يبدو أن لديه حساسية وعاطفة أبوية عظيمة تجاه هذه الفتاة الفقيرة، كما يشعر أنه مسؤول عنها. إلا أن فارفارا كافية تفكر بطريقة عملية طوال الوقت، كما إنها تشعر باليأس بشكل خاص بشأن مستقبلها. ليس مستقبلها فحسب بل إن العودة إلى التفكير في ماضيها المروع بعد موت أبويها يؤلمها بشدة، فحياتها كانت عبارة عن سلسلة من المعاناة نظراً لفقرها بعد غناها.

نعلم من خلال الرسائل المتبادلة بينهما مدى تدني مستوى حياتهما؛ والألم والمعاناة التي يواجهها كلاهما. فماكارا لا يمتلك سوى أقل القليل مما يسمح له بالعيش إلا إنه مع ذلك يرسل بعض الأموال القليلة إلى فارفارا لمساعدتها على مواجهة صعوبات حياتها. وكذلك تفعل فارفارا على الجانب الآخر. لكن في النهاية وبعد معاناة فارفارا مع المرض تقرر أن تذهب لتتزوج من أحد الأثرياء الذي كان على معرفة بها فيما مضى، ومن هنا يغضب ما كار أشد الغضب لمفارقتها.

اقرأ أيضًا: رواية الجريمة والعقاب: أعظم الأعمال النفسية والواقعية في الأدب العالمي


مراجعة رواية الفقراء لدوستويفسكي

تعد رواية الفقراء هي الرواية الأولى لدوستويفسكي وقد نُشرت لأول مرة في روسيا عام 1846. يغوص دوستويفسكي في روايته داخل أعماق النفس البشرية كما يطرح العديد من الأفكار التي تتعلق بالفقر والحزن والحب والعاطفة عن طريق تلك الرسائل التي نشهد – نحن القراء – عليها في غدوها ورواحها بين الشخصيتين؛ هذه الرسائل التي تسمح للشخصيات الرئيسية والثانوية في التكشف وتتيح لنا التعرف عليهما عن قرب. ولا يتوقف الأمر على ذلك فحسب بل تجعلنا هذه الرسائل طرفاً في المعادلة. حيث تجعلنا نتساءل عما يدور في عقولهما وما هي أعمق أفكارهما واسئلتهما عن بعضهما البعض.

إن استخدام دوستويفسكي للطبيعة رائع، وهو موجود منذ الحرف الأول. حيث يستخدم وصف الطبيعة كأداة لرفع معنويات دييفوشكين:

 “استفقت هذا الصباح، فتحت نافذة البيت فإذا بالشمس المشرقة تلمع، والطيور تغرد، والهواء أُشبع بروائح الربيع الشذية. يبدو أن الطبيعة تنبعث من جديد، ويحيا كل شيء مما تبقى في الوجود بشكل كامل.”

أما حروفه فتعج بمستويات مختلفة من الحب واليأس، فضلاً عن ظهور الأمل على فترات. نثر دوستويفسكي ثري بشكل رائع وله طابع حديث للغاية. والشخصيات تتغير حسب ظروفهم؛ لقد تم بناءهم جيدًا، كما أن علاقتهم المتغيرة تبدو حقيقية في الحياة. وكما هو الحال مع جميع أعمال دوستويفسكي، تمتلئ رواية الفقراء بالجمال والعاطفة. فالشخصيات واقعية في صميمها. كما أنه استطاع أن يصور قصة الحب والحياة في أدنى درجة من الطبقات الاجتماعية، وما يتعلق بها من تأثير الفقر المدقع على الشخصية والسلوك. هذا بالإضافة إلى أنه استطاع أن يجعلنا تأثير المدينة نفسها، من خلال إغراقنا في سان بطرسبرج بسمائها الملبدة بالغيوم، وقنواتها المسدودة بالجليد، والمباني المكتظة، مع ضوضاءها وغرفها المحمومة وهواءها النتن.

شخصيات رواية الفقراء

بطل رواية الفقراء هو أحد أبطال دوستويفسكي المهمشين الذين يعتقدون في قرارة أنفسهم إذا كانوا موجودين أم لا؟ فماكار هو رجل فقير يعيش في غرفة صغيرة خلف مطبخ ويعمل كناسخ. لذا فليس لديه مساحة أو مساهمة أصلية خاصة به. وشخصيته لا تنبض بالحياة إلا في رسائله ومن خلالها؛ فهو إن كان يكتب إلى فارفارا إلا أننا نستطيع أن نعرف أنه يكتب نفسه، ويخلق نفسه من خلال الكتابة، ولا يوجد إلا في الحوار مع فارفارا:

“عندما تعرفت عليكِ، بدأت أعرف نفسي بشكل أفضل … قبل مجيئك لم أكن أعيش حقًا في العالم على الإطلاق”

لذا عندما تغادر فارفارا بطرسبرغ لتتزوج كان الحوار يتوقف، ويختفي ماكار وتنتهي الرواية.

يمنحنا دوستويفسكي بعض الملامح النفسية لشخصياته من خلال بعض التشنجات النفسية. على سبيل المثال نجد أن ماكار لديه أسلوب متكرر في كثير من الحالات، وهذا الأسلوب أكثر من أي شيء آخر يكشف للقارئ عن حالته العصبية وشخصيته شديدة الدقة والضميرية. لذا فهو دائم التوتر بسبب الظروف التي أجبر على العيش فيها. وفارفارا بالمثل، فكما يمكننا أن نرى من خلال رسائلها، أنها حساسة للغاية وقادرة على حشر الكثير من المعاني في بضع عبارات بسيطة، ولكن لديها أيضًا شعورًا بالذنب أو الصدمة الخفية، والتي نبدأ فقط في استكشافها من خلال روايتها لبوكروفسكي. هنا يمكننا أن نرى بعض التأثيرات الأسلوبية لغوغول على دوستويفسكي، والازدهار النفسي الذي يستخدمه ليعبر عن شخصياته. ولكن على عكس غوغول، يتحدث دوستويفسكي بإحساس عميق وإنساني بالتعاطف.

العاطفة

لقد تم تجميع هذه الرواية بذكاء شديد، مما جعلنا نغوص في مراسلاتهما والتفكير في مواقف حياتهما في كل منعطف. وربما أحد أكثر الأجزاء المؤثرة في الرواية هي عندما كشفت فارفارا لماكار عن يوميات كتبتها عندما كانت أصغر سناً، توضح فيها بالتفصيل انتقال عائلتها من الريف إلى سانت بطرسبرغ، ومشاكل ديون عائلتها، وموت والدها المبكر، وتبنيها من قبل خالتها آنا ورعايتها العاطفية المشؤومة اللاحقة مع معلمها بوكروفسكي. كذلك روايتها لعلاقة بوكروفسكي بوالده السكير وسوء معاملة ابنه له رغم حبه الشديد. هناك أيضًا وصفها لمرض بوكروفسكي ووفاته، حيث تم إخبارنا عنه بطريقة مباشرة وواقعية، دون الكثير من الزخرفة … ومع ذلك، فإن التأثير العاطفي مازال موجوداً وبشكل رائع. قد يكون دوستويفسكي يتحدث من خلال رواه، لكنهم أنفسهم يكشفون لنا فقط ما يختارون الكشف عنه لبعضهم البعض، ومن الواضح أن هذا ليس كل شيء – كما نرى في نهاية الرواية. وبهذه الطريقة يتخطى دوستويفسكي الحافة الخشنة للميلودراما العاطفية دون الدخول في الأمر.

يوفر دوستويفسكي قدرًا كبيرًا من المساحة للتفاصيل العادية والتافهة والاقتصادية لحياة أبطاله، وكيف يمكن أن تؤدي الحاجة إلى بذلة جديدة أو زوج جيد من الأحذية إلى مشاكل كبرى. وهذا هو الحال بشكل خاص في حالة ماكار، حيث إن وظيفته ككاتب نسخ محتقر كانت معرضة للخطر في وقت من الأوقات بسبب أحد الأزرار التي سقطت من سترته، وهو ما حدث أمام المسؤول الحكومي. هنا ينقاد القارئ إلى هذه النقطة بشعور من الرهبة المطلقة لما سيحدث له. لكن لحسن الحظ، يشفق “صاحب المعالي” على ماكار ويعطيه فرصة أخرى، بالإضافة إلى إعطائه بعض المال من أجل شراء ثياب جديدة.

اقرأ أيضًا: بعض القصص ينبغي ألا تُحكى أبداً – الجزء الأول


اقتباسات من رواية الفقراء

  • الإنسان كائن غريب في بعض الأحيان، غريب ومدهش على نحو قوي.
  • إننا معشر الشيوخ لا نتمسك سوى بالأشياء القديمة، وكأن ذلك ناجم عن تأثير عاطفة طبيعية.
  • يُقال إن الندم يخفف عن النفس؛ لكنه على العكس من ذلك، بات يمتزج عندي بالشعور بالكبرياء والألم.
  • إن الإنسان الفقير أقبح من خرقة بالية، وإنه لا يمكن أن يتمتع بأي اعتبار مهما كُتب عنه ما كُتب.
  • في استطاعتي أن أؤكد بأني عشت كثيرًا في هذا العالم، إلى حد أن البعض أراد ذات مرة أن يعرضني للصلب.
  • إن الفضيلة المدنية الرئيسية هي أن يعرف المرء كيف يكسب مالًا.
  • العبرة التي ينبغي على المرء استخلاصها هي ألا يكون عالة على أحد. غن كسرة خبزي هي ملك لي، ومن عرق جبيني، إنها في الحقيقة مجرد كسرة خبز – غالبًا ما تكون صلبة – إنما أكسبها انا من عملي، وهي حلال طيب لي.
  • إن الإنسان ليحب بعد كل شيء أن ينصف نفسه بين الحين والأخر.
  • أية متعة يمكن للمرء أن يشعر بها حين يرى طفلًا ما، هو فلذة كبده، يتعذب ويتألم دون أن يستطيع مساعدته.
  • إن الأدب شيء رفيع جدًا، إنه لشيء عميق، شيء يقوي قلوب الناس، ويغذي عقولهم.
  • لا يمكن للمرء أن يعيش كل حياته وهو يستعدي الناس، ويعتزلهم، ويعيش في مبعدة عنهم.
  • إن الله هو الذي يحدد أقدار الناس، ومصائرهم المختلفة. هذا قدره أن يحمل رتبة جنرال، وذاك مكتوب عليه أن يخدم الدولة خدمة وضيعة. تلك هي إرادة الله في خلقه ومشيته العليا التي ما علينا نحن بني البشر سوى الإيمان بها في خضوع وصمت. وقد توزعت هذه المصائر والأقدار بحسب قدرات كل إنسان ووفقًا لاستعداداته: فهذا مؤهل لهذه المهمة، وذاك لمهمة أخرى، وهكذا دواليك، وإن الله بالذات هو الذي حدد تلك القدرات والاستعدادات لعباده.
  • هناك بعض المؤلفات التي عبثًا ما نعكف على قراءتها، وعلى إعادة تلك القراءة، بازلين قصارى الجهد والعناء لاستيعاب ما نقرأه، بينما نحن لا نفهم في النهاية أي شيء منها.
  • إن الفقراء لأصحاب نزوات، وقد أرادت الطبيعة أن يكونوا كذلك، إن الفقير لمرتاب وظنون. بل إن له طريقة خاصة في تأمل العالم من حوله. إنه يلاحظ من خلال مؤق العين كل عابر، ويلقي على جميع ما يحيط به نظرة قلقلة، ويصيخ السمع لكل كلمة معتقدًا أن الناس تتحدث عنه دائمًا، وتنتقد مظهر الخارجي الوضيع.

لا تقرأ وترحل.. عبر عن رأيك